(من إستنزاف الثروات الوطنية إلى ضرورة إعادة تنظيم قطاع التعدين) .

يُعدّ الذهب من الموارد الطبيعية التي تمتلكها دول عديدة ، وتتفاوت كمياته وطرق إستخراجه من دولة إلى أخرى . وقد عرف السودان التنقيب التقليدي والفردي عن الذهب منذ عقود طويلة ، وظل هذا النشاط في حدوده الطبيعية ، أحد مصادر كسب العيش لقطاعات عديدة من المواطنين .
غير أن الفارق كبير بين التنقيب التقليدي الذي يجري في إطار قانوني ورقابي واضح ، وبين حالة التوسع العشوائي والفوضوي التي شهدها قطاع التعدين في السودان خلال السنوات الماضية ، والتي أفرزت تداعيات إقتصادية وإجتماعية وأمنية وبيئية متشابكة ، وأصبحت تهدد قدرة الدولة على إدارة أحد أهم مواردها الإستراتيجية ، وعلي حسب تقديرات بعض المتابعين فإن نشاط التعدين العشوائي إستقطب حوالي مليوني فرد نصفهم من الأجانب !
كيف تحولت الثروة المعدنية إلى مصدر للأزمات ؟
عقب إنفصال جنوب السودان عام 2011 ، وفقدان السودان الجزء الأكبر من موارده النفطية ، إتجهت الدولة إلى البحث عن بدائل لتعويض الفاقد من عائدات البترول ، وكان الذهب في مقدمة هذه البدائل . وشجعت السياسات الحكومية آنذاك التوسع في عمليات التنقيب والإنتاج ، الأمر الذي أسهم في إتساع نطاق التعدين التقليدي والفردي .
لكن التوسع في النشاط لم يصاحبه بالقدر الكافي ، بناء منظومة رقابية أو مؤسسية قادرة على تنظيمه وضبط حركة العاملين فيه ، وتأمين مناطق الإنتاج ، وإحكام السيطرة على عمليات البيع والتصدير . ومع مرور الوقت ، إتسعت الفجوة بين حجم النشاط التعديني وبين قدرة مؤسسات الدولة على إدارته ومراقبته ، فتحول جانب كبير منه إلى نشاط يصعب ضبطه أو إخضاعه للسياسات الإقتصادية والضوابط الأمنية والبيئية .
ولم تعد القضية مجرد وسيلة لكسب الرزق أو إستخراج معدن ثمين ، بل أصبحت مرتبطة بمستقبل الموارد الوطنية ، وكفاءة مؤسسات الدولة ، وسلامة المجتمعات المحلية ، ومصادر تمويل الأنشطة المسلحة وغير المشروعة .
أبرز التداعيات والمخاطر :
أفرز التوسع غير المنظم في التنقيب عن الذهب مجموعة من الظواهر التي تستوجب المعالجة الجادة، ويمكن إجمال أبرزها فيما يلي :
١. الهجرة الداخلية والضغط على مناطق التعدين :
أدى انتشار مواقع التنقيب إلى انتقال أعداد كبيرة من المواطنين من مختلف أنحاء السودان إلى مناطق التعدين ، بحثاً عن فرص سريعة للكسب . وقد ترتب على ذلك ضغط متزايد على الخدمات الأساسية والبنية التحتية والموارد المحلية ، إلى جانب نشوء تجمعات سكانية في مناطق تفتقر في كثير من الأحيان إلى التخطيط والخدمات والرقابة الكافية .
٢. تحديات الهجرة والرقابة على الحدود :
إستقطبت مناطق التعدين أعداداً من مواطني دول أفريقية أخرى ، الأمر الذي يفرض ضرورة ضبط حركة الدخول والإقامة والعمل وفق القوانين والإتفاقيات المعمول بها . وتكمن المشكلة في دخول أشخاص أو إقامتهم وممارستهم للنشاط التعديني خارج الأطر القانونية ، بما يضعف الرقابة على الحدود ويزيد صعوبة التحقق من الهويات والأنشطة ومصادر الأموال .
ولا يعني ذلك إستهداف للمهاجرين بسبب جنسياتهم ، وإنما تطبيق منضبط للقانون على الجميع ، بما يضمن مشروعية الإقامة والعمل ويحمي الأمن الوطني وحقوق الإنسان في آن واحد .
٣. التداعيات الإجتماعية والأمنية والبيئية
أسهمت بعض أنشطة التعدين العشوائي ، في ظل ضعف الرقابة ، في ظهور أنماط من الجريمة والنزاعات على مواقع الإنتاج وحقوق الاستغلال ، فضلاً عن الضغوط التي تتعرض لها المجتمعات المحلية . كما تثير أساليب الإستخلاص غير الآمنة مخاطر بيئية وصحية ، خصوصاً عند إستخدام مواد كيميائية خطرة أو التخلص من مخلفات التعدين دون ضوابط .
