
(٥/٤)
لا يولد المقال دفعة واحدة، ولا تظهر الفكرة كاملة في لحظة واحدة. تبدأ الرحلة بكلمة، ثم تتبعها كلمة أخرى، ثم تتشكل الجمل، ومع تتابعها تتولد الفكرة حتى تكتمل الإجابة التي يقرأها المستخدم خلال ثوان معدودة. وتقوم هذه الرحلة على واحدة من أكثر الأفكار ابتكارا في الذكاء الاصطناعي، وهي القدرة على ترجيح الكلمة الأكثر ملاءمة في كل خطوة، وفي النهاية تتكون نصوص تبدو طبيعية وسلسة كأنها كتبت دفعة واحدة.
تبدأ كل جملة بكلمة واحدة، وفي تلك اللحظة تكون أمام النموذج آلاف الكلمات التي يمكن أن يختار من بينها، ثم تبدأ عملية المفاضلة، فيرجح الكلمة التي تحقق أعلى درجة من الانسجام مع معنى السؤال، ومع الكلمات التي سبقتها، ومع الهدف الذي يسعى إلى تحقيقه في الإجابة. وتقوم هذه العملية على مفهوم الاحتمال ، والمقصود بالاحتمال هنا هو ترجيح الخيار الأقرب إلى السياق، استنادا إلى الخبرة التي اكتسبها النموذج خلال مرحلة التدريب، فكل كلمة تحمل فرصا مختلفة للظهور، ويختار النموذج الكلمة التي تبدو أكثر ملاءمة في تلك اللحظة.
ولتقريب الفكرة ، لو بدأت جملة بقولك: “أشرقت الشمس من…” فسوف تتجه أذهان معظم الناس إلى كلمة “الشرق”. ولو قلت: “يشرب الإنسان الماء عندما يشعر…” فستكون كلمة “بالعطش” الأقرب إلى الذهن . جاء هذا الترجيح نتيجة خبرة تراكمت عبر سنوات طويلة من التعلم، حتى أصبحت بعض الكلمات ترتبط في أذهاننا بسياقات محددة. وهكذا الذكاء الاصطناعي يستفيد من الفكرة نفسها على نطاق أوسع بكثير. فقد تدرب على مليارات الكلمات والجمل بلغات مختلفة، وأصبح قادرا على المقارنة بين عدد هائل من البدائل في أجزاء من الثانية، ثم يرجح الكلمة التي تحقق أفضل انسجام مع السياق العام، وتتكرر هذه العملية مع كل كلمة جديدة، فبعد اختيار الكلمة الأولى تبدأ المفاضلة حول الكلمة الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة، حتى يكتمل النص، وخلال كتابة صفحة واحدة قد ينفذ النموذج بلايين العمليات الحسابية، بينما يقرأ المستخدم الكلمات وهي تظهر أمامه بصورة طبيعية ومتسلسلة.
ولا يتوقف الترجيح عند اختيار الكلمات، فهو يمتد إلى طول الجمل، وتسلسل الأفكار، ومستوى اللغة، والأمثلة، ونبرة الخطاب. ولهذا تختلف الاستجابة عند طلب رسالة شخصية، أو مقال علمي، أو تقرير إداري، أو قصة للأطفال، رغم أن النموذج الذي أنتجها واحد.
وتفسر هذه الآلية أيضا اختلاف بعض الإجابات عند تكرار السؤال نفسه، فقد تبقى الفكرة الرئيسة ثابتة، بينما تتغير الصياغة، أو ترتيب الأمثلة، أو طريقة عرض الموضوع، لأن النموذج يعيد بناء النص في كل مرة، ويختار مسارا لغويا جديدا يقود إلى النتيجة نفسها.
ما تناولناه في هذه السلسلة يمثل واحدا من أشهر تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وهو توليد النصوص. وتقوم الفكرة نفسها في النماذج التي ترسم الصور، وتولد المقاطع الصوتية، وتؤلف الموسيقى، وتصنع المحتوى المرئي، وتزداد درجة التعقيد مع كل نوع من هذه النماذج، لأنها تتعامل مع ملايين التفاصيل البصرية والسمعية، ثم تعيد تركيبها في صورة جديدة. ولهذا أصبح من الممكن أن يكتب المستخدم وصفا قصيرا لمشهد معين، فيحصل خلال دقائق على صورة عالية الجودة، أو فيلم قصير بشخصيات افتراضية، أو تعليق صوتي بلغات متعددة، أو نموذج أولي لمنتج جديد. هذه الأعمال في السابق كانت تحتاج إلى فرق متخصصة، وأسابيع أو أشهر من العمل والإنتاج.
وهكذا لم يعد الذكاء الاصطناعي يقتصر على إنتاج النصوص، فقد أصبح منصة متكاملة لإنتاج المحتوى بمختلف أشكاله، وهو ما يفسر التحول الكبير الذي تشهده قطاعات الإعلام والتعليم والتسويق والترفيه والتصميم والصناعة في مختلف أنحاء العالم.في الحلقة الأخيرة ننتقل إلى الوجه الآخر لهذه التقنية، لنتعرف على حدود الثقة في مخرجاتها، ولماذا يبقى الإنسان صاحب القرار الأخير في كل ما تنتجه.



