كازان تجمع السودان وروسيا تحت مظلة الثقافة الإسلامية.. والخرطوم تدعو لحماية الهوية والتراث في مواجهة الحرب

الرواية الاولى – تقرير : مجدي عبدالعزيز
شارك السودان بوفد رفيع المستوى في فعاليات منتدى كازان الدولي بجمهورية تتارستان الروسية، الذي انعقد خلال الفترة من 12 إلى 16 مايو الجاري، وسط حضور سياسي وثقافي ودبلوماسي واسع من دول العالم الإسلامي، وذلك في وقت تحتفل فيه مدينة كازان باختيارها عاصمة للثقافة الإسلامية لعام 2026.
وترأس وفد السودان معالي وزير التعليم والتربية الوطنية الدكتور التهامي الزين حجر، بمشاركة سفير السودان لدى روسيا الاتحادية السفير محمد الغزالي سراج، إلى جانب عدد من المسؤولين، حيث سجل السودان حضوراً لافتاً في جلسات المؤتمر العام لمنظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة “الإيسيسكو”، والفعاليات المصاحبة المتعلقة بالحوار الثقافي والتعاون الحضاري بين روسيا والعالم الإسلامي.

وخلال كلمته أمام المؤتمر العام للإيسيسكو، دعا وزير التعليم والتربية الوطنية المنظمة إلى توسيع برامجها الداعمة للسودان في مجالات التعليم والثقافة وحماية التراث، مؤكداً أن السودان يواجه واحدة من أخطر المراحل في تاريخه الحديث جراء الحرب المستمرة منذ أبريل 2023.
وقال الوزير إن “المليشيات المتمردة المدعومة خارجياً” استهدفت بصورة ممنهجة الهوية الثقافية والاجتماعية للسودان، عبر تدمير المؤسسات التعليمية ونهب المتاحف والمواقع الأثرية وتعطيل آلاف المدارس والجامعات، مشيراً إلى أن قطاع التعليم كان من أكثر القطاعات تضرراً خلال الحرب.
ورغم تلك الظروف، أكد الوزير نجاح الدولة في استمرار العملية التعليمية وإجراء الامتحانات العامة، معتبراً ذلك دليلاً على صمود الشعب السوداني وتمسكه بهويته الوطنية ومؤسساته التعليمية.

وطرح الوزير السوداني خلال المؤتمر عدداً من المبادرات العملية، شملت تخصيص برامج لدعم التعليم في حالات الطوارئ، وتأهيل المعلمين، وتطوير المناهج المرنة، إلى جانب دعم جهود حماية التراث الثقافي السوداني ورقمنة المخطوطات والمقتنيات التاريخية.
كما دعا إلى تفعيل “مركز سنار الإقليمي للحوار والتنوع الثقافي” وتحويله إلى مكتب إقليمي للإيسيسكو، ليكون منصة للحوار الثقافي وبناء السلام في منطقة الساحل وحوض النيل.
وأشاد الوزير بمبادرة “إسناد السودان” التي دعمتها الإيسيسكو، مؤكداً أنها مثلت نموذجاً عملياً للتضامن مع الشعب السوداني، خاصة في مجالات التعليم والدعم النفسي والاجتماعي للطلاب المتأثرين بالحرب.
وفي سياق متصل، شارك الوزير التهامي الزين حجر في الاجتماع الخاص باحتفال كازان عاصمةً للثقافة الإسلامية، حيث أكد في كلمته أن المدينة الروسية تمثل نموذجاً راسخاً للتعايش والحوار الثقافي بين روسيا والعالم الإسلامي، مشيداً بتاريخها الحضاري ودورها في تعزيز المشتركات الثقافية بين الشعوب.
وقال إن عالم اليوم، وفي ظل التوجه نحو نظام دولي متعدد الأقطاب، بات يحتاج إلى تعزيز الحوار الثقافي واحترام التنوع باعتباره مصدراً للقوة وبناء السلام والتنمية المستدامة.
وأكد الوزير أن السودان ظل عبر تاريخه “جسراً روحياً وفكرياً” يربط بين إفريقيا والعالم العربي والإسلامي، مشيراً إلى أن التعدد الثقافي والديني في السودان شكّل نموذجاً للوسطية والتعايش السلمي عبر القرون.

