
تقوم الشراكات في عالم المال والأعمال على العدل والحقوق والواجبات والالتزامات المتبادلة، فلكل شريك نصيب معلوم، ولكل طرف مسؤوليات محددة تحفظ التوازن وتضمن استمرار العلاقة وتحقيق أهدافها. ولذلك تكفي القوانين والعقود واللوائح في كثير من الأحيان لتنظيم تلك الشراكات وحماية مصالح أطرافها ومنع التعدي بينهم.
أما الشراكات الإنسانية فهي أعمق من أن تقوم على العدل وحده، وأوسع من أن تضبطها النصوص والالتزامات فقط. فالعدل يحفظ الحقوق ويمنع الظلم، لكنه لا يصنع المحبة ولا يبني المودة. ولهذا كان الفضل والإحسان والعطاء ركائز أساسية في نجاح العلاقات الإنسانية واستمرارها. ومن بين هذه العلاقات تبرز العلاقة الزوجية بوصفها النموذج الأوضح لشراكة لا يكفي فيها العدل وحده، بل تحتاج إلى ما هو أسمى منه، وهو الفضل الذي يجعل من الحياة المشتركة رحلة مودة ورحمة وسكينة.
من أعظم الآيات التي تؤسس لهذا المعنى قول الله تعالى: ﴿ولا تنسوا الفضل بينكم﴾. تأمل روعة هذا التوجيه الإلهي، فقد جاء في سياق الحديث عن الطلاق، أي في لحظة الفراق والخصومة وانتهاء العلاقة. مع ذلك يأمر الله سبحانه وتعالى بعدم نسيان الفضل بين الطرفين. فإذا كان الفضل مطلوباً عند انتهاء العلاقة، فهو أولى وأجدر بالحضور أثناء قيامها وفي أجمل مراحلها وأقواها.
إن هذه الآية تكشف الفرق بين منطق الشريعة ومنطق المساومة. فالشريعة لا تريد للعلاقات أن تعيش على الحد الأدنى من الالتزامات، وإنما تدعو إلى الارتقاء نحو فضاء الإحسان. فالعدل يحفظ الحقوق، أما الفضل فيحفظ القلوب.
لذلك لم ياتي وصف العلاقة الزوجية القران الكريم إنها قائمة على الحقوق والواجبات فقط، بل قال تعالى: ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة﴾. فالمودة والرحمة ليستا أموراً هامشية، بل هما روح العلاقة وسبب استمرارها الحقيقي.
لهذا فإن اختزال الحياة الزوجية في الحقوق والواجبات يحولها إلى علاقة جافة تفتقر إلى الروح. فالزوج يطالب بما له، والزوجة تطالب بما لها، وكل طرف يراقب الآخر بعين المحاسب لا بعين الشريك. مع مرور الوقت تضيق مساحة التسامح ويصبح الخلاف أقرب من الوفاق.
قد قدم لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم النموذج الأسمى لشراكة الفضل. فقد كان صل الله عليه وسلم في خدمة أهله، كما روت سيدتنا عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها حين سئلت عن عمله في بيته فقالت: «كان في مهنة أهله». ولم يكن ذلك واجباً مفروضاً عليه، وإنما كان خلقاً عظيماً نابعاً من الرحمة والتواضع والمحبة.
وقال صلى الله عليه وسلم: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي». فجعل معيار الخيرية مرتبطاً بحسن المعاملة داخل البيت، لأن الأسرة هي الميدان الحقيقي الذي تظهر فيه الأخلاق بعيداً عن المجاملات والمظاهر.
ومن أروع الشواهد على شراكة الفضل موقف سيدتنا خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها مع رسول الله صل الله عليه وسلم في بداية نزول الوحي. فعندما عاد إليها خائفاً مما رأى لم تكتف بأداء واجب المواساة، بل احتضنته بكلمات الثقة والدعم فقالت: «كلا والله لا يخزيك الله أبداً». ثم أخذت تعدد صفاته الكريمة ومناقبه العظيمة. لقد كانت شريكة فضل لا شريكة حقوق فقط، فساندت وآزرت وواست في أصعب اللحظات.
ولم ينس رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الفضل أبداً، فقد ظل يذكر سيدتنا خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها بعد وفاتها بسنوات طويلة، حتى إن سيدتنا عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها كانت تغار من كثرة ذكره لها. وذلك درس عظيم في الوفاء لمن أحسن وأعطى وساند في أوقات الشدة.
