قبل مجلس الأمن… تحولات الإقليم وخطاب أفريقيا تعيد تعريف معادلة التسوية في السودان!؟

لم تعد الحرب المفروضة على السودان تُقرأ بالعدسة ذاتها التي رافقت أشهرها الأولى. فمخرجات القمة الأفريقية الأخيرة، والتحول النسبي في خطاب عدد من القادة الأفارقة تجاه توصيف “التمرد”، إلى جانب تمسّك الخرطوم بسرديتها القائمة على الشرعية الوطنية، وتحديد أطر وقف إطلاق النار، كلها مؤشرات على إعادة تشكّل بيئة إقليمية ودولية مختلفة تسبق جلسة مجلس الأمن الدولي المرتقبة في 19 فبراير برئاسة المملكة المتحدة. وهي بيئة تقول بوضوح إن أي تسوية قادمة لن تكون نسخة من مقاربات سابقة، ولا ما ظلت تردده ( الرباعية ) بل ستضطر إلى استصحاب هذه التحولات المتسارعة.
أولاً: تبدّل المزاج الأفريقي… من الحياد الرمادي إلى سؤال الدولة
لطالما استمر تعليق عضوية السودان، واتُّهم الاتحاد الأفريقي بتبني مقاربة “الطرفين المتساويين”، واعترافه بالتدخل الخارجي في شئونه، وهو خطاب يُجنّب المنظمة الإحراج السياسي لكنه يربك مفهوم الدولة في حالات التمرد المسلح. غير أن مخرجات القمة الأخيرة أظهرت ميلًا أوضح إلى التعامل مع الأزمة السودانية بوصفها تهديدًا لكيان الدولة الوطنية، لا مجرد صراع سياسي قابل للتسوية بين فاعلين متكافئين، وهنالك مؤشرات تعزز هذه الرؤية .
هذا التحول – وإن لم يبلغ حد القطيعة الكاملة مع خطاب “الحياد” – يعكس إدراكًا متزايدًا داخل الدوائر الأفريقية بأن شرعنة السلاح خارج مؤسسات الدولة يفتح الباب أمام سوابق خطيرة في القارة. فدول عانت من انقلابات وتمردات مسلحة تدرك أن أي تساهل مع نموذج “الميليشيا الشريكة” يهدد استقرارها الداخلي مستقبلًا. ومن هنا، يمكن قراءة تبدّل الخطاب الأفريقي باعتباره دفاعًا عن فكرة الدولة بقدر ما هو موقف من الحالة السودانية.
ثانيًا: الخرطوم وسردية الشرعية… إعادة ضبط سقف التفاوض
في المقابل، تمسّكت الحكومة السودانية بسردية تقوم على ثلاث ركائز: الشرعية الدستورية، ووحدة الدولة، واحتكار العنف المشروع. ولم تكتفِ بذلك، بل ربطت أي حديث عن وقف إطلاق النار بمحددات أربعة واضحة: وقف شامل للعدائيات، انسحاب المليشيا من الأعيان المدنية، تجميع القوات في معسكرات محددة، والانخراط في عملية سياسية سودانية–سودانية.
بهذه المحددات، أعادت الخرطوم تعريف التفاوض من كونه آلية لتقاسم النفوذ، إلى كونه مسارًا لإنهاء التمرد وإعادة دمج العناصر غير المتورطة في جرائم ضمن ترتيبات أمنية وقانونية. وهذا التحول في الخطاب ليس مجرد موقف إعلامي، بل أداة سياسية لإعادة ضبط سقف أي مبادرة دولية، حتى لا تتحول التسوية إلى مكافأة على حمل السلاح.
ثالثًا: علوّ الخطاب المصري والسعودي… تثبيت مفهوم الدولة
إقليميًا، برزت نبرة أكثر وضوحًا في خطاب كل من مصر والمملكة العربية السعودية، حيث تقاطعت الرسائل الرسمية مع رفض شرعنة الكيانات المسلحة خارج إطار الدولة. هذا العلو في الخطاب لا ينفصل عن حسابات أمن قومي: فالقاهرة تنظر إلى السودان بوصفه عمقًا استراتيجيًا مرتبطًا بأمن وادي النيل، فيما ترى الرياض في استقرار السودان عنصرًا حاسمًا لأمن البحر الأحمر وسلاسل الإمداد الإقليمية.
وإذا كانت الدبلوماسية السعودية قد لعبت دورًا محوريًا في مسارات التهدئة السابقة، فإن الرسائل الأخيرة تبدو أكثر ميلًا إلى تثبيت مفهوم الدولة الوطنية كمرجعية لأي حل. وهي إشارة إلى أن التوازنات الإقليمية لم تعد تسمح بتسويات رمادية تعيد إنتاج الأزمة تحت مسميات “الشراكة” أو “الترتيبات الانتقالية” المفتوحة.
رابعًا: الدعم القطري–التركي… إعادة توازن إقليمي
في السياق ذاته، جاء الدعم السياسي والإنساني من قطر وتركيا ليعزز محورًا إقليميًا يميل إلى دعم مؤسسات الدولة السودانية. هذا الدعم لا يُقرأ فقط في بعده الإغاثي أو الدبلوماسي، بل في كونه جزءًا من إعادة توازن في الإقليم وشبكة أمان متقدمة، حيث تتقاطع المصالح حول منع انهيار دولة محورية على البحر الأحمر.
تلاقي الخطاب المصري–السعودي مع الإسناد القطري–التركي يشير إلى مساحة تقاطع إقليمي أوسع مما يبدو في العلن، قوامها رفض تفكيك الدولة السودانية، ولو اختلفت دوافع كل طرف وأولوياته.
