
عند سقوط لاعب المريخ إيداهور فى الملعب قال لى محدثى وهو أحد أطباء مستشفى الشرطة برتبة الرائد ( يا سيادتك الزول ده مات ) وحينها كنا نجلس خلف المرمى من الناحية الجنوبية وواقعة السقوط كانت بالناحية الشمالية أثناء تغطيتنا للمبارة هو ضمن طاقم الإسعاف وشخصى ضمن قوة العمليات ..!! قال قولته ودخل لأرضية الملعب مهرولاً من منطلق إنسانى ومهنى وهو يصدر توجيهاته لطاقم الإسعاف لتجهيز أنفسهم دون إنتظار إشارة من الحكم ( منتهى الإنسانية والإحساس بالمسئولية ) .. !! وعندما توقفت المباراة ورأى الجمهور إنهيار اللاعبين وبكائهم هاجت المدرجات وكاد أن ينفرط عقد الأمن لولا إحترافية قوة العمليات ضباطاً وأفراداً وسيطرتهم على إنفعالات الجمهور إلاَّ من بعض المتفلتين الذين لم يتقبلوا ماحدث للاعبهم المحبوب وبدأوا بحصب الشرطة بالحجارة وكأنما هى من تسببت فى وفاته .. وعندما إزدادت حالات الهستيريا وتعديهم على مركبات المواطنين تعاملت معهم قوات العمليات بكل قوة وإمتلأ المكان بالغاز المسيل للدموع ، وإمتد العنف والمطاردات إلى العديد من الشوارع المحيطة بالملعب .. وفى لحظات الهياج تلك لَمَحتُ أحد أفراد قوة العمليات يعترض شخصاً ممتلئ الجسم بالزى القومى بكامل الأناقة ويغلظ له القول ويطلب منه الرجوع من حيث أتى ..!! فأدركتهم فإذا به سيادة اللواء الهادى بشرى فأعتذرت له بلطف من الحِدَّة التى تعامل بها معه فرد العمليات وكان متفهماً للأمر وقال بذات اللطف بل أنا الذى أعتذر له لأننى أقدر الموقف الذى هو فيه .. وعندما هَمَّ بالذهاب سألته بدون مقدمات ودون أن تكون بيننا سابق معرفة عن تفاصيل الدور الوطنى الذى قام به وهو يترأس اللجنة المعنية بتصفية جهاز أمن الدولة عقب الإنتفاضة التى أطاحت بنظام مايو وسألته بكل أدب وإنضباط عدة أسئلة ( شتارة وشلاقة منى ) رغم أن ذلك لم يكن مناسباً لا زماناً ولا مكاناً ولا حالاً فالعيون كانت تدمع والأنوف تسيل من كثافة الغاز المسيل للدموع ..!! فتحدث الرجل بعد أن أثنى على جيل الشباب الذى أمثله ( فى ظنه طبعاً ) مُجيباً ومُعلقاً وذلك دون أن يُخفى إستغرابه من إهتمامى بأمرٍ مضى عليه زمناً طويلاً وإعجابه بهذا الإهتمام فى ذات الوقت .. وعندما شكرته على سعة صدره بادلنى ذات الأمر وزيادة ..!! ( وإفترقنا دون أن يضيع أحدنا أو ينخدع الآخر بالأمانى ..!! )
أسوق هذه المقدمة وقد أفرحنى جداً خبر سلامة الوثائق بدار الوثائق القومية ( ذاكرة الوطن والأمة السودانية ) .. من الدمار الهائل الذى أحدثته المليشيا المجرمة بالبنية التحتية لمؤسسات الدولة ، لأن الدار تُعد مؤسسة بالغة الأهمية كمصدر للمعلومات ووسيلة للبحوث والدراسات العلمية والتأريخية والإجتماعية والثقافية ، فالوثائق تُعد مصدراً رئيسياً للمعرفة ومنارات إشعاع للتراث والحضارة الإنسانية ، وتساهم فى تعزيز مجتمع المعرفة ، وأنَّها كائنٌ حَى فصيح اللسان عظيم البيان ، وشاهدٌ عدلٌ وشاهدٌ على العصر يتحدث بكل الصدق عن الماضى لإصلاح الحاضر .. !! ففقدان وثيقة واحدة أو تلفها يُعتبر بمثابة فقدان جزء من المعرفة بدرجة قد يصعب علاجها .. وأذكر أنه وعندما قررت حكومة رئيس الوزراء السابق الأولى إنشاء جهاز أمن داخلى ليتولى شئون الأمن الداخلى فى إطار هيكلة المنظومة الأمنية ( شرطة ومخابرات عامة ) التى كانت تتبناها القوى السياسية آنذاك وتسعى لإضعافها وتخفيض ميزانياتها العامة وإحالة مئات الكفاءات لصالح المولود الجديد الذى جاء خديجاً مشوهاً ومات فى مهده ..!! وكُنتُ فى ذلك الوقت أشغل مديراً لدائرة المعلومات بالإدارة العامة للشرطة الأمنية وأتساءل مع نفسى أيهما الأولى ..!!؟ تقوية أجهزتنا الأمنية والشُرطية تدريباً وتأهيلاً وتحسين شروط الخدمة للعاملين أم إنشاء جهاز أمن ضرار ..!!؟ لاسيما وأنها إكتسبت – أى الشرطة – خبرات واسعة فى قضايا الإتجار بالبشر ومكافحة الإرهاب والإتجار بالمخدرات وغسل الأموال وحماية المستهلك والجريمة المنظمة العابرة للحدود ، وإستطاعت أن تنتزع إعجاب مثيلاتها فى محيطنا الإقليمى بل وعلى المستوى الدولى ..!! فَطَفِقتُ أبحث عن تأريخ صناعة الأمن فى السودان وتَتَبُّع تكوين أجهزة الأمن والشرطة منذ بداية فترة الحكم الثنائى ، وكان مدخلى فى عملية البحث إرشيف الشرطة الأمنية الذى وَرِثَتهُ من جهاز أمن الدولة الذى أشرت إليه فى بداية حديثى .. فعند نزولى للبدروم الذى يحوى الإرشيف هالنى ما وجدته من كنوز من المعلومات والمعارف المُهملة والملقاة على الأرض بطريقة عشوائية تَنُمُّ عن عدم الإهتمام رغم المحاولات المتواضعة للترتيب والتوثيق التى كانت واضحة .. وتتبعتُ خيط تكوين أجهزة الأمن منذ أن كانت بأسم قلم المخابرات وتَتبَعُ للسكرتير الإدارى منذ العام ١٩٠٦م لخدمة أجندة الإمبراطورية التى لاتغيب عنها الشمس فى إطار الصراع الأوروبى والتنافس على المستعمرات ، وإنتهاءً بتقليص سلطات جهاز المخابرات العامة بعد أبريل ٢٠١٩م .. وأثناء بحثى لَمستُ إهتماماً كبيراً بكل قضايا الأمن القومى والداخلى من أسلافنا ، وإرثاً ضخماً من المعارف تركه الرواد الأوائل يتحدث عن : ( الماسونية بكل تقاطعاتها وأسرارها – العلاقات الدولية وتعقيداتها – الأحزاب السياسية وحماقاتها – المجموعات الدينية بكل إنحرافاتها – الفكر الجمهورى والقاديانية والبهائية بكل تفاصيلها – قضايا الوجود الأجنبى واللاجئين بكل أبعادها – الأحداث الأمنية الكبيرة بكل حقائقها – ثورتى أكتوبر وأبريل ويومياتها – حوادث الأوكروبول وبنك باركليز وغيرهما من القضايا الهامة التى كان للشرطة دوراً بارزاً فيها .. وغيرها وغيرها ) .. وكثيراً ما كنت أنسى نفسى لساعات وساعات وأنا أدُس وجهى بين الملفات القديمة مرتديَّا الكمامات أبتسم حيناً لتعليقات عمر الحاج موسى الساخرة منصور خالد ، وأتحسر حيناً للمستوى الرفيع من القرارات السيادية الإدارية التى إفتقدتها بلادنا ومن قوتها ومستوى متابعة تنفيذها ..!! وكُنتُ كأنى أسمع حديث كل من أثرى حياتنا الثقافية والاجتماعية والأمنية والفنية وأسهم فى تكوين وجداننا ..!!
إنها دعوة لمعالى وزير الداخلية ولمدير عام الشرطة للإهتمام بإرشيف الشرطة السودانية ذاكرة الأمن ضمن حصرهم للخسائر التى أحدثتها الحرب بإداراتها المختلفة ، وتشكيل لجنة رفيعة المستوى من المختصين بإشراف دار الوثائق القومية للإستفادة من ذلك الكنز الضخم وأرشفته إلكترونياً مهما كَلَّف الأمر لمصلحة الأجيال الشُرطية ، ولتوفير المعلومة لقادة الشرطة فى المستقبل ولجميع الباحثين الأكاديميين والمهتمين ..!! وكُلُّ ذلك حتى لايضيع ذلكم التراث الإنسانى والإرث الأمنى من بين أيدينا جهالةً أو عقوقاً .. وحتى لايطير الدخان ..!!
حفظ الله بلادنا وأهلها من كل سوء .
الثلاثاء ١ أبريل ٢٠٢٥م
لله الحمد والشكر علي نجاة وثائق بلادي بدار الوثائق ، كانت الشرطة الأمنية اولي محطات عملي بعد تخرجي من كلية الشرطة و لفت نظري بالفعل مكتب السجلات والكنوز التي تحويها وقضيت فيها اوقاتا ممتعة بين اررفها وقرأت الكثير وتعلمت الكثير أؤكد علي دعوتك بضرورة اهتمام الوزارة بهذا الأرشيف وحفظه للأجيال للاهتداء بهذا الإرث العظيم .