الرواية الأولى

نروي لتعرف

مدونتي / حسن فضل المولي

رَقَائِق وَ رَقَائِق ..

حسن فضل المولى

كثيراً ما أحتفي و احتفظ بمُقْتبَساتٍ
ناصعة و ناطقة ، تعبر عن المشاعر بصورة تجعلني أرى و أحس و ألمس
و أتذوق مغازيها ، فأظل واقفاً
عندها لا أبرحها ..

و من ذلك أني قرأت قبل فترة لأخي ( ضياءالدين بلال ) ، و هو يتغزل في الماضي :
( عندمَا كَانَ السَّمْح أَسْمَحَ ،
وَالْقَمْحُ أَقْمَحَ ) ..
لم يجد ( ضياء ) و صفاً ( للسماحة )
يليق بها غير أنها ( أسمح ) ،
و لم يجد ( للقمح ) مقاربةً له
غير أنه ( أقمح ) ..
و عندي ما كان أطعم ..

أعجبني التعبير فاستدعيت نظائرَ
له استوقفتني ..
و من ذلك ما أفاء به ( عبد الوهاب
هلاوي ) عن ( عبد الكريم الكابلي ) :
( بَفْضَل انادي عليك
شيخي عبدالكريم الكابلي ..
لامِن يضيع حسي ) ..
و يمضي مُنداحاً :
( هكذا كان الكابلي وسيظل
في حياتي .. يعيدني بالمولد…
سر الليالي .. الي مولدي جوار
ضريح السيد الحسن ويذكرني بصوفيتي المنسيه ..
زمان الفته فته ..
واللقيمات لقيمات ) ..
ياسلاااام
زمان ( الفتَّة ) جد جد ..
و ( اللقيمات ) فايته الحد ..
لقد ذكرتَني ماضي صباي
يا صديقي ( هلاوي ) ..

و بين يدي ( عبدالكريم الكابلي ) ،
هذا هو الدكتور ( جلال الدقير )
يرثيه بمقال إختار له عنواناً استهواني :
( عَبْقَرِيٌّ مِنْ عَهْدِ الرَّشِيدِ ) ..
عنوانٌ ينسب ( كابلي ) إلى
أزهى العصور ازدهاراً في العلوم
و الأدب و الفنون ..
ومن فاتته قراءة هذا ( المقال )
فقد فاته خيرٌ كثير من عيون ،
المراثي فالتَمِسُوهُ ..

و أجدني في كل مرة أعيد قراءة
( مقال ) البرفسور ( علي المك ) :
بعنوان :
( مولد زهرة الروض الظليل ) ،
في رثاء ( عبد العزيز محمد داؤود ) ،
لأقف طويلاً عند الإهداء ..
( إهداء
إلى حليمة سليمان أمي‎
أنها كانت تنشد المديح النبوي‎
ترانيم في‎ ‎أشغال يومها‎

‏‎ والى الشيخ محمد علي المك‎
أنه أدخلني في‎
فراديس لغتنا‎ ‎الجميلة‎….

‏‎ ثم إلى خالي علي سليمان‎
فقد تعلمت منه‎
كيف يكون العيش‎
في أم درمان صبابة‎ ) ..
و ( المقال ) تحفة أدبية تشي بودٍ
دفين و حزنٍ كظيم فالتمِسوه ..

و هذا هو ( المسلمي الكباشي ) ..
يرثي الدكتور ( سيف الدين محمد أحمد ) ..
( رَحَلَ الرَّجُلُ الَّذِي ارْتَفَعَ فَوْقَ الضَّجِيجِ ) ..
و كل من عرف ( سيف الدين ) ،
سيتبادر إلى ذهنه كيف يكون طبع الرجل الذي يرتفع فوق الضجيج ..

