
في السياسة الدولية لا توجد صداقات دائمة، ولكن توجد نوافذ تُفتح وتُغلق. قمة الناتو في أنقرة يومي 7 و8 يوليو 2026 فتحت واحدة من أهم هذه النوافذ أمام السودان. فبعد سنوات طويلة من البرود وسوء التفاهم بين واشنطن وأنقرة، عاد الرئيسان ترامب وأردوغان ليجلسا على طاولة واحدة ويتبادلا خطاباً إيجابياً غير مسبوق. الحديث لم يكن مجاملة دبلوماسية، بل كان غزلاً براغماتياً قائماً على الصفقات والمصالح. رفع للعقوبات، وعودة لبرنامج F-35، وهدف للوصول بحجم التبادل التجاري إلى 100 مليار دولار. هذا التحول ليس حدثاً ثنائياً معزولاً، بل هو إعادة رسم لخريطة النفوذ في الشرق الأوسط والبحر الأحمر، والسودان يقع في قلب هذه الخريطة. والسؤال الآن: كيف نحول “نافذة أنقرة” إلى باب وطني نعبر به من الأزمة إلى الدولة؟
السبب الرئيسي الذي جعل تركيا مهمة لأمريكا اليوم هو الإحباط الأمريكي من الحلفاء الأوروبيين. إدارة ترامب سئمت من الخلافات الأبدية حول الإنفاق العسكري والحرب على إيران وملف غرينلاند. هي تبحث عن شريك داخل الناتو عملي ومباشر ويفهم لغة الصفقات. وجدت ذلك في تركيا. أنقرة جاهزة لشراء السلاح والطاقة والتكنولوجيا، وهي موجودة فعلياً على الأرض في سوريا وليبيا والصومال والبحر الأحمر. كما أن شعار “إنهاء الحروب” الذي يرفعه ترامب تجده حاضراً في الخطاب التركي حول غزة والسودان وليبيا. لهذا تحولت تركيا من المشاكس إلى الوسيط المفضل، وهذا هو المفتاح الذي يمكن أن يفيد الخرطوم.
أول الأبواب التي يمكن أن يدخل منها السودان هو باب السلام. ملف السودان اليوم يعاني من تعدد الوسطاء وتضارب المبادرات وغياب التنسيق. التقارب الأمريكي-التركي يتيح فرصة نادرة لتوحيد الجهد. يمكن لتركيا أن تتقدم بمبادرة سلام شاملة للسودان بغطاء أمريكي صريح. واشنطن تمارس الضغط المالي والسياسي على الممولين والداعمين الإقليميين، وأنقرة تستخدم نفوذها المباشر على الأطراف في الميدان. الشعار المشترك سيكون مقنعاً للطرفين: إنهاء الحرب مطلب أمريكي، والمصالحة المجتمعية هدف تركي. وعندما يلتقي الشعاران في ملف واحد تصبح الفرصة أكبر للنجاح.
الباب الثاني هو باب الإعمار والخدمات. العقبة الأكبر أمام أي مشروع إعمار في السودان كانت دائماً “مخاطر العقوبات” ونفور البنوك والشركات الكبرى. ومع رفع العقوبات عن تركيا وانفتاح البنوك التركية على النظام المالي الأمريكي، أصبحت أنقرة قادرة على العودة بقوة للاستثمار في البنية التحتية السودانية. يمكننا هنا أن نقترح إنشاء صندوق إعمار سوداني-تركي بضمانة ضمنية من المؤسسات المالية الأمريكية. تتولى الشركات التركية التنفيذ في قطاعات الكهرباء والمياه والموانئ والطرق، وتمنح واشنطن الضوء الأخضر المالي. بهذه الطريقة نحقق لترامب ما يريده من صفقات بمليارات الدولارات، ونحقق لأنفسنا ما نحتاجه من كهرباء مستقرة ومياه نظيفة ومعاش آمن للمواطن.
الباب الثالث هو باب التوازن الإقليمي. الساحة السودانية اليوم مزدحمة باللاعبين الإقليميين ولكل منهم أجندته. وجود تركيا قوية وبغطاء أمريكي يعيد التوازن ويمنع تحول السودان إلى ساحة نفوذ لدولة واحدة. يمكن للخرطوم أن تعلن ترحيبها بشراكة ثلاثية أمريكية-تركية-سودانية في البحر الأحمر تركز على الأمن الغذائي والطاقة والنقل، وتبتعد عن لغة المحاور العسكرية. هذا الموقف يمنح السودان دور “الدولة الجسر” بدل “دولة الساحة”.
ولكن هذه الفرصة لن تستمر طويلاً إذا لم نستعد لها. النافذة ستُغلق سريعاً إذا دخلناها بعقلية الماضي. أول الشروط أن يكون لدينا قالب موحد للمخاطبة. العالم سئم من تعدد الأصوات التي تتحدث باسم السودان. يجب أن يكون لرئاسة الوزراء هيكل وظيفي واضح ومتفق عليه حتى تعرف أنقرة وواشنطن مع من تتفاوض ومن يحاسب. ثاني الشروط أن نذهب بملف واحد محدد بدل قائمة طويلة من المشاكل. أن نقول نريد إعمار قطاع الكهرباء والمياه خلال 18 شهراً برقم وتمويل وزمن. هذه هي اللغة التي يفهمها ترامب ويفهمها المستثمر التركي. ثالث الشروط هو الحياد الإيجابي. لا ننحاز لتركيا ضد الخليج ولا لأمريكا ضد إيران. نكون منسقين لا تابعين، وشركاء لا أدوات.
التاريخ لا يمنح الدول فرصاً كثيرة. جلوس أكبر قوتين في الناتو حول طاولة واحدة في أنقرة والاتفاق على إدارة المنطقة معاً هو فرصة من هذا النوع. إذا أحسن السودان استغلالها يمكن أن ينتقل من موقع “دولة الأزمة” إلى موقع “دولة الجسر”، جسر بين أفريقيا والعرب، وجسر بين أمريكا والشرق الأوسط. أما إذا دخلنا هذه النافذة بذات العقلية القديمة من المحاصصات والشخصنة وغياب الرؤية، فسنخرج منها بالنتيجة ذاتها: مزيد من التهميش ومزيد من الانتظار.
السؤال الآن لم يعد ماذا يريد ترامب من أردوغان. السؤال الحقي هو ماذا نريد نحن من الاثنين معاً؟ والإجابة على هذا السؤال يجب أن تكون جاهزة قبل أن تُغلق النافذة. ٨ يوليو ٢٠٢٦م






