نص بيان السودان أمام مجلس الأمن الدولى بشأن التقرير نصف السنوي للمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية حول دارفور
رصد : الرواية الاولى


بيان جمهورية السودان أمام مجلس الأمن بشأن التقرير نصف السنوي للمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية حول دارفور
الوزير المفوض/ عمار محمد محمود
الإثنين 19 يناير 2026م
شكراً السيد الرئيس،
يطيب لي، في مستهل هذا البيان، أن أتقدم إليكم بخالص التهنئة بمناسبة توليكم رئاسة مجلس الأمن خلال هذا الشهر، متمنياً لكم التوفيق في قيادة أعمال المجلس، ومؤكداً استعداد وفد بلادي الكامل للتعاون البنّاء معكم في جميع القضايا ذات الاهتمام المشترك، كما أود أن أهنئ الأعضاء الجدد على نيلهم ثقة المجتمع الدولي وانتخابهم لعضوية هذا المجلس ، وأن أعرب في الوقت ذاته عن تقديرنا العميق للأعضاء الذين انتهت ولايتهم لما بذلوه من جهود خلال فترة عضويتهم، وأتقدم بالشكر إلى السيدة نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية على الإحاطة التي قدمتها اليوم إلى مجلس الأمن عملاً بالقرار رقم 1593.
أصحاب السعادة، السيدات والسادة،
يود وفد السودان أن يؤكد، وبأوضح العبارات، التزامه العميق والثابت بمبادئ العدالة والمساءلة، لا سيما فيما يتصل بأخطر الجرائم التي تهز الضمير الإنساني، من جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية. إن تحقيق العدالة كان ولا يزال هدفاً مركزياً للحكومة السودانية، وقد جرى التأكيد عليه مراراً من قبل السيد رئيس مجلس السيادة والسيد رئيس مجلس الوزراء، وذلك انطلاقاً من قناعة راسخة بأن منع الإفلات من العقاب وضمان المساءلة وإنصاف الضحايا وجبر الضرر وتضميد الجراح تشكل جميعها الأساس الحقيقي لأي سلام مستدام. وعلى هذا الأساس، فإن حكومة الأمل في السودان تبذل أقصى ما في وسعها لتحقيق العدالة في دارفور، إيماناً منها بأن السلام والعدالة مساران متلازمان لا ينفصل أحدهما عن الآخر.
انطلاقاً من هذه القناعة، أود أن أشدد على النقاط التالية:
أولاً: كما تعلمون، فقد ارتكبت مليشيا الدعم السريع الإرهابية أعمالاً وحشية مروعة بحق المدنيين عقب احتلالها لمدينة الفاشر استنكرها العالم أجمع، فقد نفذت، ولا تزال تنفذ، عمليات قتل ذات طابع عرقي واستعلائي وأعمال ترويع ممنهجة وواسعة النطاق استهدفت المدنيين العُزّل، بمن فيهم النساء والأطفال وكبار السن إضافةً إلى استهداف المدن والبُنى التحتية بالمسيرات، وقد بلغت هذه الجرائم من الفظاعة حداً جعل مرتكبيها يوثقونها بأنفسهم، في مشاهد صادمة تعكس استخفافاً كاملاً بالقيم الإنسانية والعدلية، مما يكشف عن الطبيعة الإجرامية المستحكمِة لمليشيا جعلت من سفك دماء المدنيين وممارسة الإرهابنهجاً لها. لقد خططت هذه المليشيا، بدعم وتشجيع من رعاتها الإقليميين، لتنفيذ جريمة إبادة جماعية متكاملة الأركان، عبر فرض حصار خانق على مدينة الفاشر وتجويع سكانها لما يقارب عامين ونصف، قبل أن تُتوَّج هذه السياسة الإجرامية بمجزرة مروعة تُضاف إلى سجلها البشع الحافل بالفظائع والممتد من الجنينة في غرب دارفور إلى قرى وأرياف ولاية الجزيرة ومروراً بالخرطوم وسنار وكردفان، وكل مكان دنسته أقدام عناصر هذه المليشيا. إن هذه الحرب التي شنتها هذه المليشيا الإرهابية ضد المواطن السوداني تمثل سابقة خطيرة في تاريخ الجرائم الجماعية، وقد جعلت منها نموذجاً صارخاً للإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية بحق المدنيين الأبرياء، فحيثما حلت هذه المليشيا، حلّ القتل والترويع والدمار.
لا شك أن جميع هذه الجرائم تندرج بشكل كامل وواضح ضمن الاختصاص الموضوعي والجغرافي للمحكمة الجنائية الدولية، الأمر الذي يستوجب من المحكمة الإسراع في توجيه التهم وإصدار أوامر القبض بحق القادة المتورطين، الذين ظهربعضهم علناً أمام كاميرات الهواتف وهم يوثقونلجرائمهم، في استهتار واضح بالمساءلة والعدالة، وأن الإبطاء في ممارسة الاختصاص الجنائي للمحكمة يثير تساؤلات إثر ارتكاب جريمة الإبادة العرقية في الفاشر مرتين منذ مايو 2023م.