و أعاد هذا الوصف إلى ذاكرتي
ما عبر عنه ( محمد عبيد النصري ) ،
في رثاء ( عبد العزيز العميري ) :
( الوجع الذي رحل باكراً ) ..
و فعلا ً ..
لقد كان ( العميري ) وجعاً يمشي
على رجلين و عجَّل بالرحيل ..
و ( العميري ) هو شاعر :
( أي صوت راجيه صوتك
و أي شريان فيك وريدي
الزمن قاسي الملامح
و انتي نوارة قصيدي ) ..
( يا نديدي ) ،
التي يتغنى بها ( سيف الجامعة ) ،
و الذي عندما بلغه خبر وفاة
( العميري ) قال :
( عندما وصلني نبأ وفاة العميري بحثت عن دموعي لم اجدها..
بحثت عن صوتي ولم اجده ..
دخلت غرفتي واغلقت الباب عليّ وجلست ابحث عن اي شيء يخصه صوره او قلم فوجدت قصاصه بخط يده بعنوان يانديدي فانفجرت باكيا وخرج اللحن دفعة واحده ) ..

و في ( فبراير ) الذي يصادف تاريخ
و فاة الأديب العالمي ( الطيب
صالح ) سارعتُ مع كثيرين إلى
استرجاع ما قاله الدكتور
( منصور خالد ) ، و هو يرثيه ،
و مما قالة :
( كُنْتُ أَخْتَلِفُ “أَتَرَدَّدُ” إِلَى الطَّيِّبِ كَثِيرًا ، فِي لَنْدَنَ وَالقَاهِرَةِ ، وَكَانَ
أَكْثَرُ مَا يُدْهِشُنِي فِيهِ هُوَ أَنَّهُ أَقَلُّ النَّاسِ عِبْئًا عَلَى مَجَالِسِيهِ ،
وَأَكْثَرُهُمْ صَبْرًا عَلَى الفَارِغِينَ
مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ) ..

و الجميلة ( سهير عبدالرحيم ) ،
تصف رحيل ( الدكتور منصور خالد )
ببعض كلامه :
( رحل منصور خالد و لِسانُ حالِ
الوطن يَشْكُو تكاثُر الزعازِعِ
و تناقُصَ الأوتادِ ) ..
يا له من وصفٍ رسم صورةً أشبه بخيمةٍ ، قلَّت أوتادُها ، أي مُثَبِتاتُها ،
في يوم ريحٍ زعزعٍ عاصفٍ ..
ولو أدرك دكتور ( منصور ) زماننا
هذا ، فما عساه يقول ، و الخيمة
تسبح في الهواء بلا أوتاد ؟ !!