وتتضاعف هذه المخاطر عندما تعمل مواقع التعدين بعيداً عن الرقابة الفعلية ، أو عندما تفتقر إلى اشتراطات السلامة المهنية والحماية البيئية والخدمات الصحية الأساسية .
٤. إستنزاف العمالة من القطاعات الإنتاجية والخدمية
أدى العائد المحتمل والسريع من التنقيب إلى إنتقال أعداد من العمال من الزراعة والبناء والحرف والمهن اليدوية إلى مناطق التعدين . وقد ساهم ذلك في نقص العمالة في بعض الأنشطة الإنتاجية والخدمية ، ورفع تكاليفها ، وزيادة الصعوبات التي تواجه قطاعات تحتاج إلى الإستقرار وتراكم الخبرات والمهارات .
وتتطلب هذه الظاهرة معالجة إقتصادية أوسع تضمن تحسين جاذبية العمل المنتج ، وتوفير فرص عادلة ومستدامة ، بدلاً من ترك حركة العمالة تتحدد بفعل أنشطة قصيرة الأجل وغير مستقرة .
٥. تحول بعض مناطق التعدين إلى مصادر للتمويل المسلح
تتمثل إحدى أخطر التداعيات في إحتمال وقوع مناطق التعدين ومواردها تحت سيطرة جماعات مسلحة أو حركات متمردة ، أو فرض إتاوات على المنتجين والتجار ، أو الاستفادة من الذهب في تمويل شراء السلاح والعمليات العسكرية .
وعندما تصبح الثروة المعدنية مورداً مالياً مستقلاً عن الموازنة العامة والرقابة الرسمية ، فإنها قد تسهم في إطالة أمد النزاعات ، وتعزيز اقتصاد الحرب ، وإضعاف سلطة الدولة على أراضيها ومواردها .
ومن ثم فإن إستعادة السيطرة القانونية والأمنية على مناطق التعدين ليست مسألة إقتصادية فحسب ، بل هي جزء من حماية الأمن القومي وتجفيف مصادر التمويل غير المشروع .
٦. تهريب الذهب وفقدان العائدات الوطنية :
يمثل تهريب الذهب أحد أبرز التحديات التي تواجه إدارة هذا المورد . فعندما تتسع الفجوة بين الإنتاج الفعلي والكميات المسجلة رسمياً والمصدرة عبر القنوات القانونية ، تفقد الدولة جزءاً من قدرتها على تحصيل الإيرادات العامة ، وإدارة النقد الأجنبي ، ووضع سياسات اقتصادية قائمة على بيانات موثوقة .
كما أن خروج حصائل الصادرات خارج القنوات المصرفية الرسمية يحد من إستفادة الاقتصاد الوطني من عائدات الذهب ، ويضعف قدرة الدولة على إدارة مواردها من النقد الأجنبي . وقد تتفاقم هذه الآثار عندما تتداخل عمليات التهريب مع المضاربة والأنشطة المالية غير المشروعة .
وبذلك ، فإن القضية لا تتعلق فقط بكمية الذهب المستخرجة ، بل بمدى قدرة الدولة على تحويل هذه الثروة إلى إيرادات عامة واستثمارات إنتاجية ومنافع ملموسة للمواطنين .
٧. الاعتداء على المواقع الأثرية والتراث الوطني
إمتدت بعض أعمال التنقيب إلى مناطق ذات قيمة أثرية وتاريخية ، حيث يمكن أن تؤدي الحفريات غير المرخصة إلى تدمير الطبقات الأثرية وفقدان المعلومات التاريخية ، فضلاً عن تهريب القطع والمقتنيات التراثية .
وهذه خسارة لا يمكن قياسها بقيمة الذهب المستخرج ؛ لأن المواقع الأثرية تمثل جزءاً من ذاكرة السودان وهويته الحضارية ، وحمايتها مسؤولية وطنية لا يجوز إخضاعها للمصالح التجارية أو المكاسب الفردية .
أيضا لا يستبعد أن يكون هذا التعدين الفوضوي قد شمل معادن أخري من التي تصنف كمعادن ثمينة أو نادرة بمعاونة جهات أجنبية متخصصة .
من فوضى التعدين إلى أزمة في إدارة الدولة :
إن خطورة هذه التداعيات تكمن في تداخلها وتراكم آثارها . فالتعدين غير المنظم قد يؤدي إلى تهريب الموارد ، والتهريب يحرم الدولة من الإيرادات ، وضعف الإيرادات يحد من قدرتها على تمويل الخدمات والأمن والتنمية ، بينما يؤدي انتشار السلاح والنفوذ غير الرسمي في مناطق الإنتاج إلى تعقيد مهمة استعادة سلطة الدولة .