ثانياً: إن ما ارتكبته هذه المليشيا من فظائع لم يكن ليحدث لولا الرعاية والدعم والتشجيع الذي تلقتههذه المليشيا من دولة راعية تعلمونها، وفرت لها السند العسكري والمالي والسياسي واللوجستي والإعلامي. وعليه، فإن من الأهمية بمكان أن تمتد تحقيقات المحكمة لتشمل كل من يثبت تورطه في دعم هذه المليشيا أو التواطؤ معها، سواء من القادة أو الممولين أو الرعاة الإقليميين المحرضين، لا سيما وأن المحكمة الجنائية الدولية تتمتع بالاختصاص القانوني لملاحقة جميع المتورطين في هذه الجرائم، أياً كانت مواقعهم وبلدانهم، كما نؤكد أن نطاق التحقيق ينبغي أن يشمل بعض الجهات الإعلامية التي اضطلعت بدور خطير في تبييض جرائم المليشيا والتقليل من فظائعها والاستخفاف بمعاناة الضحايا، في انتهاك صارخ لأخلاقيات الإعلام والمسؤولية المهنية. في هذا السياق، نلفت الانتباه إلى الدور الذي لعبته قناة سكاي نيوز عربية، التي تتخذ من الدولة الراعية للمليشيا مقراً لها، في هذا المسار التضليلي. إن تجارب النازية في ألمانيا وتجارب رواندا وكينيا وغيرها تؤكد أن بعض الوسائل الإعلامية تلعب دوراً محرضاً ومزيِفاً لا يقل خطورة عن الهجمات المسلحة واستهداف المدنيين، لذلك فإن العدالة لن تتحقق إلا بمساءلة من يقتل ومن يموّل ومن يسلّح ومن يغطي عن الجرائم ويطيل أمدها إعلامياً.نطالب كذلك بضم المحرضين على قتل المدنيين واغتصاب النساء والفتيات والداعمين للمليشيا والذين يقيم بعضهم في دول أوروبية.
ثالثاً: انطلاقاً من كون تحقيق العدالة عن الجرائم المرتكبة في دارفور أولوية قصوى للحكومة الانتقالية، فإن السودان يواصل تعاونه مع المحكمة الجنائية الدولية. في هذا الإطار، قام مكتب المدعي العام بزيارة إلى السودان خلال الفترة المشمولة بالتقرير، وذلك في الفترة من 29 يوليو إلى 11 أغسطس 2025، كما قام السيد النائب العامالسوداني، بصفته رئيس لجنة جرائم الحرب وانتهاكات القانون الدولي الإنساني، بزيارة إلى لاهاي في ديسمبر 2025، وعقب الاستيلاء علىمدينة الفاشر في أكتوبر 2025 وما رافقه من جرائم وانتهاكات جسيمة ارتكبتها المليشيا المتمردة، تعزز التعاون وتكثف تبادل المعلومات، وتمت الاستجابة لعدد من طلبات مكتب الادعاء بالمحكمة الجنائية الدولية، كما يجري التحضير لزيارة مرتقبة لوفد من مكتب المدعي العام إلى معسكرات النازحين في بعض مناطق السودان للقاء عدد من الشهود الذين عايشوا الهجوم على الفاشر. ونشير في هذا الصدد إلى أن هناك طلبين فقط لما بعد أحداث الفاشر لا يزالان قيد النظر.
رابعاً: على الرغم من مرور أكثر من عامين على مجزرة الجنينة، ورغم توفر الشهود والأدلة، لم تصدر المحكمة الجنائية الدولية حتى الآن أوامر توقيف أو قبض بحق المتهمين بارتكاب تلك الجرائم. إن هذا التأخير يبعث برسالة مقلقة ويثير خيبة أمل عميقة لدى الضحايا ويغذي شعور الجناة بالإفلات من العقاب، الأمر الذي يشجعهم على مواصلة ارتكاب المزيد من الجرائم، كما حدث من قبل في الفاشر. لو أن المحكمة سارعت، كما أُعلن سابقاً أمام هذا المجلس من قبل المدعي العام نفسه، بإصدار أوامر قبض بحق المشتبهين في أحداث الجنينة بغرب دارفور، لربما أمكن تفادي تكرار تلك الفظائع في الفاشر وفي مناطق أخرى من السودان.
السيد الرئيس،
ختاماً، نؤكد أن مكافحة الإفلات من العقاب تمثل مقصداً نبيلاً وجوهرياً من مقاصد العدالة، وهي ليست موضع خلاف، بل تشكل إحدى الركائز الأساسية لتحقيق السلام والاستقرار في السودان. وبناءً على ذلك، نجدد تأكيد قناعتنا الراسخة والتزامنا بالتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، من أجل تحقيق العدالة في الجرائم الدولية المرتكبة في دارفور، وإنصاف الضحايا، وترسيخ أسس سلام عادل ودائم في بلادنا. في هذا الصدد نشير إلى أن السودان استقبل في الأسبوع الماضي المفوض السامي لحقوق الإنسان الذي زار البلاد بغرض الوقوف على الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها مليشيا الدعم السريع ضد المدنيين، وللتفاكر مع حكومة السودان حول تنسيق الجهود لضمان تحقيق العدالة ومحاسبة مرتكبي الجرائم ورد الحقوق. خلال الزيارة، وقف المفوض السامي على الجوانب القانونية والعدلية التي تتبعها حكومة السودان مع الجرائم التي ترتكبها المليشيا الإرهابية، مع التأكيد على أن مسألة ترسيخ حقوق الإنسان تأتي في أولوية السياسات التي وضعتها حكومة الأمل وتعتبر محور أساسي في استراتيجية الدولة.
وشكراً السيد الرئيس






