بين البحر الأحمر ومضيق هرمز: من جغرافيا الاختناق إلى هندسة الأمن البحري العالمي (١-٣)!؟[ اعادة نشر ]

مقاربة استراتيجية في ضوء التحولات التي أفرزتها الحرب الثلاثية في الشرق الأوسط
لم تعد الجغرافيا البحرية في القرن الحادي والعشرين مجرد إطار تتحرك داخله التجارة العالمية، بل تحولت إلى أحد أهم محددات القوة والنفوذ وإعادة تشكيل النظام الدولي. فالممرات البحرية لم تعد تقاس باتساعها الجغرافي، وإنما بقدرتها على التأثير في أسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد، وحسابات الردع، واستقرار الاقتصاد العالمي. ومن ثم، أصبحت كل أزمة تقع عند أحد هذه الممرات أزمة تتجاوز حدود الإقليم لتلامس بنية الأمن الدولي برمتها.
وقد جاءت الحرب الثلاثية الأخيرة في الشرق الأوسط لتكشف، بصورة غير مسبوقة، أن الصراع لم يعد يدور فقط حول السيطرة على الأرض، وإنما حول التحكم في عقد الاتصال العالمية التي تربط الشرق بالغرب، والإنتاج بالأسواق، والطاقة بالصناعة. وفي هذا السياق عاد البحر الأحمر ومضيق هرمز إلى صدارة الاهتمام الدولي، ليس باعتبارهما ممرين ملاحيين فحسب، بل باعتبارهما مركزين لإعادة تعريف مفهوم الأمن البحري، واختبارًا لقدرة القوى الإقليمية والدولية على إدارة الأزمات دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
ورغم ما يجمع البحر الأحمر ومضيق هرمز من مكانة استراتيجية استثنائية، فإن لكل منهما بنية جيوسياسية مختلفة، ومعادلة أمنية خاصة، وأنماطًا متباينة من التهديدات، وهو ما يجعل المقارنة بينهما تتجاوز الوصف الجغرافي إلى تحليل فلسفة إدارة الاختناق البحري، وحدود الردع، ومستقبل الممرات الاستراتيجية في عالم يتجه نحو تعدد مراكز القوة وتزايد الاعتماد المتبادل.
ومن هذا المنطلق، تسعى هذه السلسلة إلى تقديم مقاربة استراتيجية تتجاوز المقارنات التقليدية، فتقرأ أوجه التشابه والاختلاف بين البحر الأحمر ومضيق هرمز من منظور الأمن الدولي والاقتصاد السياسي والجغرافيا الاستراتيجية، كما تستشرف مآلات التنافس على الممرات البحرية، والدروس التي فرضتها الحرب الراهنة، وما قد تؤسس له من هندسة جديدة للأمن البحري العالمي خلال العقود المقبلة.
أولاً: التشابه… شريانان في قلب الاقتصاد العالمي
يتمتع البحر الأحمر ومضيق هرمز بخمس سمات مشتركة تجعل أي اضطراب فيهما حدثًا عالميًا لا إقليميًا.
أولها، أنهما يمثلان عقدتين رئيسيتين في شبكة التجارة الدولية؛ إذ يربط البحر الأحمر بين أوروبا وآسيا عبر قناة السويس، بينما يشكل هرمز البوابة الرئيسة لصادرات النفط والغاز القادمة من الخليج العربي عبر ايران وعمان.
وثانيها، أن كليهما يعد نقطة اختناق بحرية (Chokepoint)، بحيث يمكن لحدث أمني محدود أن ينعكس مباشرة على سلاسل الإمداد العالمية وأسعار الشحن والطاقة والتأمين.
وثالثها، أن أمنهما لم يعد مسؤولية الدول المطلة وحدها، بل أصبح قضية تتداخل فيها مصالح القوى الكبرى، من الولايات المتحدة والصين إلى الاتحاد الأوروبي والهند واليابان.
