
مقدمة ..
هذا الشيء !!
أكثر من ثلاثين عاماً ، مضت على
هذه ( الفضفضة )..
كنت يومها في ريِّقِ الشباب ..
و اليوم ،،
( بِضْعٌ و ستون قصرت الخطى
و تركنني أمشي الهوينا ظالعاً
متعثرا ) ..
و كنت يومها حديث عهد بالحياة العملية ، بُعيد تخرجي من
( الجامعة ) ..
لقد عنَّ لي أن أُعَبِّر عما يمور بصدري من خطراتٍ ، أفرغتها على استحياء
في مخطوطة أسميتها ( هذا الشيء ) ..
و خصصت بها نفراً من المقربين ،
الذي استغربوا أن تصدر عني هذه ( التهويمات ) ، و قد عَرفوني على
نحوٍ مغاير تماما لما احتشد به
( هذا الشيء )..
و بالرغم من أنها قد استهوتهم ،
و بالغوا في الإحتفاء بها ،إلا أنني قد مارست معها قدراً من التعتيم ،
ظناً مني أن ما افشَيتُه هو مما
يحسن أن تنطوي عليه الضلوع ، بحسبانه نجوى بين اثنين ، لا تصلح
أن تكون على قارعة الطريق ، نهباً لفضول الناس وظنونهم ..
و أذكر أن الصديق الصحفي
( كمال علي ) عندما فاجأني ، و بدأ
في نشرها في صحيفة ( ألوان ) يومذاك ، رجوته أن يَكُفَ عن النشر ففعلَ مشكوراً مأجوراً..
فعلت ذلك بالرغم من المنافع
التي طوقني بها ( هذا الشيء ) ..
لقد عَرَّفَني على كثيرين ..
تلك الأيام ، أسرَّ لي صديق ،
أنه قد اتخذ من ( هذا الشيء ) ،
مُرشداً ودليلاً، توسل به إلى قلوبٍ ، ماكان بوسعه أن يقترب منها لولاه ، فدانت له وأسلَمَتْهُ قِيادَها ، وعندما رجوته أن يتكرم عليّّ بقلبٍ واحدٍ أبى وبخِل ..
و كدت بأخْمُصِي أطأ الثُريا إذ وجدت الشاعر الفذ ( مهدي محمد سعيد ) يُضَمِّنه قصيدة نظمها في شخصي الضعيف ، وأنا أغادر ( تلفزيون السودان ) :
( يزف المبدعون لك التحايا
ويهدون المحبة والسلاما
وقد عرفوك بينهم صديقا
نقي الفكر والرجل الهماما
لأن حديثك العطر المصفى
و “هذا الشيء” عندك قد تنامي )
و هذا ثناءٌ إفشاؤه واجب ٌ، خاصة
وأن ( مهدي ) من فحول شعراء ( السودان ) و قد نظم أروع
الأشعار ، و منها رائعة الفنان
( زيدان إبراهيم ) ..
( جميلٌ ماسألناه ولكن هويناه
بديعٌ في تثنيه وديع حين تلقاه
عجيبٌ في معانيه إذا أدركت معناه ) ..
وكثيرون يسألونني عن ( هذا الشيء ) ،
ويُلِحُون في السؤال ..
و اليوم ..
في هذا الزمن الذي يلُفُه ( الجفاف ) و( التصحر ) العاطفي ، و الذي
أضحت فيه كثير من النفوس ، تسارع إلى الإفصاح والإعلان والتبرع ، بكل ما تطفح به ، من قبح وزيف وبهتان وشر مستطير ، فلا يجد المرء من سبيل أمامه ، غير أن يستعيذ برب الفلق
من شر ماخلق ، ملتمساً لنفسه قَبَسَاً في الأفق ، و عاصِماً يُنجي من الغرق ..
و اليوم ..
و أنا أجد فسحة من الوقت ، يعتادُني الحنين لذلك العهد الميمون ، و يلقاني من يدعونني إلى بسط ( هذا الشئ )
و إشهاره ، ولعل آخرهم من تَقَرُ به العين ويستدنيه الفؤاد ، الأديب بإمتياز ( عادل الباز ) ، و كنا يومها عُرضة لرذاذ المطر ، و مِلْأُ أبصارنا أسراب المِلاح ،
و رائحة ( قلْيَة البُنَّة ) تلفحُنا من كلِ ناحيةٍ ، في أديس أبابا ( الزهرة الجميلة ) ..
و ها أنذا أفعل ، وعلى تردد ، مخافة
أن يكون هذا الإندياح لا يُداني علياء هذا الإحساس النبيل ، وتصاريفه العجيبة ، و قد يُجافي ما يصدر عن النفوس ، من أشكال وألوان الإستجابة لهذا الطارق ، الذي يعتاد النفوس ويغشاها ..
لذا فليجد لي العذر ، من وجد في ( هذا الشيء ) محاولةً متواضعة ً ،
إن لم تكن فطيرة ، دونما يُحَس ويُكَابَد ، في مثل هذه الأحوال والأطوار ..
و سأُسَرُّ كثيرا و ينشرح صدري ، إذا صادف أحدُكم فيه مَلْمَحاً يُشْبه ما خالط أيامه وسني عمره ،، من لواعج ، ووشائج ، وذكريات جميله وحبيبة
إلى نفسه ..
و إن كنت أوقن أن الكثيرين سيجدونني أتحدث لغةً قد لا تصلح للتعاطي في يومنا هذا ، بعد أن طال عهد الناس ( بالرومانسية ) وانقطع ، وأَظَلَنا زمانُ الtake away ، أي أن تأخذ وتنصرف ،
و تعطي على قدر ماتأخذ ، بل و كلما وجدت طريقاً لكي تأخذ دون أن تعطي فافعل ولا تبالي ،
( اضرب و اهرب ) ..
ولا عزاء للقابضين على جمر الهوى ..
و ياترى ..
لو قُدر لي أن أستقبل من أمري مااستدبرت ، هل سأعَبِّرُ بهذا
الإطناب و الحماس والحرارة والعنفوان ؟..
و هل سأبدو و كأني أحلق دائما
صوب الأعلى ، بحثاً عن الأعز
و الأغلى ؟..
و هل سأغدو كما الشاعر ( جَمَّاع ) ،،
( حاسر الرأس عند كل جميل
مستشِّفاً من كل شيءٍ جمالا ؟) ..
و هل سيحاكي حالي ماذهب إليه
( ود الرضي ) ،،
( الناس همها العيشة وطعام ودَلَّقَنْ
و أنا مكتول هوى المن حور الجنان إتْنَقَنْ ) ..
أو ( صلاح أحمد ابراهيم ) ،،
( يا مرية
ليت لي أزميل فدياس وروحاً عبقرية
و أمامي تل مرمر
لنحتُّ الفتنة الهوجاء
في نفس مقاييسك تمثالاً مكبر ) ..
و هل سأُحَلِّق كما ( إسحق الحلنقي ) في( شال النوار ) ،،
( لو وشوش صوت الريح في الباب
يسبقنا الشوق قبل العينين ) ..
و هل سأبلغ ما بلغ (عبدالوهاب هلاوي) ،،
( أنا ياغرامي وصلت بيك
في الدنيا لي حد الغرام ) ..
و ما بلغ ( عبدالعال السيد ) ..
( إنت المهم و الناس جميع ما تهمني ) ..
أو (ابن زيدون) وهو يتوسل لولادة
بنت المستكفي ،،
بعد أن أضحى التنائي بديلاً للتداني
و ناب عن طيب اللقيا مُرُّ التجافي ..
أو إمام العاشقين (قيس بن الملوح) ،،
( ياربي لا تسلبني حبها أبداً
و يرحم الله عبداً قال : آمينا ) ..
و هل ..
و هل ..
أم أنني سآوِي إلى( النعمان على الله ) ،، ألتمس عنده الموقف الصواب :
( مابقدر أبوح
أنا ما داير أصرح
يمكن قول يروح
يمكن قول يجرح
يمكن شي يفوح
والناس ما بتريح )..
أو أنني سأرى في ذلك معتركاً ، لا يحسن بي أن أخوض فيه ، وأتمرغ
في رمضائه !!
أو أنني سأخلع على نفسي هالةً من الوقار الزائف ، تُصَوِّر لي الأمر وكأنه
هُراء ، وتلبيسُ إبليس !!
و هل كنت سأعتصم بالموقف ذاته ، متخذاً من تلك القناعة ، مَنْدُوحة
أو تَعِلَّة ، للتضحية برباط وثيق ، في سبيل الإبقاء على إحساس ، مهما
تَمَكَّن و تعمق ، قد يكون مصيره
يوماً إلى تلاشي وانحسار ..
و أي أرض ستُقِلُني ، و أي سماء ستُظِلُني ، و أنا أرى من أحببت ، قد
آل إلى غيري ،، لقمة سائغة و شراباً هنيئاً ، و حُضناً داني القطوف ..
أم..
و أم ..
الله أعلم !!!