ولعل من أصدق صور شراكة الفضل ما شهدته الأسر خلال سنوات الحرب، حين فقد كثير من الأزواج بيوتهم ومدخراتهم وأعمالهم التي أفنوا أعمارهم في بنائها ، ففي لحظات قليلة تبددت ممتلكاتهم، وتعطلت مصادر رزقهم، وتغيرت أحوال أسر كانت تعيش في استقرار . مع ذلك رأينا الزوجات لم ينظرن إلى ما ضاع، بل تمسكن بأزواجهن وأسرهن، واعتبرن أن بقاء الأسرة مجتمعة أعظم من بقاء المال نفسه. صبرن على ضيق العيش وتحملن مشقة النزوح والغربة وشاركن في إعادة بناء الحياة من جديد. لم يكن ذلك التزاماً تفرضه مادة في عقد، وإنما كان فضلاً خالصاً وعطاءً نابعاً من الوفاء وحسن العشرة، أثبت أن العلاقات العظيمة لا تقاس بما يملكه الناس، وإنما بما يحملونه في قلوبهم من مودة عند الشدائد.
إن الفضل لا يضيع، وقد يتأخر أثره لكنه يبقى في القلوب كما تبقى الجذور الخفية التي تغذي الشجرة وتمنحها القدرة على البقاء والعطاء.
ليس المقصود بالفضل أن يتنازل الإنسان عن كرامته أو أن يقبل الظلم أو أن يسكت عن حقوقه المشروعة، فالإسلام دين عدل قبل كل شيء. لكن المقصود أن تكون الحقوق هي الحد الأدنى الذي لا يجوز النزول عنه، وأن يكون الفضل هو السقف الذي نسعى إليه.
فالزوج الذي يتحمل بعض الأعباء الإضافية مراعاة لظروف زوجته يمارس الفضل، والزوجة التي تتجاوز عن هفوة عابرة حفاظاً على بيتها تمارس الفضل. وكل كلمة تقدير، وكل موقف دعم، وكل عفو عند المقدرة، وكل تضحية صادقة هي صورة من صور الفضل الذي يبارك الله به العلاقات.
فلو كانت العلاقات تُدار بمنطق الحقوق وحده، لما سهرت أم، ولا ضحى أب، ولا واسى زوج زوجته، ولا صبرت زوجة مع زوجها. فمثل هذه المواقف لا تكتبها العقود، بل تكتبها الرحمة والمحبة والفضل.
وقد أمر الله تعالى الرجال بقوله: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾. والمعروف كلمة جامعة تشمل الإحسان والرفق واللين والاحترام وحسن المعاملة. كما أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «استوصوا بالنساء خيراً». وهي وصية تتجاوز مجرد أداء الحقوق إلى الإكرام والإحسان.
قد صدق من قال: ما أهان امرأة إلا لئيم، وما أكرمها إلا كريم. فتكريم المرأة دليل على نبل الأخلاق ورقي الإنسانية. وكذلك فإن المرأة الكريمة تدرك أن نجاح الأسرة لا يتحقق بالمطالب وحدها، بل بالحكمة والصبر والتغافل الجميل والعطاء المتبادل.
إن السعداء في حياتهم الزوجية ليسوا أولئك الذين يتشددون في الوقوف عند نقطة الحقوق والواجبات، بل من يعرفون وكيف يقدم كل منهم شيئاً من الفضل عندما تستدعي الحاجة ذلك.
إن علاج كثير من أزمات الأسرة لا يكون بالمطالبة بمزيد من الحقوق، بل بإحياء ثقافة العطاء. أن يسأل الزوج نفسه: ماذا أستطيع أن أقدم لأسرتي؟ وأن تسأل الزوجة نفسها السؤال ذاته. وعندما يصبح التفكير في العطاء سابقاً للتفكير في الأخذ تتغير طبيعة العلاقة كلها.
فالأسرة ليست شركة مساهمة توزع الأرباح والخسائر، وإنما شراكة أرواح تتقاسم الأفراح والأحزان والنجاحات والتحديات. والعدل يحفظ هذه الشراكة، لكن الفضل يجعلها مزدهرة وقادرة على الاستمرار.
فالعدل ضرورة لا تستقيم الحياة بدونه، لكنه وحده لا يكفي لصناعة السعادة. أما الفضل فهو الروح التي تبعث الدفء في العلاقات، وتجعل من الواجب محبة، ومن التضحية طمأنينة، ومن الحياة المشتركة رحلة يتسابق فيها الشريكان إلى العطاء لا إلى المطالبة. ولذلك سيبقى قول الله تعالى: ﴿ولا تنسوا الفضل بينكم﴾ مبدأً خالداً، تتجاوز حكمته حدود العلاقات الخاصة لتشمل كل علاقة إنسانية أراد أصحابها لها البقاء والبركة وحسن الأثر.