ورابعها، أن التهديدات فيهما لم تعد تقليدية، بل انتقلت من المواجهات البحرية المباشرة إلى الحروب غير المتماثلة، والطائرات المسيّرة، والصواريخ الدقيقة، والألغام البحرية، والهجمات التي تنفذها جهات غير حكومية.
أما خامسها، فهو أن أي اضطراب في أحد الممرين ينعكس سريعًا على الآخر، لأن منظومة التجارة العالمية باتت مترابطة بصورة غير مسبوقة، وهذا ما دعاني للوقوف على الآفاق المنظورة لهذه الشرايين الحيوية وانعكاسات اي تطورات فيها على الأوضاع الدولية.
ثانياً: الاختلاف… بحر عالمي في مواجهة مضيق نفطي
ورغم التشابه الكبير، فإن الفوارق الجوهرية بينهما أكثر أهمية من أوجه الاتفاق.
فمضيق هرمز هو ممر بحري ضيق للغاية، لا يتجاوز عرضه الملاحي عشرات الكيلومترات، ويمكن عمليًا إغلاقه أو تعطيله لفترات محدودة إذا تصاعدت المواجهة العسكرية. أما البحر الأحمر فهو فضاء بحري واسع يمتد لأكثر من ألفي كيلومتر، ولا يمكن إغلاقه بالكامل، وإن كان يمكن تعطيل الملاحة فيه عبر استهداف السفن أو تهديدها على امتداد خطوط العبور.
كما أن القيمة الاقتصادية لكل منهما تختلف في طبيعتها؛ فهرمز يرتبط أساسًا بأمن الطاقة العالمي، بينما يرتبط البحر الأحمر بأمن التجارة العالمية بأكملها، بما يشمل الحاويات والبضائع والمواد الخام والطاقة في آن واحد.
ومن زاوية الجغرافيا السياسية، يتركز القرار الأمني في هرمز بين عدد محدود من الفاعلين، بينما يحيط بالبحر الأحمر عدد أكبر من الدول (٨ دول)، إضافة إلى تشابك الأوضاع في القرن الإفريقي واليمن والسودان، وهو ما يجعل بيئته الأمنية أكثر عمقاً وتعقيدًا.
ثالثاً: ماذا كشفت الحرب الأخيرة؟
أثبتت الحرب أن مفهوم “إغلاق الممرات البحرية” لم يعد يعني إغلاقها فعليًا، بل يكفي رفع مستوى المخاطر حتى تحقق الجهة المهاجمة جزءًا كبيرًا من أهدافها.
ففي البحر الأحمر لم تتوقف الملاحة بالكامل، لكن عدداً كبيراً من شركات الشحن العالمية فضّل تحويل مساره عبر رأس الرجاء الصالح، رغم ما يترتب على ذلك من زيادة في الزمن والتكاليف واستهلاك الوقود.
وفي المقابل، بقي مضيق هرمز مفتوحًا في أغلب مراحل الأزمة، لكن مجرد احتمال تعطله كان كافيًا لرفع أسعار النفط وإثارة القلق في الأسواق العالمية والأسهم والسندات.
وهذا يؤكد أن الاقتصاد العالمي أصبح شديد الحساسية تجاه المخاطر الأمنية، حتى وإن لم تتحول إلى إغلاق فعلي.
رابعاً: البحر الأحمر… من ممر تجاري إلى مسرح تنافس دولي
أفرزت الحرب تحولًا مهمًا يتمثل في انتقال البحر الأحمر من مجرد طريق ملاحي إلى فضاء للتنافس الاستراتيجي بين القوى الدولية والإقليمية.
فالقواعد العسكرية الأجنبية تتزايد في محيطه كل وفق أجندته، والاستثمارات في الموانئ تتسارعبصورة لافتة ، كما أصبحت السيطرة على سواحله جزءًا من معادلات النفوذ في إفريقيا وسباق الارادات في الشرق الأوسط.
ولذلك فإن مستقبل البحر الأحمر لن تحدده فقط قدرات الدول المطلة عليه، وإنما أيضًا طبيعة التوازنات الدولية فيه.