وفي كلمة منفصلة خلال اجتماع رئيس جمهورية تتارستان بالسفراء المعتمدين لدى روسيا الاتحادية، أكد سفير السودان لدى موسكو محمد الغزالي سراج أن اختيار كازان عاصمةً للثقافة الإسلامية يعكس مكانتها التاريخية في تعزيز التبادل الحضاري والثقافي بين روسيا والعالم الإسلامي.
وأشار السفير إلى أن السودان، بوصفه مهداً لحضارات عريقة، يواجه تحديات كبيرة جراء الحرب المفروضة عليه بواسطة “مليشيا متمردة” سعت – بحسب تعبيره – إلى طمس الهوية الحضارية والثقافية للبلاد، عبر استهداف البنية التحتية والمرافق المدنية.
كما لفت إلى الاعتداء الذي تعرض له مطار الخرطوم وبعض المنشآت المدنية في الرابع من مايو الجاري، مجدداً تطلع السودان إلى تطوير العلاقات مع جمهورية تتارستان في مختلف المجالات، بالتزامن مع احتفال السودان وروسيا هذا العام بمرور 70 عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
من الرواية الأولى

يتصدر السودان المشهد في كازان بحضور دبلوماسي وثقافي لافت، حمل رسائل تتجاوز حدود المشاركة البروتوكولية إلى تثبيت صورة السودان كدولة ذات عمق حضاري وثقافي قادرة على مخاطبة العالم رغم جراح الحرب.
مصدر هذا الزخم لا يقتصر على رئاسة الدكتور التهامي الزين حجر للوفد السوداني، بل يمتد كذلك إلى الحضور السوداني المؤثر داخل مؤسسات العمل الإسلامي المشترك، وفي مقدمته السفير طارق علي بخيت، مساعد الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي، وهو ما منح المشاركة السودانية بعداً إضافياً يعكس مكانة الكفاءات السودانية في المنظمات الإقليمية والدولية.
وتأتي هذه المشاركة في توقيت بالغ الرمزية، إذ تتزامن مع احتفال السودان وروسيا بمرور سبعين عاماً على تأسيس العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، بما يمنح منتدى كازان بعداً سياسياً وثقافياً يتجاوز الطابع الاحتفالي التقليدي.
لقد بدت كلمة السودان في كازان منسجمة مع التحولات الكبرى التي يشهدها العالم نحو نظام دولي متعدد الأقطاب، يقوم على احترام الخصوصيات الثقافية والحضارية، ويجعل من الحوار الثقافي أداة لبناء التفاهم الدولي لا وسيلة للصراع والاستقطاب.
وفي هذا السياق، قدم السودان نفسه بوصفه نموذجاً حضارياً متفرداً، تتداخل فيه الأبعاد العربية والأفريقية والإسلامية، وهو ما جعل من الهوية السودانية عبر التاريخ مظلة للتعايش السلمي والتنوع الثقافي والديني.
كما عكست الكلمات السودانية في كازان إدراكاً عميقاً لطبيعة الحرب التي تستهدف السودان، ليس فقط باعتبارها مواجهة عسكرية، بل أيضاً باعتبارها محاولة لضرب المكونات الحضارية والثقافية والاجتماعية للدولة السودانية، عبر استهداف المؤسسات التعليمية والمتاحف والمواقع الأثرية ومقومات الهوية الوطنية.
غير أن الرسالة الأهم التي خرج بها السودان من كازان، تمثلت في التأكيد على أن الموروث الحضاري والثقافي للبلاد ظل أحد أهم عوامل الصمود والتماسك الوطني، وأن وحدة المصير والهوية الجامعة لا تزال تمثل الحائط الصلب في مواجهة مشاريع التفكيك والاستهداف الخارجي





