
يحاول تحالف صمود ومن يدور في فلكه هذه الأيام تسويق تسمية جديدة لمعسكره باعتبارهم “القوى المناهضة للحرب وغير المنحازة لأطرافها”. ويجري الترويج لهذا الوصف بإلحاح يشي بالحاجة إليه أكثر مما يدل على محتواه. فبعد أن فشلت محاولاتهم المتكررة لإخفاء الانحياز الواضح لمليشيا الدعم السريع وسرديتها حول الحرب وأسبابها وطبيعتها، وبعد أن تعذر احتكار تمثيل المدنيين أو الاستحواذ على شعارات السلام والثورة لتسويق ذلك الانحياز، وبعد ان فضحهم التماهي المعيب والدفاع الفضائحي عن كفيل الحرب والداعم الاول لاستمرارها في مشيخة ابوظبي، لم يبق لهم إلا محاولة الاختباء خلف الأسماء لعلها تستر سوك ما فضحته الوقائع.
غير أن السياسة لا تُقاس بما تختاره القوى لنفسها من أوصاف، وإنما بما تنتجه مواقفها من آثار. والشاهد أن هذه القوى السياسية اندفعت منذ الأيام الأولى للحرب إلى تبني الرواية التي طرحتها المليشيا عن الصراع، وسعت في خطابها إلى تبرير ممارساتها وصرف النظر عن انتهاكاتها، ثم واصلت الدفاع عنها وعن كفلائها في الامارات، في الوقت الذي كانت فيه الوقائع على الأرض تكشف يوماً بعد يوم الطبيعة الحقيقية للمشروع الذي تمثله المليشيا.
ولم يكن أثر هذا الموقف سياسياً مجرداً. فقد ساهم بصورة مباشرة في إطالة أمد الحرب عبر توفير الغطاء السياسي والأخلاقي لاستمرار تدفق الدعم والتسليح، والاجتهاد في صرف الأنظار عن الانتهاكات الواسعة التي ارتكبتها المليشيا، والترويج لمعادلة زائفة تقوم على مساواة الدولة بمؤسساتها الرسمية مع مليشيا مسلحة قامت على منطق الافتراس والنهب والعنف المنظم.
ثم انتقل الأمر إلى محاولات تقديم واجهات الدعم السريع المختلفة إلى العالم باعتبارها قوى سياسية ومدنية محايدة، ثم السعي لإدخالها في العمليات السياسية بوصفها أطرافاً طبيعية في مستقبل السودان. وكان الهدف النهائي من ذلك كله واضحاً: المحافظة على الوجود المؤسسي للمليشيا وإعادة إنتاجه داخل أي تسوية سياسية مقبلة، مهما كانت الكلفة التي دفعها السودانيون نتيجة وجودها وسلوكها.
لقد دفع السودانيون ثمناً باهظاً لهذه المغامرة. دفعوه من أرواحهم ومنازلهم وأرزاقهم وأمنهم ومستقبل أبنائهم. ولذلك فإن من غير المعقول أن يتوهم البعض أن بإمكانه التنصل من مسؤولية هذا المسار بمجرد تغيير اللافتة أو استبدال الاسم. فالمشكلة ليست في التسمية، بل في الموقف الذي تقف وراءه التسمية… اياً كانت.
إن تحالف صمود هو تحالف صمود، مهما تعددت الأسماء والصفات التي يحاول أن يكسو بها نفسه. وهو يحمل وزر مواقفه كما يتحمل نتائجها السياسية والأخلاقية. وما دام مصراً على النهج ذاته الذي قاده إلى هذه المواقف، فلا ينبغي أن ينتظر من السودانيين أن ينسوا أو يتجاوزوا أو يتعاملوا مع الماضي وكأنه لم يكن.
إذا أراد هؤلاء أن يشاركوا في صناعة مستقبل البلاد، فليأتوا إلى مائدة الحوار كما هم في الحقيقة، لا كما يرغبون في أن يراهم الناس. وان اخجلتهم مواقفهم، فليغيروها في ذاتها، وليس مجرد اسماءها. فبينهم وبين الشعب السوداني سجل طويل من المواقف التي لا يمكن محوها بالأسماء الجديدة. من ود النورة إلى الجنينة، ومن الجزيرة إلى الخرطوم، ومن الخرطوم إلى الفاشر، تقف الوقائع شاهدة على النتائج الكارثية للسياسات التي دافعوا عنها أو وفروا لها الغطاء.
ولعل أول خطوة نحو أي مصالحة مع الحقيقة هي الاعتراف بها ولعلها قد تنفعهم شيئا امام شعبهم. أما محاولة الاختباء خلف التسميات، أو استبدال الوقائع بالشعارات، أو إلباس الانحياز ثوب الحياد، فلن يغير شيئاً من جوهر الأمر. فالأسماء قد تخدع بعض الناس لبعض الوقت، لكن الدماء لا تنسى، والوقائع لا تمحى، والشعوب التي دفعت أثمان الحرب تعرف جيداً من وقف معها ومن سفك دمها.