و إلى :
( مُؤَانَسَةٍ عِندَ بَابِ الحُزْنِ ) ،
وَبَعْض مَا قَالَهُ أَخِي الأُسْتَاذُ
( عَبْدُاللَّطِيفِ مُجْتَبَى )،
فِي ابْنِ عَمِّهِ وَأَخِي المُهَنْدِسِ
( حُسَيْن مُسَاعدُ مُحَمَّد الأَمِينُ ) :
( تَمُرُّ بِيَ الفُصُولُ
فَتُمْطِرُ الذِّكْرَى
وَتَزْدَهِرُ الثَّوَانِي
يَا حُسَيْنُ
كَمْ سِنِينٍ ازْدَهَرْنَا
أَشْرَقَتْ خُطُوَاتُنَا بِالنُّورِ
فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ
فِي تَرْتِيلِ آيِ الذِّكْرِ بِالتَّجْوِيدِ
وَالإِحْكَامِ وَالقَلْبِ النَّدِيِّ
فِي صَفْوَةِ التَّفْسِيرِ مِنْ بَحْرِ المَعَانِي
كَمْ مَرَّةٍ ظَلَّلْتَنِي بِالحُبِّ
عِنْدَ تَشَابُكِ الأَحْضَانِ كَالشَّجَرِ الوَرِيفِ
كَمْ بَكَيْنَا فِي فِرَاقٍ لِعَزِيزٍ
وَابْتَسَمْنَا فِي لِقَاءَاتِ الخَوَاطِرِ ) ..
لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ..
وَجَعٌ تَنْفَطِرُ لَهُ القُلُوبُ العَصِيَّةُ..
لَقَدْ دَمَعَتْ عَيْنَايَ ..
وَالتَّعْبِيرُ عَنِ الإِحْسَاسِ ،
بِهَذَا الصِّدْقِ ،
وَبِهَذَا العُمْقِ ،
لَيْسَ بِمُسْتَغْرَبٍ مِمَّنْ خَالُهُ
( التِّيجَانِي يُوسُفُ بَشِيرٌ )،
وَشَقِيقُهُ ( صِدِّيقٌ مُجْتَبَى ) ،
وَابْنُ خَالَتِهِ ( عَبْدُالقَادِرِ الكُتَيَّابِي ) ..
وَهُوَ سَلِيلُ دَوْحَةِ ( الكُتَيَّابِ ) أَهْلِ
( الكِتَابِ ) ، وَالَّذِينَ قَالَ فِيهِمُ
الشَّاعِرُ وَالأَدِيبُ الفَذُّ الأُسْتَاذُ
( عَبْدُاللَّهِ الشَّيْخِ البَشِيرِ ) :
( إِنَّ الشِّعْرَ يَجْرِي فِي دِمَاءِ الكتيَّابِ مَجْرَى الدَّمِ ، فَلَا تَسُدُّوا مَنَابِعَهُ بِالإِهْمَالِ ) ..

و الدكتور ( صلاح الدين الفاضل ) يصف ( ليلى المغربي ) :
( كانت لَيْلَى إِذَا تُعْطِي لَا تَنْظُرُ
كَمْ أَعْطَتْ ) ..
و أرادت مرة أن تواجب ( عاملاً ) ،
رزق ولداً ، بعد عدد من البنات
عندما أخبرها :
( ليلى جابوا لي ولد )
قال ( صلاح ) :
( فَأَدْخَلَتْ يَدَهَا اليُمْنَى فِي شَنْطَتِهَا،
وَالشِّمَالُ غَافِلَةٌ ، وَدَسَّتْ لَهُ رُزْمَةً
مِنَ المَالِ ، دُونَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهَا ،
وَدُونَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ ، حَتَّى لَا تَرَى
حَيَاءَهُ عَارِيًا أَمَامَهَا ) ..
ياسلاااااام ..
حتى لا ترى حياءه عارياً أمامها ..
و تاني ياسلااااام ..

و على ذِكْرِ عطاء ( ليلى ) ،
فقديماً أعطى رجلٌ إمرأةً سألته
مالاً عظيماً فلاموه و قالوا :
إنها لا تعرفك ، و إنما كان يرضيها
القليل ، فقال :
إن كانت ترضى بالقليل فأنا لا أرضى
إلا بالكثير ،
و إن كانت لا تعرفني فأنا أعرف
قدر نفسي ..

و من أوجه الجمال في إسباغ
الأوصاف ، فقد كان ( لعثمان خالد ) صورة أنيقه باسِمة ، تتصدر مقالاته
في جريدة ( الأيام ) ،
فأطلق عليها ( طلحة الشفيع ) :
( بَسْمَةُ الأَيَّامِ ) ..
وصفٌ يشبه ( عثمان خالد ) ،
و يختزن ألف صورة ،
و ألف معنى ،
من ( طلحة الشفيع ) الذي
عُرف بكتاباته اللاذعة في عموده الشهير :
( و اتفرج ياسلام ) ..

و مؤكد في وعي كل منكم
الأروع و الأوجع من الأوصاف ،
التي عمرت بالمعاني و المواقف
و الأحاسيس ، التي تبهر و تؤنس
و تشجي و توجع ..
و نواصل ..
١١ أبريل ٢٠٢٦ ..

اترك رد

error: Content is protected !!