الرواية الأولى

نروي لتعرف

آفاق رقمية / د. محمد عبدالرحيم يسن

فريق وكلاء الذكاء الاصطناعي

د. محمد عبدالرحيم يسن

(٥/٤)

في المقال السابق تعرفنا على الوكيل الذكي، ورأينا أنه أصبح قادرا على تنفيذ المهام، واستخدام الأدوات، والتخطيط للوصول إلى الهدف المطلوب. وتمثل الخطوة التالية في تطور الذكاء الاصطناعي انتقاله من الوكيل الواحد إلى فرق كاملة من الوكلاء المتخصصين، يعمل كل واحد منها في مجال محدد، ويتعاون مع بقية الوكلاء لإنجاز مهمة مشتركة.

يشبه هذا الأسلوب طريقة عمل المؤسسات الناجحة، فكل إدارة تؤدي دورا مختلفا، وتتكامل أعمالها مع الإدارات الأخرى حتى تكتمل الخدمة. وقد انتقل هذا المفهوم إلى الذكاء الاصطناعي، إذ يتم توزيع العمل بين مجموعة من الوكلاء، يتولى كل واحد منهم جانبا يتناسب مع تخصصه، مما يرفع الكفاءة، ويحسن جودة النتائج، ويمنح النظام قدرة أكبر على التعامل مع المهام المعقدة.

ولتقريب الصورة، لنتخيل مستشفى يعتمد على فريق من الوكلاء الأذكياء. يستقبل أحد الوكلاء بيانات المريض ويصنف حالته، ثم يرسلها إلى وكيل آخر يراجع التاريخ الطبي، بينما يحلل وكيل ثالث نتائج الفحوصات المخبرية، ويقارنها بالمراجع الطبية، ويتولى وكيل رابع تنسيق المواعيد مع الطبيب المختص، ثم يجهز وكيل آخر التقرير الطبي، ويرسل الوصفات والتعليمات إلى الصيدلية. تبدو العملية للمراجع خدمة واحدة متكاملة، بينما تتعاون في تنفيذها مجموعة من الوكلاء، يعمل كل منهم في نطاق اختصاصه.

يحتاج هذا التعاون إلى قواعد تنظم تبادل المعلومات بين الوكلاء، تماما كما تعتمد المؤسسات على اللوائح والإجراءات لتنظيم العمل بين إداراتها. ولهذا ظهرت بروتوكولات جديدة تسمح للوكلاء بالتواصل، وتبادل المهام، ومشاركة النتائج بصورة منظمة وآمنة، ومن أبرز هذه البروتوكولات بروتوكول التواصل بين الوكلاء (A2A)، الذي يتيح لكل وكيل إحالة جزء من المهمة إلى وكيل آخر يمتلك خبرة أو صلاحيات مختلفة، ثم استلام النتيجة ومواصلة العمل، وبهذه الطريقة تتوزع المسؤوليات، ويستفيد كل وكيل من قدرات بقية أعضاء الفريق من الوكلاء.

كما ظهر بروتوكول سياق النموذج (MCP)، الذي يوفر طريقة موحدة لربط الوكلاء بقواعد البيانات، والملفات، والأنظمة المؤسسية، والخدمات الإلكترونية. ويؤدي ذلك إلى تبسيط عملية بناء الوكلاء، وتقليل الجهد المطلوب لدمجهم مع الأنظمة المختلفة، مع المحافظة على أمن البيانات وسهولة إدارتها.

وتشير التطورات الحالية إلى أن المؤسسات ستتجه إلى بناء فرق رقمية تعمل إلى جانب فرق العمل البشرية، يتخصص كل وكيل في وظيفة محددة، ويتعاون مع بقية الوكلاء وفق سياسات المؤسسة وإجراءاتها، وستتولى هذه الفرق كثيرا من الأعمال الروتينية، وتسرع إنجاز العمليات، وتمنح الموظفين وقتا أكبر للتركيز على الأعمال التي تتطلب الخبرة البشرية، والإبداع، واتخاذ القرارات، وفي المرحلة القادمة سوف يرتبط نجاح المؤسسات في قدرتها على تنظيم بياناتها، وربط أنظمتها، وتحديد إجراءات العمل بصورة واضحة ومحددة، لأن الوكلاء الأذكياء يحققون أفضل أداء داخل بيئة رقمية منظمة، تمتلك بيانات موثوقة، وقواعد عمل دقيقة، وأهدافا واضحة.

في الحلقة الأخيرة نتناول كيف سيغير انتشار الوكلاء الأذكياء طبيعة العمل، والمهارات التي سيحتاجها الإنسان في السنوات القادمة، ولماذا سيصبح التعاون بين الإنسان والذكاء الاصطناعي الخيار المفضل.

اترك رد

error: Content is protected !!