لكن بقي أن أقول :
إن ( هذا الشيء ) أبعثه من جديد
كأول العهد به ..
بكل مواطن قوته و ضعفه ..
و هو ضعف قد يكون مرده إلى
أنني كتبته ، و هو أول تجربة لي مع الكتابة ، فكان القلمُ مضطرباً ،
و الإدراك قاصراً و العين عَاشيَةً ..
أسوقه بكل ما قارب منه الواقع ،
أو نأى عنه قليلاً ، متدثراً بأحلام
وردية ، تنسجها و تلوذ بها الأنفس
التي هدَّها الحرمان ، و يؤرقها الأمل فتلتمس عزاءها في تَخَيُّلات الشاعر ( فواز اللعبون ) ..
( و أظلُّ أرسمُ بالخيال عوالِمي
ما حيلةُ المُضطرِّ غيرُ خيالِهِ ) ..
و أرجو أن يكون قد أسعفني الخيال لمقاربة هذا الإحساس الجميل
و تصويره وسبر أغواره ..
و هي حيلة الفقير المُقِل ..
فدونكم هوَ ،، كما هوَ ،،
و العاقبة للعاشقين
و لكل من مسَّهُ الوَجْد
من الذين يوفون بالعهد
و يبذلون الود ..
و إلى ( هذا الشيء ) ..
أديس أبابا .. أكتوبر ٢٠٢٠
إهداء ..
إلى من أوحت إليَّ بهذه الأنفاس الدافئة..
و حركت فيَّ هذه المشاعر النبيلة ،
التي خفق لها قلبي ، وجرى بها قلمي ،
و جعلتني طوال هذا المشوار الخاشع ،
لا أحس بأني أكتب هذا الشيء ،
بل أن هذا الشئ هو الذي يكتبني ويمشي بي ..
و إلى كل من صادف فيها بعضاً مما يُكابد ..
و إلى كل من حَفَزَ وأعان على تكوينها ..
إلى كل هؤلاء وأولئك ،،
أزُفُ هذا المزيج من الوجع والمسرات ..
و أسوق هذا العُنْقُود النَضِيد ، من الود والإمتنان ..
و أهدي هذا الوليد المُرْهِق والمفرح،،
و الذي يصور بعض ماجادت به أيام
لا تحسب من العمر ،لأنها أروع و أنضر
و أبقى ..
و هي بالطبع حالة لا يُقاسُ عليها ..
و مخاضٌ لايَغْشى كل الأنفس ..
و تباريحٌ تخُصُ ولاتَعُم ..
و الله يتولى المحبين
( ١ )
أختي الحبيبة
إن الذي يسوق إليك هذا الكلام ، مثله مثل الكثيرين في بلادي ، جاء إلى الحياة في هدوء ..
لم يحس به أحد ، غير أُمٍ سَهِرَت عليه وهناً على وهن ..
و فيما بعد لم يُتعِب من حوله بكثير عناء ، و لم يُحْوِجهم إلى كثير احتفاء..
لم يكن يرهق نفسه بالتفكير في الغد،،
تدبيراً وحذراً واكتنازاً ..
و ما كان لِيَعنيه من الماضي ، إلا بقدر مايدعو إلى العظة والإعتبار ..
إنه ذلك الرجل الذي قيل فيه :
( لا يحبس حياته في الماضي ، بل يستغرقه الحاضر تماماً ..
عندما يعمل يعمل بجد و إخلاص ..
و عندما يحب يحب بعمق و قوة .. وعندما يتحدث مع أحد ، يُحسن الكلام ، ويستمتع بالحديث ..
و عندما يضحك ،، يضحك بحرارة و من الأعماق ..
و عندما يستهويه شيئ جميل ، ينظر إليه ملياً ويبتهج ..
يمسك بجمال اللحظة الراهنة ،، بحرص و ولع وشغف ) ..
و كان قدري دوماً أن أبحث عما لا أجد ،
و أحصل على مالا أبحث عنه ، والذي أحصل عليه لا يبقى طويلاً ..
هكذا وجدتني ..
و هكذا مضيت أطوي مراحل العمر ، واجتاز محطاته ، وأنا خالي الوفاض
مما يعجب به الناس ويباهون ..
( رَجُل من غِمار الموالي
فقير الأرومة والمنبت
فلا حسبي ينتمي للسماء
و لا رفعتني لها ثروتي ) ..
عمِلت كل ما أستطيع لأعيش مع نفسي في سلامٍ ، و أملؤها بالسلام ، إيماناً مني بأن السلام هو الذي يدفع إلى الإقتراب من الآخرين ، و التعرف عليهم ،
و كشف مكامن الخير في نفوسهم ..
و الآخرون يعنون لي ذلك النبع الرقراق ، الذي يُطَرِز الحياة بأروع صورها وأجمل معانيها ، إن الآخرين هم الذين يُعطون حياتنا معنىً ومغزى ، فكم تساوي المشاعر إن لم نصطفي من نبذلها له، كلمةً طيبةً ، و ابتسامة آسرةً ، و وداً موصولاً ، و إيثاراً عن طيب خاطر ، و وفاءً يدوم مع الأيام !!
( إننا نعيش لأنفسنا حياة مضاعفة ، حينما نعيش للآخرين ، و بقدر ما نضاعف إحساسنا بالآخرين ، نضاعف إحساسنا بحياتنا ، و نضاعف هذه الحياة ذاتها في النهاية ) ..
و يظل الإنسان ضعيفاً محدوداً بنفسه ، واسعاً ممتداً بأحبابه وذوي مودته ،،
ذلك أن كل وشيجة تربطنا بآخر ،
و تشدنا إليه هي ، إمتداد لنا و فوز مبين ،، لا تعدله كنوز الدنيا ..
و الحياة أشبه ماتكون بقطرة ندى ، على صفحة زهرة سرعان ماتتلاشى ،
و أيام العمر مهما طالت فهي قصيرة ، و هاربة ، يلزمنا أن ننفقها في التحبب إلى الآخرين ، و اكتساب صداقاتهم والإستمتاع بصحبتهم ..
فما أظلم الأيام بلاحبيب
و ما أقسى العمر بلا صديق
وما أوحش المسير وأمَرَّه بلا رفيق
فلا يستكْثِرنَّ أحدٌ أن يكون له
حبيب ، و حبيب ،
و صديق ، و صديق ،
و رفيق ، و رفيق ،
إن اتسع العمر ..
و إنه لشعور جميل ذلك الإحساس بالآخرين ،، بل هو أجمل ما تقوم عليه السموات السبع والأرضين ..
و لقد أنعم الله عليَّ بهذا السر العظيم ، فبدا لي ماتنطوي عليه النفس الإنسانية من رفعة وجمال ، و وقفت على حقيقة التكريم الذي قصد إليه المولى عز و جل في قوله : ( ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن
خلقنا تفضيلا ) صدق الله العظيم ..
و كان أن اهدى إليَّ هذا الإحساس ذوقاً
رفيعاً ، وقفت به على أجمل ماعند الناس ، و صيرني نفساً لاتني تنقب عن الجمال ،، ترتاد مرابعه وتغشى مراتعه ،،
و ما أكثرها وأخصبها ، لمن صوَّب إليها البصر ، و ألقى السمع ، و أرهف الفؤاد ..
إن الجمال هذا الرَوْح الزاكي المبثوث في الأنفس والآفاق نعمة لمن عرف
و أحس وذاق .. نعمة تعطر العمر وتمد في أيامه وتبارك ،،
و النفس التي تتشربه و تمتلئ به ،، تشف و تظرف و تلطف و تعطي أفضل ماعندها و تفيض على من حولها حباً و سلاماً ..
و أحسن القول في ذلك ما ذهب إليه ( التيجاني يوسف بشير ) ..
و عبدناك ياجمال وصغنا لك أنفاسنا
هياماً وحبا
و وهبنا لك الحياة وفجرنا ينابيعها
لعينيك قربى
و سمونا بكل مافيك من ضعف جميل
حتى استفاض وأربى ..
و أحْسَنُ الجمال الحُسْن ..
و قد أفاض الكثيرون و أسهبوا في تفصيل القول حوله ،، كمظهر من مظاهر الجمال ، التي تغمر الوجدان بمشاعر الإنتتشاء و الراحة والإشراق ..
و من ذلك ماثبت أن الله عز وجل ، لم يبعث نبياً إلا و هو جميل الصورة ، حسن الوجه ، حسن الصوت ..
و يروى عن السيدة عائشة قولها :
( يَؤمُّ القوم أقرؤهم لكتاب الله ، فإن كانوا في القراءة سواء فأصبحهم وجهاً ) ..
و كانت إمرأة تكثر من صلاة الليل ، فقيل لها في ذلك فقالت : ( إنها تُحَسِّن الوجه ، و أنا أحب أن يَحْسُن وجهي ) ..
و قالوا : ( اعتمد لحوئجك الصِباح الوجوه ، فإن حسن الصورة أول ما تتلقاك من الرجل ) ..
