ترامب… عقلية التاجر في صناعة القرار الأمريكي(قراءة في التحول من الجيوبوليتيك التقليدي إلى دبلوماسية المصالح… ومدخل السودان إلى إدارة ترامب)

تكشف التجربة السياسية الحديثة أن الدول الكبرى لا تُدار دائماً وفق المدارس التقليدية المعروفة في علم السياسة والعلاقات الدولية، فبعض القادة لا يصلون إلى السلطة حاملين عقل الدولة بمفهومها المؤسسي المعروف، وإنما يصلون إليها وهم يحملون معهم الخلفية الفكرية والمهنية التي صنعتهم قبل السياسة، وحينها تبدأ الدولة نفسها في إعادة إنتاج سلوكها الخارجي بما يتناسب مع عقلية الحاكم لا مع التقاليد السياسية المستقرة.
وهذا تحديداً ما مثّله وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، إذ لم يصل الرجل إلى الحكم عبر المؤسسة السياسية الأمريكية التقليدية، ولم يتشكل داخل المدارس الدبلوماسية أو المؤسسات العسكرية أو مراكز صناعة القرار الاستراتيجي، وإنما جاء من عالم المال والأعمال والاستثمار والعقارات، حاملاً معه العقلية التي صنعت إمبراطوريته الاقتصادية، وهي عقلية تقوم على قاعدة شديدة الوضوح: لا شيء مجانياً… كل شيء يجب أن يُقاس بمنطق الصفقة والعائد المباشر.
ومن هنا يصبح فهم السياسة الأمريكية في عهد ترامب أكثر دقة إذا جرى النظر إليها باعتبارها امتداداً مباشراً لعقلية رجل أعمال كبير انتقل فجأة من إدارة الشركات إلى إدارة الدولة الأقوى في العالم، دون أن يغادر تماماً قواعد التفكير التي حكمت حياته المهنية لعقود طويلة.
لقد أعاد ترامب تعريف مفهوم التحالفات الدولية بطريقة غير مألوفة في السياسة الأمريكية التقليدية. فبينما كانت الإدارات السابقة تنظر إلى التحالفات بوصفها ترتيبات استراتيجية طويلة المدى تخدم النفوذ الأمريكي العالمي، كان ترامب ينظر إليها بوصفها علاقة تجارية يجب أن يدفع فيها الطرف الآخر مقابلاً واضحاً للحماية أو الدعم أو الشراكة.
وقد انعكس هذا النمط من التفكير بوضوح على علاقته مع دول الخليج العربي، خاصة السعودية، الإمارات وقطر.
ففي العلاقة مع السعودية، لم يخف ترامب في أكثر من مناسبة أن العلاقة بين واشنطن والرياض يجب أن تُترجم إلى صفقات اقتصادية مباشرة. وخلال زيارته الشهيرة للرياض في مايو 2017م تحولت الزيارة إلى أكبر منصة لعقود التسليح والاستثمارات، حيث تجاوزت الاتفاقيات المعلنة مئات المليارات من الدولارات، في مشهد بدا وكأنه مؤتمر أعمال أكثر منه زيارة سياسية تقليدية.
الأمر نفسه تكرر مع الإمارات، حيث ظلت أبوظبي خلال سنوات ترامب واحدة من أكثر الشركاء الإقليميين قدرة على توظيف المال السياسي والاقتصادي في بناء علاقة خاصة مع الإدارة الأمريكية، ليس فقط عبر صفقات التسليح، وإنما أيضاً عبر النفوذ الاقتصادي والاستثمارات الكبرى، الأمر الذي منحها هامش تأثير واسع داخل دوائر القرار الأمريكية.
أما قطر، فقد نجحت بدورها في قراءة طبيعة التفكير التي حكمت إدارة ترامب، وأدركت مبكراً أن بناء العلاقة مع واشنطن في تلك المرحلة لم يعد يمر فقط عبر القنوات السياسية التقليدية، وإنما عبر تعظيم الحضور الاقتصادي والاستثماري داخل الولايات المتحدة نفسها. ولذلك عملت الدوحة على توظيف أدواتها المالية، وصفقات الطاقة، وشبكات الاستثمار، لإعادة صياغة علاقتها مع الإدارة الأمريكية، لتنتقل تدريجياً من حالة التوتر السياسي في بدايات المرحلة إلى شراكة عملية فرضتها في النهاية حسابات المصالح المتبادلة.
