الرواية الأولى

نروي لتعرف

مدونتي / حسن فضل المولي

ياسر يوسف .. بن عربي يَجْمعُنا ..

د. ياسر يوسف إبراهيم
حسن فضل المولى

✍🏼 حسن فضل المولى ..

أتابع كثيراً ما يكتبه ،
و ما يقوله عن ( الراهن السوداني ) ..
و هو طرح ينم عن فهم و إدراك عميقين لأبعاد الاستهداف الذي
يتعرض له ( السودان ) ..
و هذا مبحث مبذول لمن قصده ،
و ألقى إليه السمع و النظر ..
و لكني في هذا المقام أنحو في
اتجاه مُغاير ،
فلقد أراحني كثيراً ، و هو يستعرض ،
في صفحته ، رواية ( موت صغير ) للكاتب ( محمد حسن علوان ) ..
و هي ( الرواية ) التي فازت بجائزة
( الرواية العربية ٢٠١٥ ) ..
و تحكي عن الصوفية بوجهيها ،
القاسي ،
و الناعم ،
من خلال ( رحلة ) ،
الشيخ ( محي الدين بن عربي ) ،
تلك ( الرحلة ) الباذخة ،
المُتَقلِّبة ،
الباحثة عن اليقين ، في سفرٍ مكاني ،
و زماني ،
و و جداني ..
و هي ( رحلة ) أوسع من نحيط بها ،
و أعمق من أن نسبر غورها ،
و أعقد من أن نفك طلاسمها ،
و أجمل من أن ندرك منتهى روائها ..
( فابن عربي ) هو ( رحلة ) من
التضرع الخاشع :
( إلهي ما أحببتك وحدي ،
لكن أحببتك وحدك ) ..
و النفس اللوامة :
( لاشيء يوجعني مثل ذنوبي ) ..
ثمَّ :
( طهر قلبك ثم اتبعه ) ..
ذلك أن :
( الطريق طريق الله ،
فإذا كان الله الذي يختار ،
فلماذا العبد يُحار ) ..
و اعلم :
( أن الزهد في الباطن ، و ليس
في الظاهر ) ..
و اعلم أن :
( الحُر من ملك الأمور و لم تملكه ) ..
و كن على يقين أن :
( من صَحِبك لذاتِكَ فعوِّل عليه ) ..
و كن على يقين :
( لن تبلغ من الدين شيئاً حتى توّقِر
جميع الخلائق ) ،
و ( من طلب السلطَنَةَ على الخَلق
ملأ الله قلبه شغلاً ) ..
و ( اعتزل الناس ليسلموا منك
لا لتسلم منهم ) ..
و ما أدراك ما الحب :
( الحب موت صغير ) ،
و ( كل حب يكون معه طلب ،
لا يعوَّل عليه ) ..
و يا أيُّها الإنسان :
( أنت أيها الإنسان ،
أنت المصباح ،
و الفتيلة ،
و المشكاة ،
و الزجاجة ) ..
و أنت بين يدي الشيخ ( بن عربي ) ،
تتذوق حلاوة ذلك الاحساس الراقي
الذي أودعه ديوانه الأجرأ و الأشهر
و الأمتع :
( ترجمان الأشواق ) ، عن لغة
العشق و الإشتياق ..
لقد غمرتني هذه ( الرواية ) بمشاعر
أضاءت جوانحي بمعانٍ كنت
أحتاجها ،
فغيرت نظرتي إلى كثيرٍ من المُسَلَمات
المُقعِدات ،
و ألهمتني كيف أجد السكينة
و الاطمئنان في قلب العواصف ..
لذا ،
أوصيكم بقراءتها ، و من لم يفعل
فقد فاته خيرٌ كثير ..
و أذكر أنني بمجرد أن فرغت من
قراءتها هاتفت صديقي
( عادل أحمد إدريس ) لمعرفتي
بشغفه بمثل هذه ( التجليِّات ) ،
و دعوتُهُ للبحث بأعجل ماتيسر
عن ( رواية موت صغير ) ، الصادرة
عن ( دار الساقي لندن ) ، فكانت دهشتي عندما أخبرني أنه الآن
بجوار ( دار الساقي ) في ( لندن ) ..
و أدْمَنها من يومه ..
و أصبحت هذه ( الرواية ) مثار
حديثنا الذي لا ينتهي إلا ليبدأ ..