لذا فإنني أسعد ما أكون ،و قد وهبني الله نفساً مقيمة في حرم الجمال ،، نفساً موزعة المشاعر كلها أبداً عيون ،،
فجمال تستحسنه ، و آخر تعشقه ، وثالث تجن به جنوناً ،، الأمر الذي جعلني أطمع في أن يكون لي في كل كل أرض صبابة ، وفي كل بقعة غرام ، وفي كل قلب تذكار ..
و لا أخالني في ذلك فرداً غير مسبوق ولا ملحوق ،، فما من امرئ إلا و به مسٌّ من هذا الاحساس الراقي ،، يستوي في ذلك من هو في ريَّق الشباب ، و الذي بلغ أرذل العمر ،، الوقور والنزق ،، الوافر الوسامة والبالغ القبح ،، الغليظ الفظ واللين السهل ،، و حتى الأبله والأحمق والمعتوه ..
فمن لا يهتز يترنم ..
و من لا تستهويه أنثى بكل ما احتشد فيها من مظاهر السحر والغنج والدلال ،،تحركه مظاهر القوة والجلد ..
و من لا يطرب لصوت رخيم عذب المناجاة رقيق ،،لا يتماسك أمام سحر الكلام وفنونه …
( ٢ )
و أجد أن أكمل الجمال وأبهاه ، تلك الصلة اللطيفة الودود ، التي تنشأ بين اثنين فيصيران بها واحداً ..
إنه ذلك ( الشيء ) الشفيف الرقراق ،
الذي ما أن يُذكر ،، حتى تحس بأن نسمة عافية تسري في الأوصال ، و تأخذ طريقها لتتريث في صميم الفؤاد ..
و ذلك الرَوْح الذي يولد معنا ، ونكبر به ،،
و حتى اللحظة التي يقرع فيها الموت أبوابنا ، لا يستقبله أحدنا إلا و في نفسه نابتة منه أو بقية ..
و الاحساس الذي لا أروع و لا أحلى منه ، حين يلمس حتى أبسط الأشياء وأحقرها ، فيحيلها ذات بريق ومعنى ..
و هو ذلك الشعور الذي لا يَهاب أن يَُعرف و يُحس ، فهو مفضوح فوَّاح ،،
لا ينحبس ولا يتوارى ، مثل كل شعور صادق ، لا يخشى الظهور ولا يتهيب التعبير عنه ..
و هو ذلك السر الغريب ، الذي نرتد على يديه أطفالاً ،، نبتهج كما يبتهج الأطفال ، و نثور كما يثورون ،، و كذلك نهدأ ونرضى ..
و لما كان قد احتل في النفوس مكاناً
علياً ، فقد كثرت أسماؤه وتنوعت ،،
و هذا شأن كل عظيم ..
فهو الحب، و العلاقة ، و الهوى ، والصبوة، والصبابة ، والشغف ، والوجد ، و الكَلَف ، و العشق ، والجوى ، و الشجن ، و الخُلة ، والغرام ، و الهيام ، و الوله ،، و كل إسم ينطوي على قُرب وحميمية ..
و يسألونك عنه !!
و السائل عن ماهيته ، كمن يسأل عن
الحياة وسرها ..
و الحياة لا توصف ، و إنما تعاش ..
و كذلك ،، لا يعرف الحب إلا من يكابده ، و لا الصبابة إلا من يعانيها ..
إنه متعة لا يفسرها للنفس سوى
تكرارها ، و المزيد منها ..
و ما أدراك ما وقعه في النفوس !!
أن يحرك مشاعرك شيء يستعصي
على التفسير ،، فتحس أنك واسع سعة هذه السماء المتلألئة بالنجوم ،، ولا ينتابك كدر ولا يغشاك هم ،، وأنك أسعد من اظلت الخضراء و اقلت الغبراء ،، وكأنما حِيزَت لك الدنيا بأسرها و وضعوا في راحتيك الشمس والقمرا ..
و تبدو موطأ الأكناف ،دائم الإبتسام ، حلو الكلام ، تبدأ من عرفت و لم تعرف بالسلام ،،مَصُوغاً من التهذيب والتسامح والنبل والرقة والعطف والبراءة..
و تظل تسمو و ترقى وتعلو ، إلى آفاق
لا يُطار إليها على جناح ، و لا يسعى إليها على قدم ،، آفاق دقات القلب فيها هي المقياس الحقيقي للزمن ، و ليس الثواني و الساعات و الأيام و الشهور والسنين..
و من أعراضه إذا ما لصق بالأحشاء
وتمكن ،،
أن يريك ماتراه ، أروع و أجمل و أكبر ألف مرة ، مما يراه سائر الناس ،،
فيغطي وجه إنسان سائر الوجوه
الأخرى ،،هذا إن لم يخفي الوجود
بأكمله ..
و أذكر هنا أن عزة دخلت على عبدالملك بن مروان ، فقال لها : ( ياعزة ؛؛ والله ما أنتِ كما قال فيك كُثَير ) فقالت :
( أيها الأمير ،، إنه كان يرنو إلي بعينين ليستا في رأسك )..
و أن يغدو كل ماينسب إلى المحبوب محبوباً ، من أهل وأمكنة و أزمنة ،،
( فيا ساكني أكناف طيبة كلكم
إلى القلب من أجل الحبيب حبيب )..
وهوى كل نفس حيث حل حبيبها ..
وقول الآخر :
( أحب من الأسماء ماوافق اسمها
أو أشبهه أو كان منه مُدانِيا ) ..
وقد ذهب علي الجارم إلى ماهو أبعد
من ذلك :
( حتى يكاد يحب نخلُكِ نخلَ أهلي في رشيد ) ..
بل يتعداه إلى :
( و أُحِبُها وتحبني ويحب ناقتَها بعيري ) ..
و أن يتغاضى المحب عن عيوب المحبوب ،، إن لم تصبح تلك المثالب
عين الجمال والكمال ..
( ويقبح من سواكِ الفعل عندي
و تفعله فيحسن منكِ ذاكا ) ..
قال الأصمعي : سألني الرشيد عن حقيقة العشق فقلت : ( أن يكون البصل منها أطيب من المسك في غيرها ) ..
ومصداقاً لذلك نرى الكثيرين ، يستطيبون من أحبابهم ما يدعو التعقل إلى مجافاته والإعراض عنه ،، فحتى لو كان الحبيب قفراً خالياً من كل زينة وإشراق ،، يُرى كله أزهار وأطيار ..
والناس إذ يردون حوضه ،، كثيراً ما نجد
أن أصدقهم وأخلصهم من يملؤه وينقع غلته أقل القليل ،، من باب أن قليلك
لا يُقال له قليل ..
ويشهد بذلك ( جميل ) ..
( وإني لأرضى من بثينة بالذي ، لو
أبصره الواشي لقرت بلابله
بلا ، وبألا أستطيع ، وبالمنى ، وبالأمل
المرجو قد خاب آمله..
و بالنظرة العجلى ، وبالحول تنقصي أواخره لا نلتقي وأوائله )..
و الناس إذ يصدرون عن حوضه ،،
نجد طوائف قد سَمَت به ، ونزهته عن
كل مايشين ، وآخرين قد هبطوا به إلى أسفل سافلين ..
قيل لبعضهم ، وقد هوي جارية ، فطال
عشقه لها : ما أنت صانع لو ظفرت
بها ، ولا يراكما إلا الله ؟
قال : والله لا أفعل بها خالياً ، إلا ما أفعله بحضرة أهلها ،،حنين طويل ولحظ من بعيد ، وأترك ما يسخط الرب ، ويفسد الحب ..
وكان بعض المدنيين يقول :
( كان الرجل يحب الفتاة فيطوف بدارها حولاً ، يفرح أن يرى من يراها ، فإن ظفر منها بمجلس تشاكيا وتناشدا الأشعار ..
و اليوم ،، يُشير إليها وتشير إليه ، فيعدها
وتعده ، فإذا التقيا ، لم يشكوا حباً ، ولم يُنْشِدا شعراً ، وقام عليها ، وكأنه قدأشهد على نكاحها أبو هريرة ) ..
و من الناس من يضن به ، ويجعله في
المكان الأعز ، وهذا ما ذهب إليه
العباس بن الأحنف :
إن الهوى لو كان ينفذ فيه حكمي أو قضائي..
لطلبته وجمعته من كل أرض
أو سماء..
فقسمته بيني وبين حبيب نفسي بالسواء..
فنعيش ما عشنا على محض المودة
والصفاء..
حتى إذا متنا جميعاً والأمور إلى
فناء..
مات الهوى من بعدنا أو عاش في
أهل الوفاء …
( ٣ )
أختي الحبيبه ،،
إن احساساً بهذا السحر ، و بهذا العمق ،
كان لا بد أن ينال حظاً وافراً من التوقير وعلو القدر ،، لذا فلا غرو أن بالغ البعض في امتداحه والاحتفاء به والحض عليه حين زعموا ،، أن من لم يذق طعمه ، لم يذق طعم الحياة ..