لكن المثال الأكثر وضوحاً على العقلية التجارية لدى ترامب ظهر في تعامله مع إسرائيل والقضية الفلسطينية.
فالرجل تعامل مع الصراع العربي الإسرائيلي بعيداً عن التعقيد التاريخي والسياسي المعروف، ونظر إليه بعقلية رجل يبحث عن صفقة نهائية. فجاء مشروع ما عرف بـ “صفقة القرن”، وهو التعبير الأكثر دقة عن الطريقة التي كان ينظر بها ترامب للقضية الفلسطينية، باعتبارها ملفاً تجارياً قابلاً للتفاوض، وليس قضية تحرر وطني أو نزاعاً ممتداً له جذور تاريخية وقانونية معقدة.
وفي الحرب بين إسرائيل وحركة حماس، ظهر ذات المنطق مرة أخرى، حيث بدا الدعم الأمريكي لإسرائيل جزءاً من شبكة مصالح متداخلة تشمل النفوذ السياسي الداخلي، وشبكات التمويل، والصناعات العسكرية الأمريكية الضخمة التي تمثل الحروب بالنسبة لها سوقاً مفتوحة لإعادة الإنتاج وتحقيق الأرباح.
الأمر ذاته يمكن قراءته في سياسة ترامب تجاه إيران.
فالانسحاب من الاتفاق النووي لم يكن مجرد قرار سياسي مرتبط بأمن المنطقة، وإنما ارتبط أيضاً بإعادة تشكيل موازين القوة الاقتصادية في الشرق الأوسط بما يخدم الحلفاء القادرين على شراء الحماية الأمريكية وتمويل التحالفات الجديدة.
ولعل أزمة مضيق هرمز تقدم نموذجاً بالغ الوضوح لفهم هذه الطريقة من السلوك.
فهذا المضيق الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية لا يمثل بالنسبة للعقلية الأمريكية التقليدية مجرد ممر ملاحي استراتيجي، لكنه في عقل ترامب يتحول إلى ورقة تفاوض اقتصادية هائلة، لأن أي تهديد لحركة النفط يعني ارتفاع الأسعار، وتعاظم القلق لدى الحلفاء الخليجيين، وبالتالي استعداد أكبر لدفع المزيد مقابل استمرار الحماية الأمريكية.
بمعنى آخر، لم تعد الأزمات الدولية في حسابات دونالد ترامب تُقرأ باعتبارها تحديات أمنية مجردة أو ملفات أمن قومي بالمعنى التقليدي، وإنما باعتبارها أدوات قابلة لإعادة التوظيف داخل سوق المصالح الأمريكية الكبرى، حيث تتحول الأزمات الجيوسياسية نفسها إلى أوراق تفاوض تجاري تخدم حسابات العائد والمصلحة المباشرة.
ومن هذه الزاوية تحديداً يصبح فهم طبيعة التعامل مع إدارة ترامب مسألة بالغة الأهمية بالنسبة للدول التي تسعى لحماية مصالحها داخل النظام الدولي الجديد.
والإشكال الذي تقع فيه كثير من الدول عند التعامل مع إدارة ترامب أنها لا تزال تخاطب واشنطن وفق القواعد الدبلوماسية التقليدية، بينما العقل الذي يحكم القرار الأمريكي يبحث أولاً عن العائد المباشر وحسابات الصفقة والمصلحة.
وفي الحالة السودانية تبدو المشكلة أكثر تعقيداً، لأن الحرب الحالية خلقت لاعباً إقليمياً مؤثراً هو الإمارات، وهي دولة تملك قدرة مالية هائلة وتدعم بصورة واضحة مشروع مليشيا الدعم السريع، كما أنها تملك القدرة على تمويل التحركات السياسية والإقليمية المرتبطة بأجندتها داخل السودان، وهي قادرة ـ بلغة ترامب نفسها ـ على “سداد الفواتير” السياسية المطلوبة لحماية مصالحها.