و أُحدِّثُ قليلاً عن الدكتور ( ياسر ) ،
و هو عندي من الذين ( يُعوَّل عليهم ) ..
إذ أنه مِقدامٌ مُبادر ،
و مُنَقِّب باحث ،
و مفكر ذو رؤية ثاقبة ،
و منفتح على أفكار و طرائق الآخرين ،
و له أسلوب ناعم و رقيق في الإدارة ..
و راقي و مُهندم ،
و هذه ليست من عندي ،،
( هل صحيح راقي و مهندم
و هل ببكي الريد عيونو ؟ ) ..
و السؤال للشاعر ( حسن الزبير ) ،
مما تغنى له به ( الطيب مدثر ) ،،
( ليه حياتنا اخترت غيره
فيها أحلامنا و كلامنا
فيها حاجاتنا الصغيرة ) ..

و ( ياسر ) رحيب ،
ذلك أن الذي يمتهن ( العمل العام ) ،
وبه ( رحابة ) ،
تجده يجتهد في أن يسع الناس
على اختلافهم ..
فكل اجتهاد عنده له تقدير ،
و كل طرح عنده له تحليل ،
و كل مسألةٍ عنده لها تأويل ..
و هذا ما يَسِمُ ( ياسر يوسف ) ،
إنها تلك ( الرحابة ) ،
و تلك ( السعة ) ،
و ذلك ( التصالُح ) ،
حتى أنك تستبعد أن يسعه إطار ..
و مما زادني و ضاعف من تقديري
له ، أنه و هو ( وزير دولة بالإعلام ) ،
و أنا أقوم ( على قناة النيل الأزرق ) ،
لم يكن يوماً متنفِّذاً أمَّاراً ،
( افعلوا ،
أو لا تفعلوا ،
أو لماذا فعلتم ) ..
و أنا بالرغم من تجنبي الاحتكاك ،
أو ( ملاواة ) المسؤولين ، إلا عند
الضرورة القصوى ، فلم يحوجني
يوماً إلى مُخاشنة أو مداهنة ..

و لعل ( ياسر ) كان محظوظاً بمن
عمل معهم ،
و يقيني أن من عملوا معه كانوا
حفيين به ،
و كان هو منيعاً بهم ..
كانت ( وزارة الإعلام ) يومها نابضة
بالحياة ..
و كيلها الدكتور الأنيق ( عبد الماجد هارون ) ،
و هو ذلك الفتي الذي أوتي رجاحة
عقل ،
و حسن تدبير ،
و دمعاً عصيَّاً ..
و قد خلف ( عبدالدافع الخطيب ) ، الرجل المُضيء ، الذي يملأ الأمكنة بلطفه و نبله ، و تغمرك أفضاله
بلا مَنٍ و لا انقطاع ..
و بينهم ( سمية الهادي ) ،
التي تعمل في صمت و وقار ،
و تباشرك بكلام ضاحك ،
و وجه يبعث على الارتياح ..
و وزيرهم ( الدكتور أحمد بلال ) ،
و ما أدراك ما ( أحمد بلال ) ،
التواضع و بذل المودة ،
و أنت تتعامل معه تجده ملِكاً ،
مُتوجاً بكل قرائن النبل و السمو ،
و كان قريباً منا في ( القناة ) ..
و كنت أجده باراً بالأستاذ
( السر قدور ) ،
و كان ( السر ) مُحباً له ، و يبدو في
غاية السعادة و هو يلتقي به في
كل جيئة له إلى ( السودان ) ..
و كان حضوراً في إحدى ( حلقات )
البرنامج على وقع :
( إن تريدي ياليالي تسعدينا
تجمعينا كما كنا
ما تلمي زول علينا ) ..