و قالوا : لوكنت إنساناً فكن حباً..
وذهبوا إلى أن من لم يعشق ، فهو رديئ
التركيب ، جافي الطبع ، كزُّ المعاطف ..
و سئل أحدهم عن العشاق فقال : أشدهم حباً أعظمهم أجراً
و أضافوا : كل نفسٍ لم يشرق الحب
فيها ،،هي نفس لم تدر ما معناها ..
و أوقن أن ساعات العمر قصيرة ، لا تهبنا سوى أياماً قليلة للحب ، نخسر كثيراً إن تركنا لحظة تضيع من بين أيدينا لا نكون فيها عاشقين أو معشوقين..
و هذا ما أحسه يضيئ أعماقي ، ويتمشى في أوصالي ..
لقد ولدت أحمل روحاً ظامئةً إلى موارد
الود الرقيق ، و قلباً مسكوناً بالحب ،، لا يفتأ يخفق به و ينبض ، وكأن بن حزم يعنيني إذ يقول : ( أما أني أحب فنعم ،
و نعما ، بل أراه حباً فالقاً كبدي . و ليس يخلو فؤادي من سوالف حبٍ مضى ،
و أما أني استرذِل في الحب وامتهن فضيلتي ، و أنزل بها ، فلا وأبداً . ما
نسيت لي وداً قط ، و إن حنيني إلى
كل عهدٍ تقدم لي ، ليَغُصني بالماء ،
و يشرقني بالطعام . لقد بلغت من التمكن بمن أحب أبلغ الغايات التي
لا يجد الإنسان وراءها مرمى فما
وجدتني إلا مستزيداً . و لقد طال بي
ذلك فما أحسست بسآمةٍ ، و لا رهقتني
قترة ) ..
في كل مرة غشيني هذا الطارق ..
أحس أن عمراً جديداً قد بزغت أيامه ، وانبسطت بيض صحائفه ، لتسجل بأحرفٍ من نور ،،أجمل البدايات ، وأعذب الحكايات ، و أغرب النهايات ..
كل قصة تجسد حياة حافلةً مثيرةً ..
تبدو معها الحياة كأمتع ماتكون ، وأشهى ماتكون ، وأخصب ما تكون ..
وتمضي معها الأيام ،، و ما أروعها من
أيام ،، تمضي طافحةً بالنعيم ، عامرةً بالأنس ، مزدانة بالبهجة والسرور ،،
قصيرة كالأنفاس ، مبتهجة كأنها أعراس ،، فلا ملل ، و لا ضجر ، و لا ضيق ، ولا إنقباض ،، ولكن إنبساط ، وانطلاق ، و تمدد ، و اتساع ،، و أويقات تمر بي أقول فيها : ( لو أن في الناس جميعاً إنساناً واحداً سعيداً ،، لكنت ذلك الإنسان ) ..
و في كل مرةٍ ..
يتعاظم اكباري ، و يكبر اعزازي للمرأة ،،
منبع هذا الروح ،، الذي هو أفضل ما يمكن أن يجود به إنسانٌ على آخر ، لتكون به الحياة خصيبةً مضيئةً..
إنها المرأة المحبة المحبوبة ..
تلك التي تعطي الرجل ما نقص من معاني الحياة ، و تلد له المسرات من عواطفها كما تلد من أحشائها ..
و تهبه العطر ، و الظل ، و القوة ، والرجاء ، و ضوء العمر ..
و لئن بقي الحب جزء من حياة الرجل ،،
فهو كل حياة المرأة ،، فما أن يتغشاها ، حتى تعيشه بكل خلجاتها ، و تعتكف عليه بكل جوارحها ،، و تتخذه القبلة
والوسادة ..
وعلى قدر هذا الاستغراق و الامتلاء يأتي عطاؤها دافقاً موصولاً ،، يجسد معنى الوفاء و التضحية ، و هو ما تبذله عن رضى وطيب نفس ..
فهذا المخلوق الذي يتراءى ضعيفاً، هيِّناً، ليِّناً ، مغلوباً على أمره ،، بمقدوره أن يقيم الدنيا ولا يقعدها ،، ويُضرم في كل ناحيةٍ ناراً إذا ماحيل بينه وبين الذي يشتهي ..
إنها المرأة ، التي هي على استعداد لأن تدفع عمرها ، وأعز ما ملكت يداها ، كي تفوز بمن أحبت ..
تحتقر كل نعيمٍ ،، الأهل ، والمال ، والسلطان ،، لتنعم بثمار غرامٍ طاغٍ ، وحبٍ عاصف ..
تصغر الحياة ، وتتضاءل أمام ناظريها ،
إلا من حقيقةٍ واحدةٍ ، تتمثل في إنسانٍ محبوب ..
يسهل عليها ، و يلذ لها ،، أن تُعصر ، وتُطحن ، و تُعجن ، فلا تلين أو تشتكي ، في سبيل أن تمنحنا القوة واليقين ..
مثلها في ذلك كمثل الأرض الطيبة ،، يطؤها البر والفاجر ..
و الغيث العميم ،، يسقي من يستحق والذي لا يستحق ..
و الشمس المشرقة ،، تبعث بضوئها للمبصر والأعشى ..
إنها وردة ، تمنح طيبها حتى لسارقها ..
و هي تجسد ما ذهب إليه ( سميح القاسم ) :
( عنيد أنا كالصخور إذا حاولوا عصرها وقاسٍ أنا كالنسور إذا حاولوا قهرها
و صلب أنا كالجسور إذا أثقلوا ظهرها
و لكني طيب كالسنابل إذا نشدوا خيرها
و سمح أنا كالخمائل لو أتعبوا زهرها ) ..
و إن بدا للبعض منها غير ذلك ..
فإن النساء كأشجارٍ خلقن لنا
فيها المِرار وبعض المرِ مأكول
و أنا منذ أن صرت أميز بين الأسود والأبيض ، فيما ينعقد بين الناس ،،
و جدتني أعالج قناعة ظلت تكبر معي
و تتعمق ،، وهي أن المرأة كالزهرة ،،
لاتزال ناضرة ما قَنِع رائيها بمنظرها وأريجها ،، فإذا تجاوز ذلك إلى امتهانها والعبث بها ،، ذوت وذهب رواؤها ..
( ٤ )
أختي الحبيبة ..
و صدري يضيق بهذه المشاعر ، التي قصصت عليك طرفاً منها ..
تسوقني إليك ِ خُطايَّ ،، لنلتقي على قدَر،،
إذ لا يولد اثنان على قدَرٍ إلا التقيا ..
فكما يلتقي الدربان في جوف الصحراء،،
و يلتقي العشب بين مفاصل الصخر ،،
التقينا ، غريبين يوماً..
على أمل أن نبقى رفيقين دوماً..
و ها أنذا ياسيدة النساء أقف ببابك ..
( لأضع بين يديك ..
كل عذابي وأوهامي ، وضياعي في هذا العالم ..
أضع بين يديك ،، روحاً كاللهب ..
تحب حتى تأكل نفسها وتذوب ..
و تثور حتى تفيض ، فلا يسعها إطار ..
هي اللحظة التي لا أشتري بها ألف عام ..
اللحظة التي باع فيها العاشقون ملوك الأرض وحكامها وأمراءها ) ..
بين يديك ..
أولد كل ساعة ميلاداً جديداً ،، تستحيل معه الحياة من حولي نعيماً وملكاً كبيراً،، و تغشاني المنى ،، ضروباً وألواناً وأفانيناً .،،وتتلاشى في خاطري المسافات والأزمان ، لأن الأرواح لا تعرف مع أحبابها مسافاتٍ وأزماناً تطول وتقصر ..
بين يديك ..
تكبر أحلامي ، و تطول قامتي ، و تخضر أمام عينيَّ الدُنا ،، فأصبح كالفراشة الهائمة في الحقول ، تطوف بالزهر ، وترف على الماء ، وتخفق للعشب ، وتسقط على النور ..
بين يديك ..
تكتسب المعاني مذاقاً حُلواً،، فأن تعطي أحب من أن تأخذ ،، ذلك أنني
في كل مرةٍ أعطيتُكِ ، أحس بأن متعتي بما أعطيت ، تفوق ألف مرة ، ماكنت سأجده ، لو أخذت الذي أعطيته ، أضعافاً مضاعفة ً..
و أنا هنا أعطي نفسي ، و ليس أعزّ من النفس وأغلى ، ،
و أصدق الحب ، و أخلصه أن يهب المرءُ
نفسه لآخر ، إذ لا تستقيم المحبة بين اثنين حتى يقول أحدهما للآخر :
يا أنا ..
و في ظِلُكِ الوارف الحفيِّ ، سعدت أيما سعادة ،،
و حُق لي أن أسعد وأهنأ واستريح ،،
فأيُّ سعادة وهناء وراحة تلك التي تسكبين !!
فما أن ينتهي نظري منكِ إلى رُتبٍ في الحسن إلا وتلوح فوقها رُتبٌ..
