الرأي

هل تحول الحزب الشيوعي إلى “cult”؟ (1) : ينتظر احتفالا بالقصاص منذ اكثرمن 50 عاما

ا


✍️ عبد الله عبيد الله
الحزب حبيبي وشرياني
أداني بطاقة شخصية
من غيرو الدنيا وقبالو قدامي جزائر وهمية
لا لون لا طعم لا ريحة
وأيام مطفية مصابيحها
زي نجمة بعيدة ومنسية

كانت تلك كلمات الراحل محجوب شريف في الحزب الشيوعي. لكن الفنان عبد اللطيف وردي عندما غنى القصيدة استبدل كلمة “الحزب” ب”الشعب” ، حتى لا يصدم المستمعين بأن الحزب هو إله الشيوعيين، الذي لا يؤمن كثيرون منهم بالله . وكذلك فعل محمد منير المغني النوبي المصري، والذي أدخل تعديلا آخر :تلميذ في مدرسة شعبية، بدلا من تلميذ في مدرسة الشعب.ولعل هذا أقرب للحقيقة!!

كلمات محجوب شريف تلك ترجمة شعرية لعبارة عبد الخالق محجوب، أشهر زعيم للحزب الشيوعي، في مقاله الشهير: ” كيف أصبحت شيوعيا؟ “، بداية خمسينيات القرن الماضي، حيث قال:”انتهج السبيل الماركسي في ثقافتي وتصرفاتي وأؤمن بالنظرية العلمية الشيوعية”. وهونص يذكر المسلم بالآية “قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين”. في ذلك المقال أصر عبد الخالق على أن الشيوعية هي النظرية الوحيدة القادرة على تحرير الشعب من “الجهل” و”الكسل العقلي”. والمعتادون على أدبيات الماركسية يعرفون ماذا يعني عبد الخالق بهاتين العبارتين.

بين مقال عبد الخالق محجوب وقصيدة محجوب شريف تصرمت عدة عقود من الزمن بات فيها عوار النظرية الماركسية جليا و انهارت الشيوعية في مهدها وتفرقت الكتلة الاشتراكية إيدي سبأ، ولم يتبق نظام شيوعي سوى كوريا الشمالية، التي صارت نموذجا شاذا تخوف به الشعوب من مساوئ الشمولية والشيوعية. مع ذلك فقد اختار الحزب الشيوعي السوداني عقب انهيار المنظومة الشيوعية، وبعد 15 عاما من المناقشة العامة في اجهزته، صدرت في 5 كتب، أن يستمر في تمسكه بالنظرية الماركسية وإسم الحزب الشيوعي.
ويعني ذلك تحول الحزب إلى طائفة ارثوذوكسية تتمسك بمعتقداتها وثوابتها وأساطيرها المؤسسة وأسرارها المقدسة بدرجة مفرطة من الوثوقية ، على نحو ما تعبر عنه الكلمة الإنجليزية cult. وهنا مكمن الخطر. فالطوائف والمجموعات من هذا النوع لا تقبل من عضويتها إلا الطاعة المطلقة و تترسخ فيها عبادة الفرد. وهاتان الظاهرتان، مع أجواء السرية السائدة داخلها تفرخ العنف المادي واللفظي وخطاب الكراهية ضد الخصوم و الأعضاء ذوي النظرات النقدية، (راجع أدبيات الحزب حول أعضائه ممن تجرأوا على التعبير عن مواقف مخالفة لتوجهات القيادة مثل عوض عبد الرازق، أول سكرتير للحزب، والقيادة الثورية، و الخاتم عدلان ، و الشفيع خضر). و كما تشجع النزعات الانتحارية، لذا فإن الإجابة على سؤال الكاتب اللبنانى فؤاد مطر، بعد انقلاب 1971، ما إذا كان الحزب الشيوعي نحروه أم انتحر واضحة.

تحول الحزب إلى cult يفسر حالة الاحتقان والتطلعات غير الواقعية السائدة في أوساط الحزب الشيوعي. ومما يعمق هذه الحالة، وبالنتيجة يزيد من خطورة خطوات الحزب الشيوعي غير المحسوبة أنه لم يحقق أي إنجاز يفتخر به على مدي 76 عاما رغم ما يعتبره الشيوعيون تضحيات ضخمة لعناصره الذين واجهوا السجون والتشريد والقتل على مدى هذه السنين.