وتزداد خطورة الوضع عندما يتزامن تهريب الذهب مع تهريب المحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية وغيرها من المنتجات الوطنية ، بما يضعف حصيلة الصادرات ويقلص المنافع التي يفترض أن تعود على الإقتصاد والمجتمع .
لذلك، لا ينبغي النظر إلى هذه الظاهرة بوصفها مشكلة فنية تخص وزارة التعدين وحدها ، بل باعتبارها قضية أمن قومي تتطلب سياسة وطنية متكاملة تشترك في تنفيذها مؤسسات التعدين والمالية والجمارك والأمن والشرطة والجهات المختصة بالحدود والبيئة والآثار والسلطات المحلية .
المقترحات :
(نحو إستعادة سيطرة الدولة على الثروة المعدنية) :
إن معالجة فوضى التنقيب عن الذهب لم تعد تحتمل الحلول الجزئية أو الإجراءات المؤقتة ، بل تتطلب قرارات إستراتيجية تعيد للدولة سيطرتها على عمليات الإستخراج والتسويق والتصدير ، وتضمن توظيف هذه الثروة لخدمة الإقتصاد الوطني وحماية الأمن القومي . ويمكن تحديد أولويات المعالجة في الآتي :
١. إنهاء التعدين الأهلي الفردي وإعادة تنظيم القطاع :
إصدار قرار ملزم بوقف التعدين الأهلي الفردي غير المنظم ، وحصر النشاط المعدني مستقبلاً في الشركات المرخصة والجمعيات التعاونية المنظمة ، وفق ضوابط فنية ومالية وأمنية وبيئية صارمة ، مع تحديد فترة إنتقالية لمعالجة أوضاع العاملين الحاليين وتوفيق أوضاعهم القانونية .
٢. إستعادة السيطرة الأمنية على مناطق التعدين والحدود :
إخضاع جميع مناطق التعدين للسلطة الرسمية ، ومنع حيازة السلاح وممارسة الإتاوات والأنشطة المسلحة خارج القانون ، وتعزيز قدرات الأجهزة المختصة بمكافحة التعدين غير المشروع والتهريب ، وتأمين الحدود ومنافذ العبور ، مع حماية المواقع الأثرية والبيئية ومحاسبة المتورطين في الأنشطة غير المشروعة .
٣. إحكام سيطرة الدولة على تجارة الذهب وصادراته :
إنشاء منظومة وطنية موحدة لتسجيل إنتاج الذهب وتتبع حركته من مواقع الإستخراج حتى التصدير ، ودراسة إسناد عمليات شرائه وتصديره حصرياً إلى جهة وطنية مختصة تعمل وفق ضوابط قانونية ومالية شفافة ، وتضمن سعراً عادلاً للمنتجين ، وسداداً سريعاً للمستحقات ، وإيداع حصائل الصادرات عبر القنوات المصرفية الرسمية ، بما يحد من التهريب ويعزز موارد الدولة من النقد الأجنبي .
٤. إعادة تنظيم الصادرات الوطنية وضمان عائداتها :
مراجعة سياسات تحرير الصادرات وآليات تحصيل حصائلها ، ودراسة إنشاء مؤسسة وطنية للصادرات تتولى تنظيم تصدير المنتجات الإستراتيجية وتسويقها والإشراف على عائداتها ، وفق إختصاصات محددة تمنع الإحتكار البيروقراطي وتستفيد من كفاءة القطاع الخاص ، مع إحكام الرقابة على صادرات الذهب والمحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية وغيرها من الموارد الوطنية .
٥. ربط عائدات الذهب بالتنمية والإستقرار الإقتصادي :
إخضاع إيرادات التعدين لرقابة مالية صارمة، وتوجيه جزء من عائداتها لدعم الموازنة العامة والخدمات الأساسية والبنية التحتية والقطاعات الإنتاجية ، مع إلزام الجهات المرخصة بمعايير حماية البيئة والسلامة المهنية ، وتوفير بدائل اقتصادية وفرص عمل للعاملين المتأثرين بوقف التعدين العشوائي ، بما يضمن استدامة الإصلاح وعدم تحوله إلى عبء إجتماعي جديد .
إن تنفيذ هذه المقترحات يتطلب برنامجاً حكومياً محدد المراحل والمسؤوليات ، تتكامل فيه أجهزة الدولة الإقتصادية والأمنية والرقابية ، وتخضع نتائجه للمراجعة والمساءلة الدورية . فالمعيار الحقيقي للنجاح ليس مجرد وقف المخالفات ، وإنما إستعادة سيطرة الدولة على ثرواتها ، وضمان وصول عائداتها إلى الإقتصاد الوطني ، ومنع إستخدامها في تمويل الصراعات والأنشطة غير المشروعة .