و أي متعة تغمرني ، وأنا أجلس لأحتسي أقداراً من الضياء المُسكر ، من هذا
الوجه الذي يغتسل بالنور ويضيئ ،،
إنه وجه مسفر ، ما تأملته إلا وطالعت
فيه باقة من نجوم العَشي ، وقمراً
يُضيئ و ألف شمسٍ تطلع ..
و أي احساس بالغبطة والنشوة والامتلاء ، يجتاحني وأنتِ تنظرين وتبسمين وتقولين !!
إبتسامات ذوبها من رحيق الشوق ،
ومِزاجها من تسنيم الوِداد ..
و نظراتٌ ،، هي الغيث يسقي المنازل والحقولا ..
و قولٌ ،، يحكي بوح الزنابق والورود
إلى النُسيمات الرقاق ..
فأيُّ سحرٍ هذا الذي رماني به هواك !!
و أيُّ بهاءٍ لم يُشاهد مثله !!
و أيُّ نَضَارٍ
و أيُّ سنىً
و أيُّ سناءٍ
و أيُّ رواءٍ
و أيُّ …..
( ٥ )
أختي الحبيبة …
و أنا أسبح في تلك الآفاق الرحيبة ..
تنزلت عليّ حروف رسالتك ، كالشذا
يشي بسره الجميل ..
جاءت تلمع كابتسامة ، و تترقرق كدمعة فرح ،، في حرارة القُبل وصدق المناجاة ، و تصاعد بخور المجامِر ،،،
فعراني لوقعها ارتعاش وانتفاض ،
كالأرض الظامئة ، بللها القطر فاهتزت
و رَبَت ..
إنها أحرف تحمل من المعاني ، ما ينفد العمر دون أن ينفد ماتسكبه في الفؤاد من معزة وحياة ..
لذا لن أنفك أتلو وأعيد كلماتها …
( أيها العزيز الغالي ..
إن زماناً جاد بك لسخي ، جَزِل العطاء ..
فقبل أن ألقاك كنت ..
مِزقاً من ذكريات ، و كؤوساً من جراحاتٍ مذابة ..
فقد انطفأت فيَّ الأماني ، و فارقني
التوَهُجُ و الصحو ..
و عدت لا أرى في الناس إلا ظلوماً
منتقماً جبارا ..
حتى طَلَعتَ ..
فكُلُ قفْرٍ في حياتى أضحى روضةً ،،
سلمت يداك ، و كلُ أفقٍ مطلع ..
و هاأنذا أجد فيك أشواق الروح ، ويستيقظ فيَّ الغرام الذي استوطنني من قديم ،، فأَبِيِتُ و كلي لهفة إليك ،
و إقبالٌ عليك ، و شَغَفٌ بك ،،
فما من نهارٍ أمضيه ، أو ليلة أقضيها ، دون أن تقر عيني برؤيتك، إلا و نهاري قمطرير و ليلتي درعاء ..
و يحاكي حالي ..
(قلبي يقاسي عليك الهم والفكرا
إن غبت لم أجد إنساناً يؤانسني
و إن حضرت فكل الناس قد حضرا ) ..
و دعني أهتف وأنادي ..
أُرِيدُكَ ..
أريدك أنت ،، و ليس سواك ..
أريد لك أن ترشف كل هذا الرحيق المعتق ..
و أن تستمتع بكل هذه العذوبة..
و أن تنعم بكل هذه النداوة النقية المعسولة ..
و عندها ستكون قد أهديت لي ،،
أقصى الراحة ،
وأقصى الإطمئنان ،
وأقصى مايطمح إليه إنسان ..
فهلا أقبلت !!
لنبدأ المشوار ،
هلَّا أقبلت !! )
يا الله ..
ما أسعدني بهذه الأنفاس الحرَّى ، المشبوبة ..
و ما أندى فؤادي بهذا الرجاء الضارع ،
و الذي مشى بي في أودية من الحبور والابتهاج ..
و أي فرحة تضاهي فرحتي بهذا الاختيار،
و الذي هو أَجَل موقعاً عندي من كل رغيبة ..
فالمعهود أن الرجل هو الذي يختار امرأته ،، أما تختار هي رجلا لها ، وتبدي له بحرارة ما تطوي عليه ضلوعها ، بعد أن استوطنها ،، فهذه لعمري منزلة لا يُلَقَاها إلا ذو حظ عظيم ..
فيا أيتها الأقرب إليَّ من نفسي ..
إن الذي تنشدين مما يطيب ويهون ..
و ليس كل طيب هين ،، يلزم فعله ،
و يندب التعجيل به …
ذلك أن البعض ، وأنا منهم ، كثيراً ما يستبدلون الحَسَن بالذي هو أحسن ،
و يضحون بالجميل الوافي في سبيل الأجمل والأوفى ،، و يطلبون الباذخ
العصي و إن كان يعز على من رامه ويتأبى ، بدلا عن السهل المتاح ..
و لِأُقرِّبَ لك الصورة أكثر ، فإنني قد وطنت أشواقي ورغائبي على ماهو أرضى لي وأبقى ..
فدعيني أحدثك عما يتردد في نفسي
من قناعة عن الوثاق الذي تُؤمِلين ،
و الذي هو بالطبع أقدس ما يربط
بين اثنين بطوعهما و اختيارهما ،
و ليس ذلك الذي ينشأ عن إكراه ومصادفة ، فدعيني أقول :
يولد كل امرئٍ و قد كُتِب في اللوح المحفوظ نصيبه المفروض بحسبانه أمراً كان مفعولا ، رغم السعي المحموم و البحث والتقصي ..
و هو أمرُ تختلف إزاءه المقاصد وتتباين السبل ..
و بالنظر إلى الرجل الذي يبوء بكبر
المسعى ،، نجد أن هناك من يرمي من وراء ذلك إلى الاقتران بإمرأة يكمل بها الدين ، و يسكُن إليها ..
و آخر يبتغي البنون ،،زينة الحياة الدنيا..
و ثالث ، كل همه أن يطأ ،، شهوة ومتاعاً ..
و رابع ، يُقْدِمُ عليه ، وقد مَلَّ حديث الناس والسؤال : إنت لِسَه !! و ماذا تنتظر وقد كِدْتَ تَبُور ، وتحُور رماداً بعد إذْ أنت ساطع !!
و تجد من يأتيه لمجرد أن العادة قد
جرت بذلك ، و وجد أباءه على سنة
و هو على آثارهم يسير ..
و هناك من حببه إليه حبيبٌ إفتتن به ، و هامت به الروح ..
و هلمَّ جَرَّا ..
( ٦ )
و مهما تباينت المقاصد ، يبقى الطريق ، إلى الزواج محفوفاً ببيض الأماني ، و يبقى الخيال به متوهجاً بأنضر الآمال ، و مزداناً بأنصع الصور و أبهاها ..
و يظل كل رجلٍ ينشد ليلاه ، التي تتراءى له وتحوم حوله ..
فهذا ( كمال ) يُمنِّي نفسه بمثل بقرة
بني إسرائيل ،، صفراءُ فاقعٌ لونها تسر
الناظرين ..
و ( محمود ) يشتهي الودود الولود ،
تلك التي تُدْفئ الضجيع ، وتشبع
الرضيع ..
و ( خالد ) يريدها سريعة الإستجابة
لكل نداء وطلب ، كأوتار العود المشدود ، يعزف ألحانه عند كل لمسة ريشة وأصبع ..
و ( أبو القاسم ) هواه في ذات قوام ينطق بالألحان في كل وقفة وقُعُود ..
وهكذا ..
و قديماً قال خالد بن صفوان :
( حسبي من جمالها أن تكون ضخمة من بعيد ،، مليحة من قريب ..
وقال آخر لصاحب له :
( دلني على امرأة ، بيضاء البياض ، سوداء السواد ، طويلة الطول ، قصيرة القصر .. يريد كل شيئ فيها أبيض فهو شديد البياض ، و كل شيئ فيها أسود فهو شديد السواد ..
و يحكى أن أحمد بن حنبل إختار عوراء على أختها ، وكانت أختها جميلة ، فسأل عن أعقلهما !! فقيل العوراء ، فقال زوجوني إياها ..
و هناك من يبتغيها عاملة ناصبة ..
و غيره يشترطها قاعدة عاطلة ..
و هناك من يريد إمرأة والسلام ..
و كثيرون تعجبهم المرأة القوية ولكن يهابونها و لا يقربونها ..
وهكذا دواليك ..
و لكل زمان مقاييسه للجمال ..
فقد تصرمت أيام كانت المرغوبة تلك المِكْسال ، نؤوم الضحى ، التي تنوء بحمل ثقيل ..
و جاء زمان رفع من شأن الرشيقة الأنيقة ، التي تمس الأرض مسَّاً ، أو تلك المِطواع التي إذا ما غمزوها بالأكف تلين ..
و إن للرجال فيما فيما يعشقون ويهوون مذاهب ..