وفي قصيدة محجوب شريف التي استشهدنا بها سابقا، يقول:
المهنة مناضل بتعلم

وهذا تعبير عن حقيقة أن الشيوعيين هم أول من أدخل التفرغ للعمل الحزبي، وكان متفرغوهم يعملون دائما تحت الأرض، و يستخدمون أسماء حركية، وأمضى بعضهم عمره كله في المخابئ وتحت وطأة الخوف من أن ينكشف أمرهم. ومعظمهم لم يعرفوا الحياة الأسرية. وتذخر سرديات الحزب الشيوعي بذكر مناقب كوادره في العمل السري ممن انتقلوا للدار الآخرة من أمثال التجاني الطيب بابكر، الجزولي سعيد، يوسف حسين، عبد الحميد بشير(عثمان جزيرة) أو قياداته النقابية من أمثال الشفيع وقاسم أمين وإبراهيم زكريا. كما أن للحزب قائمة طويلة من “الشهداء” على رأسهم عبد الخالق، الشفيع، جوزيف قرنق وقادة انقلاب يوليو 71 العسكريين وحتى قاسم أمين التي توفي نتيجة ما أصابه خلال اعتقاله بواسطة أمن النظام المايوي نهاية السبعينات. هذا غير ضحايا الصراع الداخلي في الحزب، ممن قضوا انتحارا، مثل الشاعر محمد عبد الرحمن شيبون، ويحمل كثيرون قيادة الحزب السابقة مسؤولية وفاة قاسم أمين الذي يعتقد أن عبد الخالق محجوب ترك وصية مكتوبة ترشحه لسكرتارية الحزب، لكن القيادة تآمرت على تلك الوصية مثل تآمرت على قاسم نفسه عندما أصرت على قدومه من تشيكوسلوفاكيا نهاية السبعينات وهي تعلم أن مصيره سجون نميري، والتي تعرض فيها للمرض، ليرسل مرة أخرى إلى براغ ليلقي حتفه. ويضاف إلي أولئك من انتهى بهم الأمر إلى إدمان الخمر حتى مفارقتهم الحياة، وكانوا أسماء لامعة في الحزب.

