
digital.start23@gmail.com
تمثل مرحلة ما بعد الحرب فرصة لإعادة بناء الاقتصاد السوداني على أسس أكثر علمية،ويعد الاقتصاد الرقمي أحد أهم الأدوات القادرة على دعم هذا التحول، فالعائد المتوقع لا يقتصر على تسهيل المدفوعات، وإنما يمتد إلى زيادة الإيرادات، وخفض التكاليف، وتسريع الدورة الاقتصادية، وتعزيز الثقة في المؤسسات المالية.
وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن الاقتصاد غير المنظم يمثل نحو ٤٠% من الناتج المحلي في العديد من الدول الأفريقية، وأي دولة تمكنت من التوسع في المدفوعات الإلكترونية أصبحت حركة الأموال أكثر وضوحا، واتسعت المظلة الضريبية لتشمل كافة الانشطة، وارتفعت الإيرادات العامة دون فرض أعباء إضافية على المواطنين.
ففي كينيا ارتفعت نسبة الشمول المالي من ٢٧% عام ٢٠٠٦م إلى أكثر من ٨٤% حاليا، بينما نجحت رواندا في تقديم أكثر من ٩٠% من خدماتها الحكومية بصورة إلكترونية، وتجاوز عدد المحافظ الإلكترونية في مصر أربعين مليون محفظة، مما ساهم في توسيع قاعدة التعاملات الرقمية وتعزيز الشمول المالي.
وعلى المستوى العربي، قدمت المملكة العربية السعودية نموذجا متميزا في التحول الرقمي، حيث ارتفعت نسبة المدفوعات الإلكترونية للأفراد من ٣٦% عام ٢٠١٩ إلى ٧٩% في عام ٢٠٢٤م، ثم إلى ٨٥% في عام ٢٠٢٥م، كما تجاوز عدد المعاملات الإلكترونية ١٤.٦ مليار معاملة سنويا، وقد انعكس ذلك على رفع كفاءة الاقتصاد، وتحسين بيئة الأعمال، وتقليل الاعتماد على النقد الورقي.
أما في السودان، فإن الوصول خلال السنوات المقبلة إلى تنفيذ ٧٠% من المدفوعات الحكومية إلكترونيا، ورفع نسبة المدفوعات الرقمية في الأسواق والمراكز التجارية إلى ٥٠%، يمكن أن يحقق نتائج ملموسة تتمثل في زيادة الإيرادات العامة، وتعزيز الشفافية، وتوفير بيانات دقيقة تساعد في التخطيط الاقتصادي واتخاذ القرار.
وإذا علمنا أن تكلفة طباعة وتأمين ونقل كميات كبيرة من العملة تقدر بعشرات الملايين من الدولارات، وأن تكلفة طباعة مليار ورقة نقدية قد تتجاوز خمسين مليون دولار، بخلاف تكاليف التخزين والتوزيع والاستبدال الدوري للأوراق التالفة، فإن التوسع في المدفوعات الرقمية يمثل استثمارا اقتصاديا يتيح توجيه هذه الموارد الى الإنتاج وإعادة الإعمار.
وفي ظل التحديات التي تواجه السودان حاليا، من التضخم ، وتراجع القوة الشرائية فإن الاقتصاد الرقمي يمثل أحد أهم مشروعات التعافي وإعادة البناء، شأنه شأن مشروعات الطرق والكهرباء والمياه. فبناء الاقتصاد الحديث تحتاج إلى بنية مالية رقمية قوية تدعم الإنتاج والاستثمار والخدمات وترفع كفاءة إدارة الموارد العامة.
ومن حسن الطالع أن السودان لا يبدأ من الصفر، فقد شهد خلال السنوات الماضية نجاحات مهمة في مجالات التحصيل الإلكتروني والخدمات الرقمية والتطبيقات المصرفية. وما تحتاجه المرحلة المقبلة هو رؤية وطنية متكاملة تجعل الاقتصاد الرقمي أحد محركات التنمية.
وقد تكون الحرب، على قسوتها، فرصة لإعادة بناء اقتصاد أكثر كفاءة ومرونة، وإذا نجح السودان في استثمار هذه الفرصة، فإن السنوات القادمة قد تشهد واحدة من أهم التحولات الاقتصادية في تاريخه الحديث.