خامساً: الدروس المستفادة… نحو نموذج جديد للأمن البحري
تكشف التجربة أن الاعتماد على الرد العسكري وحده لا يحقق أمن الممرات البحرية بصورة مستدامة، في ظل اطراد التقانة ومقتضياتها.
فالمطلوب هو الانتقال من مفهوم “حماية السفن” إلى مفهوم “إدارة البيئة الأمنية” المحيطة بالممرات، عبر خمسة محاور:
• بناء منظومة إقليمية للأمن البحري تقودها الدول المشاطئة نفسها.
• تعزيز تبادل المعلومات والإنذار المبكر والتنسيق الاستخباراتي.
• ربط أمن البحر بالأمن الداخلي للدول الساحلية، لأن هشاشة الدولة تنعكس مباشرة على أمن الملاحة.
• تحييد الممرات البحرية عن الصراعات السياسية والعسكرية بقدر الإمكان.
• إشراك القوى الاقتصادية الكبرى في تحمل مسؤولية أمن الممرات وفق قواعد القانون الدولي، وليس وفق ترتيبات أحادية، أو منظور تقليدي محدود الأثر والمنفعة.
سادساً: أين يقف السودان؟
بالنسبة للسودان، لا يمثل البحر الأحمر مجرد منفذ بحري، بل هو ركيزة من ركائز الأمن القومي والاقتصاد الوطني والسياسة الخارجية.
ومع ما يشهده الإقليم من تنافس متصاعد، فإن استقرار الساحل السوداني، وتطوير الموانئ، وتعزيز القدرات البحرية، والانخراط الفاعل في أي منظومة إقليمية لأمن البحر الأحمر، لم تعد خيارات تنموية فحسب، بل أصبحت ضرورات استراتيجية ملحة.
كما أن الحرب السودانية أظهرت أن أمن البحر الأحمر لا ينفصل عن أمن الداخل؛ فكلما تعزز استقرار الدولة، ازدادت قدرتها على حماية أحد أهم الممرات البحرية في العالم، والتشارك مع الفاعلين حوله خاصة الجوار والأشقاء .
خاتمة
تكشف هذه القراءة الأولية أن البحر الأحمر ومضيق هرمز، رغم انتمائهما إلى الفضاء الجيوسياسي نفسه، يمثلان نموذجين مختلفين في إدارة المخاطر البحرية وصناعة النفوذ الاستراتيجي. فالجغرافيا وحدها لا تصنع الأهمية، وإنما تتعاظم قيمتها بقدر ما ترتبط بتدفقات الطاقة والتجارة، وبقدرة الفاعلين على تحويل الموقع إلى أداة تأثير أو إلى نقطة ضغط في معادلات الصراع الدولي.
لقد أظهرت الحرب الأخيرة أن العالم دخل مرحلة جديدة لم تعد فيها الممرات البحرية مجرد خطوط عبور، بل أصبحت مسارح لإعادة رسم توازنات القوة، ووسائل لإعادة توزيع النفوذ بين القوى الكبرى والإقليمية. ومن ثم، فإن مستقبل الأمن البحري لن تحدده الجغرافيا وحدها، وإنما ستحدده أيضًا طبيعة التحالفات، والتطورات التقنية، وقدرة المجتمع الدولي على بناء منظومة ردع جماعية تحول دون تحويل هذه الشرايين الحيوية إلى أدوات ابتزاز أو ساحات مواجهة مفتوحة.
وفي الحلقة الثانية، ننتقل من الإطار النظري إلى المقارنة العملية بين البحر الأحمر ومضيق هرمز، من حيث الجغرافيا الاستراتيجية، وحجم الملاحة والتجارة والطاقة، وطبيعة التهديدات، والفاعلون المؤثرون، ولماذا تختلف كلفة تعطيل كل منهما على الاقتصاد العالمي، رغم أن كليهما يشكل ركيزة أساسية لاستقرار النظام الاقتصادي الدولي.
—————-
١٠ يوليو ٢٠٢٦ م



