ريف السودان من (فتيل صراع) إلى (قاطرة استقرار).. الحكم الاتحادي تبدي استعدادها للتعاون مع المنتدى للنهضة بالريف

الرواية الاولى – متابعات .. رصد: إعلام جامعة المغتربين
في خطوة جريئة تهدف إلى كسر حلقة الأزمات المزمنة، وضمن فعاليات المنتدى القومي للفكر والتنمية والسلام الذي ترعاه جامعة المغتربين نظم المنتدى ندوته الأسفيرية الشهرية عبر منصتي الزووم واليوتيوب مساء الأربعاء 21 أكتوبر تحت عنوان (تنمية الريف أساس النهضة وبناء السودان)، طرح الأستاذ الباحث رمضان أحمد بريمة ورقة علمية متكاملة بعنوان (برنامج تدخل متكامل لإعادة بناء الريف السوداني)، الورقة التي جاءت في توقيت حرج يمر به السودان، تدعو إلى إحداث انعطافة جذرية تنتقل بالريف من سياسة إدارة الأزمة والمعالجات الجزئية إلى مقاربة استراتيجية شاملة تجعله ركيزة للإنتاج والاستقرار خلال العقد المقبل.
استهل الباحث ورقته بتشخيص دقيق ومقلق للواقع الريفي، واصفاً إياه بأنه يُعاني من أزمة وجودية مركبة تتداخل فيها فوضى الثروة الحيوانية وانهيار الزراعة التقليدية وشح المياه وتدهور التعليم وصولاً إلى انعدام الأمن الذي لم يعد شأناً محلياً بل تحول إلى تهديد مباشر للاستقرار الإقليمي والأمن القومي والاقتصاد الوطني. ورصد التقرير اتساع الهوة بين الرعاة والمزارعين نتيجة التغيرات المناخية وتآكل المراعي فضلاً عن عزوف الشباب عن زراعة الأرض وهجرتهم المستمرة إلى المدن والعمل في مهن هامشية مما جعل سكان الريف الذين كانوا عماد الاقتصاد يتحولون إلى طاقات معطلة وعالة على الدولة.
غايات استراتيجية بعيدة المدى:
رسمت الورقة هدفاً استراتيجياً عاماً يتمثل في تحويل الريف إلى بيئة منتجة ومستقرة، مدعوماً بأهداف فرعية واضحة تشمل خفض النزاعات العنيفة وضمان وصول أطفال الريف إلى التعليم الأساسي والمهني وتوفير مياه شرب آمنة لقرى الريف ورفع إنتاجية الزراعة والثروة الحيوانية وتمكين الحكم المحلي من إدارة الموارد بكفاءة وشفافية مطلقة.
محاور شاملة للتنمية والإنتاج
ولتحقيق هذه الغاية، اقترحت الورقة برنامج عمل متكاملاً يرتكز على محاور أساسية تشمل الأمن المجتمعي عبر تأسيس مجالس أمن محلية تضم الإدارة الأهلية والشباب والنساء والمزارعين والرعاة إلى جانب إعادة تنظيم المسارات والمراحيل ونزع السلاح تدريجياً مقابل الحوافز والخدمات. كما تضمنت المحاور التعليم المرن عبر ابتكار مدارس ريفية يتوافق تقاويمها مع المواسم الزراعية والرعوية وثورة المياه بإطلاق خطة كبرى لحصاد المياه وتشغيل الآبار بالمنظومات الشمسية وفصل مياه الاستخدام البشري عن الحيواني والزراعة المستدامة بالتحول الذكي من التوسع الأفقي إلى الرأسي وبناء جمعيات تعاونية حقيقية وسلاسل قيمة محلية. وشملت المحاور أيضاً إنشاء المجمعات السكنية الريفية لتجميع القرى المتناثرة في مجمعات حضرية مصغرة تضم الخدمات الأساسية وتحديث الثروة الحيوانية باعتماد المراعي المغلقة وتوطين الرعاة جزئياً وتعزيز التصنيع الحيواني المحلي إلى جانب إدخال الطاقة الشمسية والتحول الرقمي وتشكيل مجالس تخطيط منتخبة وقاعدة بيانات شاملة لموارد الأقاليم.