و أنا على الصعيد العملي ممتن
( لياسر يوسف ) بموقف لم يبرح
ذهني ، أذكره هنا بشيء من
التفصيل لأُدَلِل به على حُسن صنيع
المسؤول عندما يتبوأ مقعدَ رُشدٍ
و حُسن قِوامة ..
عندما آل إليّ أمر ( النيل الأزرق ) ،
كانت ( مُشفَّرة ) ضمن باقة ( ART ) ،
و يزيد مشتركوها على ( العشرين
ألف ) قليلاً ..
و كانت تبث على ( القمرين ) ،
( عربسات ) و ( نايل سات ) ..
وكان الشيخ ( صالح كامل ) يتحمل
عبء ( القمرين ) ،
و ينهض (تلفزيون السودان )
بميزانية ( التسيير ) ..
و جاء وقت بدء فيه ( الشريكان )
يلوحان بنيتهما رفع ( الدعم ) ..
و عندما شكوتُ مخاوفي من عواقب
هذا ( التخلي ) إلى الدكتور
( أمين حسن عمر ) ، بوصفه
( رئيس اللجنة التنفيذية للقناة ) ،
و هو من له عليّ أفضالٌ كثيرة ،
في مسيرتي العملية ، قال لي :
( أُمال نحن جبناك ليه !! ) ..
و حتى أنجو بالقناة من الغرق ،
عملت على فك التشفير تحقيقاً
لمشاهدة أوسع ،
و تبعاً لذلك نشطت في تسويق
القناة ( للمُعلنين ) الذين أخذوا
يتقاطرون ،
و هذا اقتضاني أن أتدرج بساعات
البث من ( عشر ساعات ) إلى مدى اليوم كله ،
و الأمر الثالث أزمعت الإنسحاب
من ( عربسات ) ، رغم عِظم شأنه ،
و الاكتفاء بالبث على ( النايل سات ) ،
و هو المدار الذي يُصوب السودانيون أطباقهم تلقاءه ..
مع الاكتفاء بثلاث ( ميغات ) بدلاً
من خمس ..
و تحقق لنا ما أردنا بتوفيق من الله ..
و جاء وقتٌ أطلق فيه ( عربسات )
خدمة أكثر تطوراً و أقل كلفة ،
مع بعض الحوافز ، و لكنهم
اشترطوا علينا ( الحصرية ) ، أي
أن لا نشرك به ( خدمة أخرى ) ..
و انضمت إلى هذه ( الخدمة ) قناة ( النيلين الرياضية ) ، في عهد مديرها يومذاك الأستاذ ( خالد الإعيسر ) ..
و كان أن قاومنا كل الدعوات
الرسمية و غير الرسمية للانضمام
لهذه الخدمة بذلك القيد مخافة
أن تتراجع ( المشاهدة ) و يتراجع
تبعاً لذلك ( الإعلان ) ..
و نَجوْنا هذه المرة ..
و تصرمت أعوام شهدت بعض المستجدات ، لعل أهمها إطلاق
( سودانية ٢٤ ) ، و التي آثرت
لتقديرات تخصها ، البث حصرياً
على ( عربسات ) ،
و ليس ذلك فحسب بل كان هناك تصميم من ( طرف ما ) بضرورة
إلحاق ( النيل الأزرق ) بقناة
( سودانية ٢٤ ) ، و من أجل ذلك استنصر ( بوجدي ميرغني ) ،
فلم يفلح في حَمْلِه على حملِنا ،
ذلك أن ( وجدي ) كان لا يتدخل ،
و يسوسنا بسياسة أنتم أعلم
بشؤون ( قناتكم ) ..
و يوماً طلب مني ( ياسر يوسف ) ،
بوصفه ( وزير الدولة للإعلام ) ،
و القيادي ( بالمؤتمر الوطني )
الحضور ، فأسرعت إليه ..
و عرض عليَّ ( خطاباً ) مُعمَّداً إلى
( حزب المؤتمر الوطني ) ، بصورة
إلى ( جهاز الأمن و المخابرات ) ، يُلِحُّ على ( الجهتين النافذتين ) بضروة الضغط على ( قناة النيل الأزرق )
للإنتقال ( حصرياً ) إلى باقة
( عرب سات ) ، أسوة ( بكذا ) ،
و ( كذا ) ، مُعدداً جُملة أسباب
أبرزها مقتضيات ( الأمن القومي ) ..
لقد استمع إليَّ ( ياسر ) جيداً ، و أنا
أبدي تحفظاتي على الصيغة
المطروحة ، و ما ورد في ( الخطاب )
من ( مُحرِضات ) ،
و ختمت ( مرافعتي ) متعجباً :
” أين ( الأمن القومي ) و أنت تضع
كل ( قنواتك ) في ( سلة قمر )
واحد !!! ” ..
و ما أن أنهيت حديثي حتى التقط
( هاتفه ) متصلاً :
“يا سعادتك ،
بخصوص موضوع ( النيل الأزرق )
أنا ناديت ( حسن ) و هسه هو معاي ،
و سمعت منو ،
عندو مبررات مختلفة و مُقنعة ” ..
و لم يَزِد .
و أذِن لي بالانصراف ..
و قُضي الأمر على نحو ما ارتأينا ..
و قد تبين فيما بعد كم كنا مُحقين
فيما ارتأينا ..

تحياتي لك دكتور ( ياسر يوسف ) ..
و السلام ..
١٠ يناير ٢٠٢٦ ..

اترك رد

error: Content is protected !!