خامسًا: التحرك الأوروبي… من الحياد إلى المساءلة
على الضفة الأخرى، برز تحرك أوروبي متصاعد لتوثيق وتوصيف الجرائم المرتكبة في سياق التمرد، بما يفتح الباب أمام أدوات مساءلة قانونية وسياسية. هذا التطور يضع العواصم الغربية أمام معادلة دقيقة: كيف يمكن الدفع نحو وقف إطلاق النار دون تجاهل طبيعة الانتهاكات ومن يقف وراءها؟
فإذا مضى الأوروبيون في مسار توصيف أكثر صرامة للجرائم، فإن ذلك سيؤثر مباشرة على شكل أي مبادرة تُطرح في مجلس الأمن الدولي. إذ لن يكون من السهل سياسيًا أو أخلاقيًا الدفع نحو تسوية تتجاهل ملف الانتهاكات أو تساوي بين الدولة والمليشيا المتمردة.
سادسًا: الميدان يفرض منطقه
يبقى العامل الحاسم هو التطور الميداني. فالتقدم الذي تحرزه القوات المسلحة يعيد تشكيل ميزان القوى، ويمنح الخرطوم ورقة ضغط إضافية في أي مفاوضات. في النزاعات الداخلية، غالبًا ما تُحدَّد شروط التسوية على ضوء الوقائع العسكرية، لا العكس. وكلما اتسعت رقعة سيطرة الدولة، تراجع هامش المناورة أمام الأطراف التي كانت تراهن على فرض وقائع بالقوة. وحركة التعافي الداخلي تتسع عسكرياً ومدنياً لما بدفع بتثبيت هذه التحولات.
هذا التقدم لا يعني حسمًا نهائيًا بالضرورة، لكنه يرفع سقف الدولة في أي نقاش حول وقف إطلاق النار، ويجعل من الصعب فرض معادلة “تقاسم مراكز القوة” كما حدث في تجارب سابقة بالمنطقة وهذا ما اكده رئيس وزراء السودان في مؤتمر ميونخ للأمن .
قبل 19 فبراير… أي سيناريو؟
مع اقتراب جلسة مجلس الأمن برئاسة المملكة المتحدة، تبدو الساحة محكومة بثلاثة سيناريوهات رئيسية:
1. الدفع نحو وقف إطلاق نار إنساني موسع مع ضغط دولي لإدخال المساعدات، دون حسم سياسي شامل.
2. طرح مسار سياسي محدث يستوعب التحولات الإقليمية ويضع محددات أكثر وضوحًا لنزع السلاح وإعادة الدمج.
3. تشديد أدوات المساءلة والعقوبات في حال تعثر المسارات السياسية.
غير أن أيًّا من هذه السيناريوهات لن ينجح ما لم يأخذ في الاعتبار المعادلة الجديدة: تبدل المزاج الأفريقي، علو الخطاب الإقليمي الداعم للدولة، التحرك الأوروبي في ملف الجرائم، والتقدم الميداني الذي يعيد تعريف ميزان القوى.
الخلاصة: لا عودة إلى ما قبل التحولات
رغم ما أشرنا من تطور، جاءت إشارة المبعوث الأميركي مسعد بولس في مؤتمر ميونخ للأمن ، بأن واشنطون أعدت عقوبات لمعاقبة السودان في حال تمسكه بمواقفه، في توقيت بالغ الحساسية، لتُقرأ كرسالة سياسية أكثر من كونها إجراءً تقنيًا. فالولايات المتحدة، بوصفها فاعلًا رئيسيًا في مجلس الأمن الدولي، تدرك أن التلويح بالعقوبات يعيد تشكيل ميزان الضغط قبيل أي مسار تفاوضي. غير أن التجربة الممتدة للعقوبات الأميركية على السودان أثبتت محدودية أثرها في تغيير المعادلات السياسية، مقابل كلفتها الباهظة على الاقتصاد ومعاش المواطنين. لذا فإن إعادة استدعاء الأداة ذاتها، دون قراءة للتحولات الإقليمية والميدانية الراهنة، يثير تساؤلًا مشروعًا حول جدواها، وما إذا كانت ستخدم فعلاً مصالح الشعب السوداني أم تعيد إنتاج دوامة ضغطٍ لم تُفضِ سابقًا إلى تسوية عادلة أو مستقرة
وتقول مجمل هذه المحطات إن السودان لم يعد ساحة فراغ سياسي يمكن ملؤه بتسوية جاهزة. بل أصبح ملفًا محكومًا بتوازنات إقليمية متغيرة، وبخطاب أفريقي أكثر حساسية لمفهوم الدولة، وبميدان يفرض منطقه على الطاولة.
وعليه، فإن أي تسوية قادمة لن تكون قابلة للحياة ما لم تستصحب هذه التطورات مجتمعة. فالتجاهل لن ينتج إلا هدنة هشة تعيد تدوير الأزمة. أما الاعتراف بالتحولات، فقد يفتح الباب أمام مقاربة أكثر واقعية: سلامٌ يستند إلى دولة موحّدة، لا إلى معادلة سلاحين داخل كيان واحد.
وبين هذين الخيارين، ستتحدد ملامح المرحلة المقبلة… ليس فقط في نيويورك، بل في الخرطوم وأديس أبابا والقاهرة والرياض والدوحة وأنقرة، حيث تُصاغ – بصمتٍ أحيانًا – ملامح السودان القادم.
————-
١٦ فبراير ٢٠٢٦ م