وهنا تبدو إحدى الإشكالات الأساسية في المقاربة السودانية للملف الأمريكي، إذ لا يزال جزء معتبر من الخطاب السياسي السوداني يتعامل مع واشنطن وفق قواعد قديمة لم تعد تحكم طريقة صناعة القرار في البيت الأبيض.
فبدلاً من الاكتفاء بخطاب سياسي وأمني تقليدي، يفترض بالسودان أن يعيد صياغة علاقاته الخارجية انطلاقاً من سؤال بسيط: ما الذي يمكن أن نعرضه على أمريكا اقتصادياً بحيث تصبح مصلحة واشنطن مرتبطة ببقاء الدولة السودانية مستقرة وموحدة؟
الإجابة تبدأ أولاً عبر بناء تحالفات إقليمية مع دول تمتلك وزناً مالياً ومصالح استراتيجية مباشرة في استقرار السودان، وعلى رأسها السعودية وقطر.
فأمن السعودية القومي يرتبط بصورة مباشرة باستقرار البحر الأحمر، كما أن أي فوضى ممتدة في السودان تخلق بيئة تهدد الممرات البحرية وسلاسل الإمداد الحيوية للمملكة.
ولا يعني ذلك بأي حال أن تتحول العلاقات الخارجية إلى مساحة للتنازل عن السيادة الوطنية أو التفريط في القرار المستقل، فالتعاون وفق مبدأ المصالح المشتركة وتبادل المنافع يمثل أصلاً راسخاً في العلاقات الدولية، ولا يخصم من سيادة الدول متى ما أُدير بعقل وطني واضح، ورؤية استراتيجية تحفظ المصالح العليا للبلاد. فالسيادة لا تعني الانعزال عن شبكة المصالح الدولية، وإنما تعني القدرة على الدخول فيها من موقع الوعي والاختيار، لا من موقع الاضطرار والتبعية.
وفي الوقت نفسه يحتاج السودان إلى بناء حزمة مصالح اقتصادية واضحة تُعرض على واشنطن ضمن رؤية جديدة للعلاقة الثنائية.
هذه الحزمة يمكن أن تشمل الاستثمار الأمريكي في المعادن الاستراتيجية، خاصة الذهب والمعادن النادرة، ومشروعات الموانئ على البحر الأحمر، والبنية التحتية، والطاقة، والزراعة واسعة النطاق، والنقل البحري، إضافة إلى تحويل السودان إلى منصة لوجستية استراتيجية تربط شرق أفريقيا بمنطقة الخليج والبحر الأحمر.
القاعدة الأساسية هنا أن السودان لا ينبغي أن يخاطب أمريكا بوصفه دولة تطلب المساعدة، وإنما بوصفه دولة تملك فرصاً استثمارية ضخمة يمكن أن تتحول إلى جزء من المصالح الاقتصادية الأمريكية نفسها.
ولعل أبرز ما كشفته تجربة ترامب السياسية أن السياسة الأمريكية في عهده لم تعد تتحرك فقط وفق نظريات الجيوبوليتيك التقليدية، وإنما أصبحت تتحرك وفق منطق جديد أكثر صراحة ووضوحاً:الطرف الأكثر قدرة على إنتاج المصلحة الأمريكية هو الطرف الأقرب دائماً إلى دوائر القرار في واشنطن.
وإذا كانت إدارة دونالد ترامب قد أعادت صياغة السياسة الخارجية الأمريكية بمنطق السوق لا بمنطق التحالفات التقليدية، فإن التحدي الحقيقي أمام السودان لا يكمن في البحث عن التعاطف السياسي، وإنما في إعادة تقديم نفسه باعتباره جزءاً من المصالح الأمريكية ذاتها، لا مجرد أزمة تنتظر المعالجة. ذلك أن الصراع على النفوذ في النظام الدولي لم يعد يُحسم دائماً لصالح الطرف الذي يملك القضية الأكثر عدالة، وإنما غالباً لصالح الطرف الذي يدرك كيف يجعل مصالح القوى الكبرى جزءاً من معركته. أما الدول التي تعجز عن فهم التحولات التي تطرأ على طريقة تفكير هذه القوى، فإنها كثيراً ما تجد نفسها تخوض معارك الحاضر بأدوات الماضي، بينما تُعاد صياغة قواعد اللعبة الدولية من حولها دون أن تملك القدرة على التأثير فيها.