فعلى قدر اختلاف أمزجتهم وأهوائهم و أذواقهم ، تتباين مطالبهم في المرأة و تتناقض ،، الأمر الذي يجعل كل واحد منهم ، يعكف على جانب بحسبانه أجمل مايشتهى ويلذ ،، فإن لم يدركه فقد فاته من مباهج الحياة الدنيا قدر عظيم ..
و تبقى النساء في خيال الرجال ، مثل المائدة العامرة ،، تختلف فيها مذاقات الطعام ، تبعاً لإختلاف شهية الآكلين و رغباتهم ..
إنه ما من رجلٍ ، إلا و ينتجع الجمال ، ويستقصي المرأة الجميلة ، ،
ولكل في ذلك ، مبتغاه ومذهبه ..
و أرى ، كما الكثيرون ، أن الجمال ، ليس كما يتوهم البعض ،، وقفاً على صورة اللحم واللون والقوام ..
و إن كان ذلك مما يستظرف ويستطاب ..
ولكن أنفع الجمال وأحسنه ذلك الذي تفيض به الروح ،،ليجسد عطاء النفوس الراضية ، والقلوب المُحِبة ..
و يقيني أنه مامن امرأة إلا و قد أفاء الله عليها بنصيب من الجمال ، و وسمها بميسمه ..
أي لكلٍ جمالها ، و نكهتها ، وطعمها ، ولونها، وإيحاؤها ..
و بنفس القدر، فإن لكلٍ مما يُسْتَقبح و يسوء ،، ذلك أن الله أعدل بعباده ، فلا يَهَبُ الجمالَ كلَه مجتمعاً ، و لا يهب القُبحَ كله مجتمعاً ….
و لكنه يعطي ويأخذ ..
و يزيد هنا ، ويُنقص هناك ..
( ٧ )
أختي الحبيبة ..
إن المرأة وهي تُمَني نفسها بغدٍ ممرعٍ مأنوس ، ملؤه الجَذَل والاستبشار والارتياح ،، لا تفتأ هي الأخرى ، تنسج الأماني وتزحم الخيال بصورٍ موشاةٍ بأزهى ماتشتهي الأنفس وتلذ الأعين ، لشريك الحياة ورفيق العمر ..
و كالرجال تماماً نجد النساء ،، تتوزعهن الرغائب و تتشعب بهن دروب الأماني الوِضاء ..
فهذه يأسرها القوي الأمين ..
و تلك تطمع في ذي الجاه والمكانة ..
و ثالثة يستهويها الوسيم القسيم ..
و من تشتهيه كسوباً إذا غدا ضحوكاً
إذا وافى ..
و قلة يعجبها الطري الناعم ..
و سجل الحياة حافل بالمواقف التي تَنُم عن مزاج النساء ،، و ما يروق لهن و مالا يروق ،، وكيف يحرصن على انتقاء الرجال كما ينتقي أحدنا أطايب الأشياء ،، وكيف أنها عندما تصادف من يستهويها ، لا تفكر في خيارٍ ثالث ، فأما
هوَ ،،أو هوَ ،، لا قبله ولا بعده ..
و قصة إبنة شعيب ، عليه السلام ،
تقف أقوى شاهد ،، لقد ساق الله
إليها و أختها موسى عليه السلام ،
على حين حاجةٍ واستضعاف ،
فوجدت فيه فوق ماكانت تروم
و تؤَّمِل ،، من قوة و نجدة
و مروءة و أمانة ،، الأمر الذي حرَّك
فيها ماسكن ، فعادت إليه على استحياء لتحمل إليه دعوة أبيها ، لِيَجْزِيه أجر ماسقى لهما ،
و هي الباعث على هذه الدعوة والمُحرك ..
و نكاد نلمس ونحس ، ماكانت تختزن تلك الفتاة الحَيِيَّه من اللهفة المستجيشة ، و الميل العاصف ،
و هي تتوسل إلى أبيها في أدب جَمٍ
و ضراعة نظيفة : ( يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين ) ..
و لنقف عند امرأة العزيز و قد ساق الله إليها يوسف عليه السلام ، فشغفها حباً ، و أذابها وجداً ، فوقعت تحت أقدامه صريعة أعنف نوبات الانجذاب والانبهار ..
إننا أمام مشهد يحتشد بالانفعال الجامح ، حد الجنون ، و امرأة العزيز تعربد في هياج و انفلات ،، تغلق الأبواب و توصد النوافذ و تصرخ : (هيت لك ) ..
أي ،، هلُمَّ ، تعال ، و أقْبْل ،، و قد هيَّأتُ لك وتَهَيَّأت ..
و لا تستجيب لِتَأبِيِه وممانعته ، حتى يستبقان الباب و هي ممسكة بقميصه ، و تمزقه من دبرٍ ، لتقيم بذلك البينة على اعتدائها وطغيانها ، وهي غير آبهة ولا مكترثة ..
إنه أمر مستفز ومُسْتَهْجَن ، ممن هو
في مكانتها ، و لكن ما حيلة المسكينة ، أمام يوسف عليه السلام و قد أُعْطي من الحسن مالا يَقْدِر أحدٌ على وصفه !!
إنه سلوكٌ أجد له ألفَ مبررٍ ..
و نمضي أبعد من ذلك مع النسوة اللائي سخرن منها ، و ضحكن عليها ، و استغربن أن يصدر هذا المسلك المشين من إمرأة العزيز ،، فأعدت لهن متكأً ، و آتت كل واحدة منهن سكيناً ، إمعاناً في الإنتقام و التشفي ..
و نادت على يوسف ،، فما أن رَأيْنَه
حتى أكْبَرنَه ، و رُحْنَّ في سكرة و غيبوبة ، وأنشأن يُلاحِقْنَه بنظراتٍ لا تَحيد ، غير عابئاتٍ ، و هن يقطعن أيديهن ، الأمر الذي أذهب غيظ امرأة العزيز ، و سرَّى عنها ، بعدما استبان لصويحباتها ، أن
لا كبير أمام سلطان الجمال و طغيانه ، لتتنفس الصعداء ، و هي تقول :
( ذلك الذي لُمْتُنَنِي فيه )
و على النقيض تحضرني قصة تلك المرأة التي جاءت إلى الرسول ( ص ) ،،
طالبة الطلاق من زوجها ، متعللة بأنها قد رأته وقد قدم مع جماعة ، فإذا هو أقصرهم وأشدهم سواداً ، فما كان منه ( صلى الله عليه وسلم ) ، إلا أن أقرها على ذلك ، بعد أن أبدت إستعدادها لرد الحديقة التي أعطاها لها ، وإن شاء زادته ..
و كان ذو الرمة يشبب ( بمي ) ،
و كانت من أجمل النساء ، و لم تره قط ، فجعلت لله عليها نذراً ، حين تراه ،،فلما رأته ، رأت رجلاً دميماً فقالت : واسوأتاه !! وابؤساه !!
و لم يشفع له عندها ويقربها إليه ،
ما قال فيها من شعر سارت به
الرُكبان ، الأمر الذي أغضبه فأنشد :
( على وجه ( مي )مسحة من جمال
وتحت الثياب الشين بادياً
ألم تر أن الماء يَخْبُث طعمه
وإن كان لون الماء أبيض صافيا ) ..
( ٨ )
أختي الحبيبة ..
أعود فأقول إن أكثرنا معشر الرجال ، يحلم بامرأته ،، زهرةً تعيش موسم اللقاح ،، غايةً في الملاحة ، و غايةً في الظرف ، و غايةً في الانقياد ..
و هن يتمنين أن تُسعفهن الأيام ،، بمن
اخضر عودُه ، و طال عمودُه ، و أينعت له ثِمار الحياة ،من قوتٍ مُسْتلذٍ ،
و مِهادٍ مُستَطاب ، و جاه عريض ..
و يمضي كل واحد وهو يحلم بالآخر ،، الذي ينعم في ظله بحياة زوجية سعيدة ، و السعادة التي نتصورها ونتشوق إليها ،، هي عشة هانئة ،
تتسع لاثنين تشابكت أقدارهما أبداً ،
و هي عالمٌ زاهٍ مُونِق ومورِق ، لا يبرح
فيه المرء بين قرة عين ، وقرارة نفس ،
و هي جنة مخضرة ظليلة ، لا شمسٌ فيها ولا زمهرير ..
و هي حديثٌ منغومٌ ،،لا لغوٌ فيه
و لاتأثيم ، يعكس نثار قلوبٍ نقيةٍ
و ضمائر بيضاء ..
إنها حياة يرتحل معها الهم ..
و ترفرف الأفراح فوق رؤوسنا أنَّى نسير ..
و هكذا تروح عيون الخيال،، تسرح ،
و تُنقِب ،حتى يقع الزواج ..
و يأتي الزواج عبر طرائق قِددا ،
و سبلٍ شتى ..
و كثيراً ما يقع مصادفة بلا تدبير ..
مرة يُوافي سهلاً ميسوراً هيِّنا..