نموذج مبتكر لتمويل الاستثمار الريفي:
وفي معضلة التمويل التي غالباً ما تعطل المشاريع الكبرى، دعت الورقة إلى التعامل مع التنمية الريفية كاستثمار سيادي لا عبئاً مالياً، واقترحت تنويع مصادر التمويل بين الموازنة العامة وصناديق التنمية الولائية ومساهمات أبناء الأقاليم وشراكات المانحين والقطاع الخاص. ولحل أزمة تمويل الطرق والجسور دون إبقاء أعباء ديون على الميزانية، طرحت الورقة نموذج الشراكة مع الاستثمار الصيني القائم على العائد بنظام البوت مع وضع ضوابط سيادية صارمة تشمل تحديد سقوف عادلة للرسوم واستثناء مدخلات الإنتاج الزراعي ورقابة وطنية مستقلة والنص الصريح على نقل الملكية الكاملة للدولة بانقضاء المدة.
لم تغفل الورقة التحديات المرتقبة، مشيرة إلى أهمية الدعم السياسي من المركز والولايات ومواجهة المقاومة المحتملة لأنماط الحياة التقليدية عبر برامج التوعية المكثفة، وفي المقابل وضعت مؤشرات أداء دقيقة لربط التمويل بالنتائج لخفض النزاعات وزيادة الإنتاجية وعائدات الثروة الحيوانية.
آفاق المستقبل وخاتمة واعدة:
اختتمت الورقة بتحذير حاسم مفاده أن تجاهل أزمة الريف لم يعد خياراً مطروحاً، فالريف إما أن يكون قاطرة للاستقرار والنمو الاقتصادي أو يظل بؤرة دائمة للصراع، وشددت على أن الخطة لا تنتظر المعجزات بل تبدأ بخطوات صغيرة متراكمة تصنع خلال عقد مجتمعاً أكثر أملاً واقتصاداً محلياً مزدهراً.
وفي تعقيبه الختامي على الورقة، أشار رئيس جامعة المغتربين والخبير في قضايا التنمية والسكان بروفيسور/ عثمان الحسن محمد نور إلى أن هذه الورقة تمثل نموذجاً رائعاً وتعبيراً حقيقياً عن خطة رائدة، معلناً أن الجامعة والمنتدى سيتبنيان البرنامج لتقديمه رسمياً إلى مجلس الوزراء ووزارة الحكم الاتحادي. وأضاف أن النمو السكاني المتسارع في السودان يتقاطع مع إهمال تاريخي عانت منه المناطق الريفية عبر الحكومات المتعاقبة، مستعرضاً مؤشرات دقيقة للأرض والسكان والثروة الحيوانية، حيث تبلغ المساحات الصالحة للزراعة نحو 170 مليون فدان لا يُستغل منها سوى خمسة وعشرين بالمئة ومعظمها يعتمد على مياه الأمطار المتذبذبة سنوياً. وأكد أن السودان يمتلك ثروة حيوانية هائلة تضم ملايين الرؤوس من الضان والماعز والأبقار والإبل، مقترحاً البدء في تطبيق هذه الخطة عملياً في ولاية القضارف أو النيل الأبيض لتقييم التجربة بدقة وتأطير نجاحها قبل تعميمها تدريجياً على بقية الولايات.
وزارة الحكم المحلي على الخط:
وفي ذات السياق، أشار ممثل وزارة الحكم الاتحادي والتنمية الريفية، الأستاذ/ قصي حسن عبدالله، إلى أن معظم سكان السودان ينتمون إلى الريف، مؤكداً أن هذه الخطة ذات طبيعة استراتيجية وتتطلب المزيد من الورش التدريبية والاستشارية فضلاً عن تبني استراتيجية متكاملة من الدولة لتحقيق غاياتها. وأعرب عن سعادة الوزارة البالغة بهذه الخطة النوعية، مؤكداً استعدادها التام للعمل المشترك والتعاون المثمر مع المنتدى لتحقيق كافة أهدافها على أرض الواقع والنهوض بالريف السوداني.






