الرواية الأولى

نروي لتعرف

آفاق رقمية / د. محمد عبدالرحيم يسن علوم وتكنلوجيا

كيف نبني وكيلا ذكيا؟

د. محمد عبدالرحيم يسن

(٥/٣)

في الحلقتين السابقتين من هذه السلسلة تناولنا التحول الذي يشهده الذكاء الاصطناعي، وانتقاله من نموذج يجيب على الأسئلة إلى منظومات قادرة على التفكير والاستدلال والمشاركة في إنجاز الأعمال. وذكرنا أن أبرز ملامح المرحلة القادمة يتمثل في ظهور الوكلاء الأذكياء، الذين يتوقع أن يصبحوا الواجهة الجديدة للتعامل مع الأنظمة الرقمية. ويبقى السؤال: كيف يبنى هذا الوكيل؟

قد يبدو أن الوكيل الذكي ليس سوى نسخة مطورة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي نستخدمها اليوم، إلا أن الواقع مختلف. فالنموذج اللغوي، مثل جات جي بي تي، مهما بلغت قدراته، يشبه خبيرا واسع المعرفة يستطيع تقديم المشورة والإجابة عن الأسئلة، بينما يحتاج الوكيل الذكي إلى عناصر أخرى تجعله قادرا على تحويل المعرفة إلى عمل.أول هذه العناصر هو العقل، ويتمثل في النموذج اللغوي الذي يفهم الطلب، ويحلل المشكلة، ويقترح أفضل طريقة للتعامل معها، غير أن العقل وحده لا يكفي، فالإنسان نفسه لا يعتمد على التفكير فقط، وإنما يستند إلى ذاكرته، وخبراته، والأدوات التي يستخدمها، والبيئة التي يعمل فيها.

ولهذا يحتاج الوكيل إلى ذاكرة تحفظ ما تعلمه، وتتذكر طبيعة المؤسسة التي يعمل داخلها، وسياساتها، وإجراءاتها، حتى لا يبدأ من الصفر مع كل مهمة جديدة، كما يحتاج إلى مصادر معرفة موثوقة، مثل اللوائح الداخلية، وقواعد البيانات، والأدلة التشغيلية، خاصة أن جودة قراراته ترتبط بجودة المعلومات التي يعتمد عليها.

ثم تأتي الأدوات، وهي ما يمنح الوكيل القدرة على العمل خارج حدود المحادثة، بدل الاكتفاء باقتراح إرسال رسالة إلكترونية، يستطيع إرسالها فعلا، وبدل أن يوصي بإعداد تقرير، يستطيع جمع البيانات اللازمة، وتحليلها، وإنتاج التقرير، ثم إرساله إلى الجهة المعنية.ومعلوم أن كثير من المهام تتكون من عدة مراحل، يحتاج الوكيل أيضا إلى القدرة على التخطيط، فهو لا ينظر إلى المهمة كخطوة واحدة، وإنما يقسمها إلى مراحل مترابطة، ويرتبها وفق الأولويات، ويتحقق من نجاح كل مرحلة قبل الانتقال إلى المرحلة التي تليها. وإذا واجه عقبة، يعيد تقييم الموقف، ويبحث عن مسار آخر يحقق الهدف نفسه.

ولتقريب الصورة، فلنتخيل وكيلا يعمل في شركة للتسويق العقاري. عندما يطلب منه أحد العملاء شراء عقار، لا يكتفي بعرض قائمة من الخيارات، وإنما يبدأ بتحليل احتياجات العميل، ثم يبحث في قاعدة البيانات عن العقارات المناسبة، ويقارن الأسعار والمواقع، ويرتب النتائج، ويقترح أفضل البدائل، ثم ينسق موعد المعاينة، ويجهز مسودة العقد، ويتابع سير الإجراءات حتى اكتمال العملية. جميع هذه الخطوات تبدو للمستخدم كأنها خدمة واحدة، بينما ينفذها الوكيل من خلال سلسلة مترابطة من العمليات.

ولبناء وكيل ذكي مهم تعليمه طبيعة العمل الذي نريد منه أن ينجزه، ثم تنظيم البيانات، وربط الأنظمة، وتحديد الصلاحيات، ووضع الضوابط التي تحكم قراراته. فكلما كانت بيئة العمل منظما، كان أداء الوكيل دقيقا.

ولهذا فإن التحدي الحقيقي في السنوات القادمة في بناء وكلاء يفهمون بيئات العمل، ويتكاملون مع الأنظمة القائمة، ويعملون وفق سياسات المؤسسة وأهدافها وليس امتلاك أحدث نماذج الذكاء الاصطناعي.

في الحلقة القادمة نتناول كيف يعمل فريق كامل من الوكلاء الأذكياء، والتعاون فيما بينهم.

اترك رد

error: Content is protected !!