
السودان في منتصف 2026 يقف عند مفترق لا يقبلالتأجيل. الحرب كشفت هشاشة البنيان التنفيذي، وعرّتتجربة حكم لامركزي ظل شكلاً بلا مضمون. نقلنا للولاياتإدارة الشأن المحلي، لكننا حبسنا عنها المال، وهو عصبالحياة. فصارت الولايات تدير الفقر لا التنمية، وهربتالكوادر، وتصاعدت صراعات الحدود، وتحول التهميش إلىوقود نزاع. لذلك فإن أي حديث عن مستقبل يجب أن يبدأباعتراف بسيط: الفيدرالية هي الأنسب لتنوع السودانوإحداث التنمية في أقاليمه، لكن بعد مراجعة شاملة للتجربةالسابقة.
في ذات التوقيت، جاءت حكومة د. كامل إدريس محملةبثلاثة عهود. أولها عهد الرؤية، إذ قدمت وثيقتين، خطة عملورؤية تنفيذ، وضعتا إطاراً نظرياً لإدارة المرحلة. وثانيها عهدالاسم، فسميت حكومة الأمل لترفع سقف التوقع الشعبي. وثالثها عهد المحاسبة، إذ وعدت بتطبيق مبدأ المساءلة علىالوزراء. المشكلة أن الرؤية بقيت حبيسة الأوراق، والاسم ظلشعاراً دون ممارسة، والوعد بالمحاسبة لم يوف حقه. وبدايةالإصلاح أن يبدأ رئيس الحكومة بنفسه في الوفاء بما وعد.
أخطر ما يواجهنا اليوم ليس نقص الأفكار، بل اعتيادالأزمات. صرنا نستيقظ على أخبار الحرب وننام على أخبارالنزوح كما لو كانت نشرة الطقس. وعندما يقتنع الناس أنانقطاع الكهرباء أمر طبيعي، وأن تعطل التعليم قدر لا يرد،تكون أول معركة في طريق الإصلاح قد خسرت، وهي معركةالوعي. لذلك فإن مسؤولية النخب والإعلام والمجتمع أن تمنعالتطبيع مع الفشل، لأن اليأس هو الحليف الأول لكل أزمةطويلة.
قبل الحديث عن الهيكل، لا بد من تفعيل المؤسسية فيصناعة القرار. قرارات رئيس الوزراء يجب أن تمر عبر أجهزةفنية متخصصة ومجلس وزراء فاعل، لا أن تكون اجتهاداًفردياً. كما أن الشراكات الخارجية والاستثمار الأجنبيتحتاج إلى مشاورات واسعة مع أهل الاختصاص. لا يجوزأن نرهن مواردنا حكراً لجهة دون منافسة، أو لسنين عدداًدون قراءة المتغيرات المستقبلية وحقوق الأجيال القادمة. ومنأخطر المحاذير منح استثمار لدولة أو شركة أجنبية بالقربمن حدودها، لأن الجغرافيا هنا تتحول إلى ورقة ضغطسياسي وأمني على المدى البعيد.
وفي الجانب الخارجي، تحركت الحكومة في أكثر من اتجاه،لكن دون أن تتحول الزيارات إلى نتائج ملموسة. المطلوبالآن تعظيم عائد هذه التحركات. أي وفد خارجي يجب أنيعود بمخرجين: الأول الإقناع برؤيتنا وسرديتنا عن الحربالمفروضة علينا ووقف دعمها الخارجي، والثاني استقطاباستثمار مباشر أو مساهمة في إعمار ما دمرته الحرب. فلاجدوى من الحركة بين العواصم ما لم ترتبط بتثبيت سرديتناعن الحرب وبمشاريع إعمار، وتمويل بنية تحتية، ودعمالإصحاح البيئي والخدمي.
والواقع التنفيذي اليوم يفرض سؤالاً مباشراً عن هيكلالحكومة. فبعد عام كامل، ما تزال الحكومة أشبه براكوبةمشلعة. بعض الوزارات غائبة، والانسجام مفقود، والتأخيرفي إكمال التشكيلة يعكس خللاً في الإدارة. وفي مقدمةالنقص وزارتان لا تحتملان التأجيل. وزارة شؤون مجلسالوزراء، وهي عمود التنسيق والمتابعة داخل الجهازالتنفيذي، وبدونها تظل القرارات مبعثرة. ووزارة البيئةوالتنمية المستدامة، التي لم تعد رفاهية بعد أن هدمت الحربكل مقومات البيئة. دورها اليوم يتجاوز الشجرة والغابة إلىمعالجة تلوث المياه ومخلفات الذخائر وآثار النزوح، وهيالواجهة الفنية لعقد الشراكات واستقرار المساعدات منالدول الصديقة والمنظمات.
لذلك فإن الجهاز التنفيذي المطلوب لعبور هذه المرحلة له أربعمواصفات. الأولى فيدرالية مالية حقيقية، بأن تودع حصةالإقليم مباشرة في حسابه. الثانية مركب واحد.. بحسمتقاطع السلطات بين رئيس الوزراء ورأس الدولة، فتكونللحكومة استقلالية تنفيذية كاملة في الملف المدني وتنسيقفي الملف الأمني فقط. الثالثة كفاءات لا أقارب ولا أصحاب،عبر تعديل وزاري يزيح من فشل ويأتي بمتخصصين فيالاقتصاد والاستثمار والصناعة والبيئة….ألخ. الرابعةحضور شعبي، بأن ينزل رئيس الوزراء وطاقمه التنفيذيإلى الأسواق ويواجه أحوال الناس وأوجاعهم مباشرة ، لأنالثقة لا تصنعها البيانات وإنما المعايشة اليومية.
والخيار الأكثر واقعية الآن هو المراجعة لا الإقالة بالكامل. مراجعة تعني إقالة الفاشل، تعيين الكفء، إكمال الهيكل،وضخ دم جديد في الحكومة دون هدم ما تبقى من استقرار. لأن تغيير الحكومة كلها يستهلك وقتاً، ونحن أحوج ما نكونإلى إدارة الزمن بكفاءة.
السؤال الذي يرافقنا كل يوم هو: هل نريد أن نكون جيلاًيورث أبناءه الأزمات، أم جيلاً يورثهم دولة تستحق أن يفخروابالانتماء إليها؟ الإجابة لا تبدأ في الخارج، بل تبدأ بأن تفيحكومة الأمل بوعدها. رؤية تتحول إلى مشروع، وهيكليكتمل، فاشل يحاسب، ومال ينزل إلى الإقليم. عندها فقطنخرج من الراكوبة المشلعة إلى بيت دولة يليق بالسودانيين.
اول يوليو ٢٠٢٦م