لذا تبدو قصة الحزب الشيوعي فصول متواصلة من النكبات. ولئن كانت سيرة تضحيات عدد من قياداته مدعاة للتأمل والإعجاب أحيانا من حيث إخلاصهم لما آمنوا به، غير أن حصيلة هذه التضحيات لا تكاد تذكر. فحظوظ الحزب من القبول الشعبي، ضئيلة للحد البعيد. ففي آخر انتخابات تعددية قبل حكومة الإنقاذ الوطني عام 1986، ومن أصل 260 دائرة جغرافية، لم يحصل الحزب إلا على دائرتين في العاصمة. وحصل على دائرة واحدة من دوائر الخريجين، في جنوب السودان، من أصل 25 دائرة،على مستوى القطر، بينما حصلت الجبهة الإسلامية، الخصم التقليدي للحزب على بقية دوائر الخريجين إلى جانب 29 دائرة جغرافية.
فإلى جانب الحاجز السميك بين الحزب والقواعد الشعبية بسبب الإلحاد الذي يعد أحد أسس النظرية الماركسية، في مجتمع عرف بتدينه، فإن الذاكرة الوطنية تحتفظ للشيوعيين بمواقف شاذة عارضوا بها المصلحة الوطنية للبلاد وثوابت الشعب السوداني منها:
معارضة اتفاقية الحكم الذاتي لعام 1953 التي بموجبها نال السودان استقلاله، بدعوى أن استقلال السودان لا بد ان يتحقق عن طريق الكفاح المسلح! ومع ذلك شارك الحزب في انتخابات اول برلمان سوداني عام 1954. وفاز بمقعد واحد عن الخريجين.
عام 1954عارض الحزب عبر نائبه حسن الطاهر زروق تعليم اللغة العربية والدين الإسلامي في جنوب السودان “لأنهما غريبان على أهل الجنوب” ولم يشأ النائب الشيوعي أن يحدد أيهما أكثر غربة في الجنوب اللغة الإنجليزية ام العربية أو الإسلام أم المسيحية، كما لم يقترح وسيلة أخرى لتعزيز الروابط القومية بين مختلف أنحاء السودان. ويلاحظ أن رأي الشيوعيين وقتها أن السودان به “قوميات متعددة”” ففي الجنوب توجد القوميات الزنجية، وفي الشمال النوبية، وفي الشرق البجاوية وفي الوسط والغرب العربية” حسب ما جاءفي بيان الجبهة المعادية للاستعمار-واجهة الحزب الشيوعي-سبتمبر 1954. وهذا هو الطرح الذي تبنته لاحقا حركة جون قرنق في خطابها عن” السودان الجديد”، ولا يزال بقاياها والمرتبطين بالحزب الشيوعي من أمثال ياسر عرمان وعبد العزيز الحلو و عبد الواحد نور يتبنونه بالحديث عن “الشعوب السودانية” في سياق مخطط تفكيك السودان.
في ذات الاتجاه هاجم ممثل الحزب الشيوعي الوحيد في البرلمان في يونيو 1954 سياسة اول حكومة وطنية في الإنفاق على البوليس والجيش “مع أن البلاد ليست مهددة بخطر غزو خارجي”. ومن هنا نعرف جذور العداء للقوات المسلحة والقوات النظامية الذي لا يزال الشيوعيون يتولون كبره.
لم يكتف الشيوعيون بالكلام في معارضة الحكومة الوطنية الأولى، امتدادا لرفضهم لاتفاقية الحكم الذاتي، بل استغلوا سيطرتهم على النقابات وقتها لاشعال الإضرابات العامة طوال النصف الثاني من 1954حيث شملت عمال الكهرباء، السكة حديد، المطار، الخطوط الجوية السودانية، النقل النهري، المعلمين. وبررت هذه الإضرابات أحيانا بأسباب تافهة مثل نقل أعضاء بلجنة النقابة من العاصمة، كما في إضراب النقل النهري الذي تسبب في مجاعة في جنوب السودان. لكن الهدف الحقيقي كان واضحا وهو إسقاط الحكومة، وتأجيل استقلال السودان لأن ” الأزمة الثورية” لم تنضج بعد وفقا للدوغما الماركسية. وكما لاحظ المفكر محمد أبو القاسم حاج حمد، فقد نشأ القطاع العمالي في السودان قبل الرأسمالية الوطنية نفسها. لهذا عندما فتش الشيوعيون عن رأسمالية يأججون الصراع الطبقي ضدها لم يجدوها، فوجهوا مدفعيتهم ضد الدولة ومؤسساتها. لذا لا يستغربن احد ان تشجع الشيوعية حركة الفوضوية – الاناركية- كما ظهر في احتجاجات الشباب مؤخرا.
يتباكى الشيوعيون الآن على العزلة الدولية التي ظل يعيشها السودان في السنوات الأخيرة، مع انهم اول من عارض أن تتلقى حكومة الاستقلال عون تنموي خارجي حقيقي، عام 1958، عندما كانت الولايات المتحدة مستعدة لمساعدة الدول حديثة الاستقلال على النهوض اقتصاديا، بغرض تقديم نموذج تنموي بعيدا عن النموذج الاشتراكي، في سياق الحرب الباردة، على غرار ما قامت به في جنوب شرق آسيا والتي قدمت تجربة ما عرف ب”الدولة التنموية” التي صار اليساري ن الآن هم على رأس دعاتها. لكن الشيوعيين قادوا معارضة عنيفة ضد مبدأ تلقى المعونة الأمريكية لا بدوافع وطنية ولكن لخدمة دعاية واسترتبجية الاتحاد السوفيتي الذي لم يكن لديه وقتها ما يمكن أن ينافس به التكنولوجيا والاستثمارات الغربية. وحتى المشروع الوحيد والمحدود الذي نفذ بمساعدة اميركية؛ شارع المعونة – الخرطوم الجيلي، عارضه الشيوعيون باعتبار أنه سيكون مدرجا للطائرات العسكرية الأمريكية. وسنعلم حجم ما خسره السودان بسبب هذا الموقف عندما نقارن السودان الآن بكوريا الجنوبية واللذين كانا وقتها متقاربين من حيث حجم الناتج القومي وإمكانية تقديم نموذج تنمويا ناجح، و الأهمية الجيواستراتيجية لكل منهما. وقد قبلت كوريا الجنوبية المعونات والاستثمارات الغربية وقتها ورفصناها نحن بسبب الحملة الشيوعية، وحال كل من البلدين الآن يغني عن الشرح. مثلما أن نتيجة المقارنة بين كوريا الشمالية الشيوعية وجارتها الجنوبية التنموية لا تحتاج لايضاح. المفارقة أن الشيوعيين أنفسهم بعد انهيار نموذجهم في الاتحاد السوفيتي. باتوا يلهثون خلف الأموال الأمريكية والغربية عبر منظماتهم التي يسمونها منظمات مجتمع مدني، وكان لهم نصيبهم المعلوم من التمويل الأمريكي للمعارضة السودانية ضد نظام الإنقاذ الوطني وشاركوا بفعالية في اجتماع وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين اولبرايت عام 1997 في كمبالا لإطلاق العمل العسكري ضد الخرطوم. والآن ينادي الشيوعيون بالتدخل الأجنبي في البلاد عبر دعوة القيادي بالحزب صدقي كبلو لعقوبات دولية قاسية ضد الحكومة السودانية، ومعلوم إلى أين قادت العقوبات الدولية القاسية عندما طبقت في العراق مثلا.
محملا باثقال وأوزار تلك السنوات الممتدة، تحول الحزب الشيوعي إلى cult، لا هدف له سوى القصاص من خصومه والذين طالت قائمتهم منذ أن غني شاعرهم قبل أكثر من 50 عاما:
انت يا مايو الخلاص
يا احتفالا بالقصاص
من عدو الشعب في كل مكان
من عدو الشعب في كل زمان
ويبدو أن كلمة “الشعب” هنا، مثلما في النص الذي افتتحنا به هذا المقال أصلها “الحزب”.

اترك رد

error: Content is protected !!