و تارة يولد على مَحَِك الشدة ،، بعد كفاحٍ ومجاهدة ..
وهو في كلٍ لا يعدو أن يكون ،، قدراً مسطوراً ، وكتابا مَوقُوتاً ..
فكما أننا لم نُمَكَّن من اختيار أمهاتنا وآبائنا .. و أن الله يَهَبُ لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء ذُكورا ، ويجعل من يشاء عقيمًا ..
فقد كُتِب في اللوح المحفوظ ،
أن فُلانا لفُلانة ، و قُضِيَّ الأمر بذلك ،،
و إن بدا للعَيان غير ذلك ، من مساعٍ حثيثة ، وأُناسٍ يذهبون ويَجِيِئون ..
إننا بكل تأكيد ،، لا نعرف ولا نستطيع
أن نحدد ،، من ، و متى ، و كيف !!
إن هذا مما تجري به المقادير ..
و لو استعرضنا عددا من الزيجات التي انعقدت ، أو تلك المساعي التي أخفقت ، لتبين لنا كيف أن هذا الأمر قد قُضِيَّ على نحوٍ محتوم ..
لا يُعَجِل به ،، حِرصٌ و تعلق ، وموافقة..
و لا يَصْرِفه ،، تفريطٌ ، وتراخٍ ، وممانعة ..
و هاكِ جانباً مما يُعَضِّد الذي ذهبت إليه ..
فكم من اثنين وجدا الطريق إليه
سالكاً ميسوراً ،، فتروجا من غير سعيٍ
أو مشقة ، و كأن كل طرف قد وجد خطاه تقوده نحو الآخر ..
و كم من اثنين استوفيا كل دواعي الإرتباط وموجبات الإقتران،، من قَبُول وانسجام وإرادة ، فما أن أصبحا أدنى
من قاب قوسين ، حتى حيل بينهما وبين و ما يشتهيان ، فسار في طرق وسارت في طريق ، جريحين ،
لا نفسه إلى قرار ولا نفسها إلى استقرار ..
و هناك من لم يرها إلا عند إتمام ( المراسم )،،فمنهم واصل المسير ، ومنهم من تولى يوم الزحف ..
و يملؤني الإعجاب والتقدير لذلك
الصديق الذي وفَّى ..
لقد تعلق بزميلة الدراسة ،، كأشد
مايكون التعلق ، وسعى لأن يبني بها
كأشد مايكون السعي . و كان في كل مرة يصطدم برفض أهلها ، الذين
أرادوا أن يستأثروا بها لقريب ،
و حرِصوا على أن لا ينالها غريب ،
إلا أنه لم ييأس ، و ما فتر عزمه ،
و مضى يبذل المحاولة تلو الأخرى ،، ماترك سبيلا يُدْنِيهِ من مَرْضاتِ
أهلها إلا سلكه ، و لا ذي قُرْبى
إلا توسل به إليهم ، فلما خشِيِّتُ
عليه أن يَهْلَكَ دونها ، قلت له يوماً :
( إِلامَ !! إلامَ !! لقد أخلصت وأبليت ،،
و في جُموع النساء عِوَضٌ ، وألف عوض ، و ليس فيك مايقدح أو يُشِين ،
فإذا ما انسد عنك باب دون أُنثى ،،
فدعه لأخرى ، ينفتح لك بابُها ) ..
فكان مما قاله لي :
( يعيش طويلاً ذلك الغرس الذي
لاترى بذرته النور قبل أن تشق في الإرض طريقاً صعباً ، و ثق أن من لم تكن له بداية محرقة فلن تكون نهايته مشرقة . وإني لأرى في ( م ) ، فجراً يلوح وراء ليلٍ طويل ، لا بد أن أصابر حتى يُسفر ) ..
و كان أن تحقق لصاحبي ماكابد من
أجله،، فانقاد له ما صعُب من الأمر ،
وأمْكنَ ما امتنع ، وسهُل ماتوَعَّر ..
و تم الزواج ..
و على النقيض تحيا في ذاكرتي حكاية
( س ) ، تلك الفتاة الساذجة الحلوة
اللعوب ،، التي تهيَّمها حب ( ع ) ،
فأقبلت عليه بشغفٍ وجنون ،،
موقنة كل اليقين ، أنه نصيبها المقسوم ، و حظها الذي لن يحرمها ،
منه ، لا المستحيل و لا كف القدر .
و كانت تبدي من التعلق به ،
و الإنكباب عليه ، و التهافت نحوه ،
مما جعلني أشفق عليها ، لاقتناعي
أن تهافت المرأة يصد من إقبال الرجل ،، و إن كانت النساء يجدن
في ذلك ما يشبع غرورهن ..
لقد بذَلتُ لها النصح بأن تتجمل ..
رجوتها أن توغل برفق لأن المُنْبَتَّ ،
لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى ، و قد
يفْرُطُ الحبُ حتى يقتل ، و….. ، و……،
فما زادها نصحي إلا تمادياً واندفاعاً ،، حتى وقع مالم تكن تحسب له حساباً ،،
لقد أدار لها ظهره ، واستبدلها بصديقتها ، كما يستبدل المرء ثوباً
خلِقاً بآخر ،، و عادت المسكينة كما يعود طالب اللؤلؤ في الصحراء ،، صفر
اليدين ، مجهود البدن ، كسير النفس ،
خائب الرجاء ..
( ٩ )
و كم هو قاسٍ ومؤلم أن يتخيرَ المرءُ أحداً لعطاياه ،، فيُغْدِق عليه بلا حساب ، و ينزله أرفع مكانة ، فيفاجأ أن
أن من اصطفى ليس جديراً بتلك العطايا ، ليقعد ملوماً محسوراً ..
و تعالي أحدثك عني ..
لقد تفتحت عيناي على فتاةٍ ،
إستوطنت قلبي ، و نفثت في رَوْعِي شيئا هو السحر بعينه ،، مما جعلني أُوُقِنُ أني قد وجدتها .. وجدتها .. وجدتها ..
إنها ذات الملامح المنتصبة في الخيال ،، كل مافيها يناديني أن أقبل!! وجهُها المستدير الممتلئ ،
و شعرها المهدل المتماوج المنساب ،
و قوامها المنسق المُتَسِق ، الذي ينطق بالنضج والفتنة ، و ابتسامتها الساطعة كما النهار ، و صوتها الهامس الذي يحكي نغماتٍ جَذْلى تتسلل من ناي بعيد ..
و طَفِقْت أُقيم لها الممالك في فؤادي ..
وأُحَدِث عنها من عرفت ، ومن لا أعرف ..
و اندفعت أْسْرِج مصابيح الأماني ، وأهنئ نفسي ببلوغ مرادها ..
و أقبلت عليَّ ،،تطارحني الغرام ، وتبادلني الوداد ، و تغريني بالذرى الشم .
و بقينا على هذا الحال زماناً ..
و هو حال لم يدم طويلاً ..
كانت منتشية بخمر شبابها ، ولاهية ..
فغدت موردا كثير الزحام ..
كنت أحسبني واحدها ، فإذا المُشْرِكون بها كُثُر ..
و هاهي أنى تلفتت ، وجدت عينا في هواها غارقةً ، و قلباً بها صبَّاً متيماً ..
و أصبحت كل يوم هي في شأن ، ومُتَقَلَب ..
و كان أن استقرت في ملك رجلٍ وجد فيها مُشْرَعاً مُتاحاً فورد ، و مَرْكِباً ذَلولاً فرَكِب ، و مجَسَّا لينا فجسّ ..
و مضيت ولسانُ حالي ..
فيا لك من بحر ٍلم أجد فيه مَشْرباً
على أن غيري واجدٌ فيه مَسْبحا ..
و أقسمت بعدها ..
( أن لا يراني الله أرعى روضةًً
سهلة الأكنافِ من شاء رعاها )..
( ١٠ )
أختي الحبيبة ..
و على أيِّ نحوٍ كان ينعقد الزواج ،
فيُكرَم به المرء أو يُهان ..
و إن النفوس إذْ تُقْبِلُ عليه ،، بكل
اللهفة و الغبطة وعِراضِ الآمال ،
تجد مصيرها بين يديه تتوزعه سبلٌ شتى ..
ثُلَةٌ تجد فيه فوق ماكانت تُؤمِّل وترجو ،، من نعيم لم يخطر على
قلب بشر ، و أُنسٍ لم تُحَدِّث به
نفس ، و راحة لم تخطر ببال .
و مع مرور الليالي ،،تُخَيِم الإلفه ،
و يحل التعود، فيُصبح الذي يَشُد الإثنين إلى بعضهما ،، هو العشرة ،
و مقتضيات القيام بما يُوجِبُه
المصير المشترك ..
و هذا مايقول به العقل ، وتُقِرُه
الفطرة السليمة ..
إنها صلة من فصيلة الأبوة و الأمومة والبنوة و الأخوة ،، و هي عاطفة نبيلة سامية ،، و لكنها ليست في حلاوة
ذلك الشيء ..
