الرواية الأولى

نروي لتعرف

الرواية الأولى / مجدي عبدالعزيز

جلطات الخطاب السياسي – ( مسؤول يتكلم والدولة تدفع الثمن )

مجدي عبدالعزيز

▪️خلال الأيام الماضية، تابعنا سلسلة من التصريحات والبيانات الرسمية التي يصعب وصفها بأنها مجرد سوء تقدير ، او اخطاء متعجلة نتيجة التعجل نحو المنابر دون تحضير كافي وواجب ، ودون دراسة وافية لارتدادات القول والحديث ،، حقيقةً كانت جلطاتٍ في الخطاب العام ، لأن بعض المسؤولين يتحدثون إلى الناس دون أن يدركوا أن كل كلمة تصدر عن مسؤول عام هي ليست رأيًا شخصيًا وإنما جزء من صورة الدولة نفسها..
فبؤس التعبير، وضعف بناء الرسالة، وغياب الحس السياسي لن يجعل من الكلمة أداة لتوضيح المواقف وتبيان الحقائق بل علي عكس المراد ترتبك الساحة ويضج ( الترند ) بالمستنسل الخاطئ من الخطاب ، وتأتي الانتقادات اللاذعة التي لا يتحملها جلد المسؤول وتصيبه ( بالكاروشا) .

▪️أصبح واضحًا أن أزمة الخطاب السياسي في السودان لم تعد أزمة بلاغة أو فصاحة، وإنما أزمة وعي بوظيفة الخطاب نفسه ، وازمة تدريب – مؤقت او مستمر – يستنكف البعض عن الخضوع اليه .

▪️السياسة لا تُمارس بالقرارات وحدها، بل باللغة أيضًا.
الكلمة في المجال العام ليست زينةً تُضاف إلى القرار، وإنما هي جزء من القرار ،، قد تنجح الحكومة في إنجاز عمل كبير ثم تهدم نصف أثره بسبب تصريح مرتجل أو بيان في غير محله أو مقابلة إعلامية تفتقر إلى الحد الأدنى من الإعداد .. ولهذا فإن أخطر ما يواجه الدولة ليس فقط سوء الإدارة بل سوء التعبير عن الإدارة.

▪️الناس لا يرون القرارات مجردة هكذا وإنما يرونها من خلال اللغة التي تُقدَّم بها وتحملها ، ، ومن هنا يصبح الخطاب السياسي مسؤولية سيادية ومسئولية دولة وليس مهمة ثانوية عابرة تترك للاجتهاد الشخصي أو سرعة الخاطر او خصيب انطباعات المسؤول او ( المسؤولة ) .

▪️المصيبة أن بعض المسؤولين لا يزالون يتعاملون مع المنصات الإعلامية باعتبارها امتدادًا لجلسات الأصدقاء او ( حكاوي اللمات ) بينما الواقع أن كل ظهور إعلامي هو ممارسة سياسية كاملة في حد ذاتها تُبنى من خلالها الثقة أو تُهدر ،، ولذلك نسمع أحيانًا مسؤولًا يناقض مؤسسة أخرى، أو يسبق إعلانًا لم يكتمل، أو يطلق وعودًا بلا سند، أو يستخدم لغة انفعالية لا تليق بمنصب الدولة ،، وحين تتكرر هذه المشاهد، لا تتضرر صورة المسؤول وحده، وإنما تتآكل هيبة المؤسسة التي يمثلها.

▪️اما الإشكال الأكبر فإن كثيرًا من الخطاب الرسمي في السودان – و السياسي بالطبع – ما زال يظن أن الإقناع يتحقق برفع الصوت، أو بالإكثار من الشعارات، أو بالمبالغة في توصيف الإنجازات المجهرية ، بينما الحقيقة أن الجمهور السوداني أصبح أكثر خبرةً ووعياً وإدراكاً من أي وقت مضى ، فلم يعد الناس يصدقون العبارات الكبيرة لمجرد أنها قيلت من فوق منصة رسمية، بل يقارنونها بالوقائع، ويختبرونها بالمعلومات، ويعرضونها فورًا على آلاف التعليقات والتحليلات في وسائل التواصل الاجتماعي ،، نعم تغيّر الجمهور – وصدمة الحرب سبب رئيسي – بينما بقي جزء من خطابنا السياسي أسير أدواته القديمة.

▪️في عصر الإعلام الرقمي والسوشال ميديا ، لم يعد المسؤول هو المتحدث الوحيد، بل أصبح واحدًا من آلاف الأصوات المتنافسة ، ولهذا فإن الخطأ اللغوي الصغير قد يتحول خلال دقائق إلى مادة للسخرية، ثم إلى أزمة رأي عام، ثم إلى عبء سياسي لا داعي له .. والثقة لا تُصنع بزخرف المنصب وإنما بالطريقة التي يتحدث بها صاحب المنصب ،،
فالناس يبحثون في المسؤول عن ثلاثة أشياء قبل أن يقتنعوا بما يقول: هل يعرف ما يتحدث عنه؟ وهل يبدو صادقًا؟ وهل يشعر فعلًا بما يشعرون به؟ ،، وهذه الأسئلة لا تجيب عنها البيانات، وإنما يجيب عنها الخطاب كله : مفرداته، ونبرته، وتوقيته، وطريقته في مخاطبة الناس.

▪️ومن هنا فإن الخطاب السياسي الناجح ليس الذي يُكثر من الوعود بل الذي يُنتج الثقة ، وليس الذي ينتصر علي الإشاعات والتسريبات – التي لن تتوقف – فقط ، بل الذي يجعل المواطن يطمئن إلى أن الدولة تعرف ما تفعل.
ولذلك فإن إصلاح الخطاب السياسي يجب أن يصبح جزءًا من إصلاح الدولة نفسها ، فالحوجة إلى : ( متحدثين مؤهلين، لا مجرد مسؤولين يتحدثون ) .
وبحاجة إلى وحدات اتصال استراتيجي فعالة داخل الوزارات لا مكاتب علاقات عامة تقليدية وبائسة .
وبحاجة إلى مراجعة البيانات الرسمية قبل نشرها، وإلى تدريب الوزراء ووكلاء الوزارات ومديري المؤسسات على الاتصال السياسي والإعلامي، تمامًا كما يُدرَّب الدبلوماسي على لغة التفاوض.
كما نحتاج إلى القاعدة الذهبية المهمة ذات الأركان الثلاث : ( ليس كل ما يُعرف يُقال، وليس كل ما يُقال يُنشر، وليس كل ما يُنشر يخدم الدولة)؟.
فالكلمة في السياسة هي فعلٌ سياسي كامل ،، والدولة التي تُحسن إدارة خطابها تُوفر على نفسها كثيرًا من الأزمات التي ربما لا تنشأ من القرارات، بل من طريقة الحديث عنها ..

▪️حقيقةً ان الدولة في أمسّ الحاجة إلى خطاب جيد بكل استحقاقات الجودة أكثر من حاجتها إلى خطاب طويل ،، فمهمة ( الكلمة ) الابتدائية في هذه الحرب المعقدة التي تُشن علي بلادنا هي : أن تمنع سوء فهم – وأن تبني ثقة – وأن تجمع الناس حول الهدف الواحد وهو انتصار الدولة السودانية في كل الجبهات ،،

وحين تستعيد الدولة حذاقة خطابها، فإنها تكون قد خطت أول خطوة نحو استعادة هيبتها ..

.. والي الملتقي ..

اترك رد

error: Content is protected !!