و لا في وَهَجِه ..
و لا في دفئه..
و هناك من يُقبل عليه ، و هو عنده كطعم العيد في خيال الصغار ..
و أجمل مافي العيد ،، ترقبه و انتظاره ، و التهيؤ لاستقباله بأرق المشاعر
و أطعم الكلام و أبهى الحلل ..
فما أن يُوافي حتى يثور ألف سؤال !!
أهذا هو العيد الذي طالما انتظرنا ؟
إذن فأين عرائس المنى
و أين .. أين البشر والطرب ؟؟
و كحال الصائم ،، الذي يستعجل غروب
الشمس ،،
يقضي سحابة نهاره ،، يَدَّخِر أطيب
الطعام ، و ألذ الشراب ،، في شَرَهٍ ونَهَمٍ يزُينان له أنه سيأتي على كل ماجمع ،،
دون أن يشبع أو يرتوي ..
و ما أن يُمَّكن من ذلك ، عند الغروب ،،
حتى يكتفي بأقل القليل . و يصبح
مجرد ذكر الطعام ، مما يبعث على الضيق والانقباض ..
و كحال الغريب النازح ،، يلُفُه ليلُ الغربة الكالح ، فيجد أقصى الحيلة في الفزع إلى أحلام الرُجًعى ،، يُناغِيِها ويُضاجعها ..
إنه ما أن يستلقي على فراشه و يغمض عينيه ،، حتى تتراءى له صور من مشاهد الحفاوة و الترحاب تظله
لحظة قدومه ..
و كم تكون فرحته عظيمة و هو ينتقل
من حضن لآخر ،، يقبل ذا الجدار وذا الجدار ..
يعاود الأهل و الأحباب و الأصحاب ..
فما أن تتحقق له العودة ، و يمكث
أياماً معدودات حتى يلفُه الحنين إلى
سابق عهده ، فيُزْمِعُ الرحيلا ..
و فريق ظالم لنفسه و لغيره ..
إنهم بشر تأبى عليهم جبلتهم الفظة الغليظة ،إلا أن يجعلوا من هذا الرِباط
المقدس ، كأساً تدور بالمرارات ، وجحيماً يشيب من هوله الولدان ..
و لعلكِ مثلي ، وقفتِ على بعض من تلك الوقائع المفجعة ، التي يكون فيها مصير الأحلام المُجَنَّحَة و الأماني العذبة ، كُرهاً ومَقتا وخِصاماً لا يهدأ ، إن لم يكن هلاكاً و انسحاباً من مسرح الحياة ..
( ١١ )
و هاكِ طرفاً من معاناة النساء و هن في ( حِبال ) الرجال ..
و أذكر لك ِ هنا مصير تلك الفتاة ،و التي
أجد لها مالا يحصى من الأشباه والنظائر ، في واقعنا المعاش ،،
لقد كانت مثل فلق الصبح ،، حيوية ونضارة ووضاءة ..
وردة تفتحت عنها الأكمام ، وأخذت تمنح بسخاء من طراوتها وأريجها ، وأقبلت تستعجل حظها من النعيم والاستقرار، مع شاب خفق قلبها بحبه ،، بعد أن قال فيها ما يقوله العابدون فيما يعبدون ..
و ما أن قضى منها وطراً، حتى انقلب عليها ،، لتكتشف أنها ارتمت ، بمحض إرادتها ، في أحضان مخلوق قلبه ليته
قد من حجر ..
و إن من الحجارة ما يتفجر منه الأنهار .
و منها لما يشقق فيخرج منه الماء .
و إن منها لما يهبط من خشية الله ..
لقد صارت معه إلى حالٍ تمنت أن لو
ماتت من قبل ، وكانت نسيا منسياً ، بدلا
من أن تموت كل يوم سبعين موتة ..
و كان أن التمست خلاصها في الطلاق ،
والذي لم يدركها إلا بعد أن يبس
عودها ، وانحسر رواؤها ، وغدت حطاماً تُعَلِق كل رجائها بصغارٍ زُغْبُ الحواصل ،، هم كل ما أخذت من الماضي ، وماتملك من الحاضر ، و ما
تدخر للمستقبل ..
و هناك من تركها وحيدة ، تقاسي ، وتعاني ، وخرج ولم يَعُد ..
و الآخر الذي يريدها خادمة تشقى
لِيهنأ ويرتاح ..
و ذلك الأناني الذي جُبِل على الأخذ
دون أن يعطي ، ولو لمرة واحدة ..
و الخائن ..
و الرزيل ..
و المطموس
و يا حسرة على النساء من بعض الرجال ..
و للرجال نصيبٌ أيضاً من العذاب ..
فكم تكون الفجيعة مُزَلزِلة ، و موجعة ، و قاصمة ،، عندما تقود أحدنا خطاه إلى ظل امرأة فيجده من حر السموم ، لا بارد ولا كريم ،، فيقعد مغموماً مخذولا يُقَلِب كفيه على ما أنفق فيها ..
و أيُّ عزاء يخفف من مصيبة رجالٍ أغتيلت في أعماقهم أنضر سني العمر ،، و هم يجدون ، أعز ، و أغلى ، و أزهى أمانيهم ، تتبدد تحت وطأة نساء مميتات،، الواحدة منهن إما ناشز طاغية ، ذات أنياب و أظافر ،،و إما ثقيلة خاملة متبلدة الإحساس و الشعور ،، لا تجيب أو تتجاوب ، ولا تُبْدئ أو تعيد ،،
و إما طائشة لا حد لمطالبها ،، فلو قُدر لها واديان من ذهب لابتغت لهما ثالثاً.
أشبه ماتكون بنارٍ مُوقدة،، كلما أُطْعِمت سألت المزيد ..
و كتلك التي تكون الحياة معها ، كمن يداوم الجلوس إلى نافخ الكير ،، إن لم يحرق ثيابك آذاك برائحته ..
و عندها سنجد كل العذر لمن يصرخ في وجهها :
( تنحي فاجلسي عني بعيداً
أراح الله منك العالمينا ) ..
و ذلك الذي يذهب أبعد من ذلك ،،تحت وطأة الخيبة ..
( ربما كنت مع زوجتي على الفراش ،، فمدت يدها إلى صدري ، فوددت والله
لو أن مصيبةً خرَّت من السقف ، فقدت يدها ، وضلعين من صدري ) ..
و يمضي قائلا :
( لقد كنت محتاجاً لموت زوجتي
و لكن قرين السوء باق مُعَمِرٌ
فياليتها صارت إلى القبر عاجلاً
و عذبها فيه نكير ومنكر ) ..
و ياحسرة على الرجال من بعض النساء ..
و مهما يكن من أمرٍ ، فإن النساء شقائق الرجال وسكن لهم ..
و أن الرجال درءٌ للنساء و ظَهِير لهن ..
و هو تلازمٌ ضروري ، و قَدَرِي ، لا تقوم الحياة إلا به ، و لا يَصِح العيشُ إلا من
خلاله ..
( ١٢ )
فيا أختي الحبيبة ..
إن هذا قليلٌ .. قليل ..
من كثيرٍ .. كثير ..
إنها بعض مشاهد ، و وقائع ، و قرائنُ أحوالٍ ،، تجعلني أُوقِن أن الآخرة خيرٌ وأبقى ..
و الآخرة التي أدعوك لأن نُعَلِق بها مناطَنا ،،هي أن أن نُفْعِم جوانحنا بأشواق تهفو بنا أبداً إلى أفق بعيد مأمول ،،لا تطاله نهاية ،و لا يدركه تحقق ..
فكما أن أطعم الأشياء ،، تلك التي لم نتذوقها بعد ، و لا نزال نرمقها بعيون كلها رغبة واشتهاء !!
و كما أن أنضر المقاصد و أغناها ،، تلك
التي لم تتحقق بعد ، و لاتزال مُنىً تدغدغ الخيال ، و تداعب الخاطر !!
و كما أن أروع الحكايات و أمتعها ،، تلك التي بدأناها و ما انتهت بعد !!
فإن أروع المسير إليك ، و أبهجه يارفيقة الدرب الطويل ،، أن لا ينتهي إليك المسير ..
و بهذا وحده نستطيع أن نُبقي على الذي بيننا ،،
دائم الإخضرار ..
دائم الإِزهار ..
داني الثمار ..
فهل تعلمين وراء الحب منزلةً
تُدْني إليك فإن الحب اقصاني ؟؟؟
و السلام …
حسن فضل المولى …
أم درمان ١٩٨٥ …..
هامش
تجدون بين الثنايا اقتباسات مضيئة لنفر عِظام من أساطين الكلم وفوارِسه ..
محمد سعيد العباسي
التيجاني يوسف بشير
محمد مفتاح الفيتوري
مصطفى صادق الرافعي
طاغور
محمد المكي ابراهيم
عماد الدين خليل
محمود درويش
محمد المهدي المجذوب
ادريس جماع
صلاح عبدالص




