هموم وقضايا / السفير د. معاوية التوم

تحديات الأمن الخليجي بين الثابت والمتغير!؟

السفير د. معاوية التوم


يُعدّ الأمن الخليجي أحد أكثر منظومات الأمن الإقليمي حساسية وتعقيدًا في العالم المعاصر، نظراً لموقع الخليج العربي الجيوسياسي وارتباطه الوثيق بممرات الطاقة العالمية. فمنذ عقود ظل هذا الإقليم محوراً للتنافس الدولي وساحة لتقاطع الاستراتيجيات الكبرى، الأمر الذي جعل مفهوم الأمن فيه يتأرجح بين عناصر ثابتة تحكمها الجغرافيا والتاريخ، والوشائج والمصالح المشتركة وأخرى متغيرة تفرضها التحولات السياسية وصراع الارادات والنفوذ بين القوى الكبري ، فضلاً عن التطورات التكنولوجية المتسارعة.

أولاً: ثوابت الأمن الخليجي

ارتبطت معادلة الأمن الخليجي تاريخياً بعدة ثوابت استراتيجية شكلت الأساس الذي بُنيت عليه سياسات الدفاع والتحالفات في المنطقة.

أول هذه الثوابت هو الأهمية الاستراتيجية لموارد الطاقة. فدول الخليج تمتلك أحد أكبر احتياطات النفط والغاز في العالم، ما جعل استقرارها جزءاً من استقرار الاقتصاد العالمي. ولهذا ظل الخليج محط اهتمام القوى الكبرى التي رأت في أمنه ضمانة لاستمرار تدفق الطاقة إلى الأسواق الدولية.

أما الثابت الثاني فيتمثل في الموقع الجغرافي الحاكم للممرات البحرية، وعلى رأسها مضيق هرمز الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية. هذا الموقع جعل أمن الخليج مرتبطاً مباشرة بأمن الملاحة الدولية، وهو ما يفسر الوجود العسكري الدولي المكثف في المنطقة منذ عقود طويلة ربما ساعدت في استقرار الاقليم.

ويأتي البعد الجيوسياسي للصراعات الإقليمية كثالث هذه الثوابت. فقد ظل الخليج محاطاً ببيئة إقليمية مضطربة، بدءاً من الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات، مروراً بحرب الخليج الثانية، وصولاً إلى التوترات المستمرة في العراق واليمن، فضلاً عن التنافس الاستراتيجي مع إيران، وما فرضته التوترات والحرب القائمة حاليا .

ثانياً: المظلة الدولية ومعادلة التحالفات

على ضوء هذه الثوابت، تشكلت معادلة أمنية اعتمدت بدرجة كبيرة على الشراكة مع القوى الدولية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تعزز الوجود العسكري الأمريكي في الخليج، ثم ازداد بعد حرب تحرير الكويت عام 1991.

وقد وفرت هذه المظلة الدولية قدراً كبيراً من الردع والاستقرار النسبي، عبر القواعد العسكرية والتعاون الدفاعي والتنسيق الأمني والاستخباراتي. لكن هذه المعادلة لم تكن ثابتة بالكامل، إذ بدأت ملامح التحول تظهر خلال العقدين الأخيرين. وكشف الصراع الجاري هشاشة ما أوجدته الحرب الثلاثية على هذه المنظومة من تحديات

ثالثاً: تحولات في البيئة الدولية

أحد أبرز المتغيرات التي تواجه الأمن الخليجي يتمثل في تحول أولويات السياسة الدولية، خاصة مع تزايد تركيز الولايات المتحدة على منطقة آسيا والمحيط الهادئ في إطار التنافس الاستراتيجي مع الصين، وربما روسيا والغرب على خلفية أوكرانيا والناتو.

هذا التحول لا يعني انسحاباً كاملاً من الخليج، لكنه أثار نقاشاً داخل دول المنطقة حول ضرورة تنويع الشراكات الأمنية وبناء علاقات متوازنة مع قوى دولية أخرى مثل أوروبا والصين وروسيا، بما يضمن تعددية في مصادر الدعم الاستراتيجي، وتحصين سياج المعادلة الداخلية للمنظومة التي تأثرات بفترات ما تزال أشراطها شاخصة .

رابعاً: صعود التهديدات غير التقليدية

لم تعد التهديدات الأمنية في الخليج تقتصر على الحروب التقليدية بين الدول، بل برزت أنماط جديدة من المخاطر تتسم بالمرونة والتعقيد.

فالهجمات السيبرانية، والطائرات المسيّرة، والصواريخ الباليستية والفرط صوتية بعيدة المدى، فضلا عن الطاقة ، أصبحت أدوات قادرة على إحداث تأثير استراتيجي كبير بتكلفة منخفضة نسبياً. وقد كشفت الهجمات التي استهدفت منشآت الطاقة في المنطقة خلال السنوات الأخيرة عن حجم التحول في طبيعة التهديدات.

وهذا الواقع يفرض على دول الخليج تطوير قدراتها في الدفاع الجوي، والأمن السيبراني، وأنظمة الإنذار المبكر، إضافة إلى الاستثمار في التكنولوجيا العسكرية الحديثة.وتعزيز استراتيجيات الامن الجماعي الذاتي لمنظومة

خامساً: إعادة تشكيل العلاقات الإقليمية

شهدت السنوات الأخيرة تطورات مهمة في العلاقات داخل الخليج ومحيطه الإقليمي. فقد أدت المصالحة الخليجية إلى إنهاء أزمة سياسية استمرت عدة سنوات، وهو ما أعاد قدراً من التماسك إلى منظومة مجلس التعاون الخليجي.

كما ظهرت مؤشرات على محاولات خفض التوترات الإقليمية عبر الحوار الدبلوماسي مع بعض القوى الإقليمية، في إدراك متزايد بأن الاستقرار الدائم لا يمكن تحقيقه عبر الردع العسكري وحده، بل يحتاج أيضاً إلى مقاربات سياسية وأمنية أكثر شمولاً.تاخذ في الحسبان البعد الآسيوي ، والامتداد العربي الأفريقي

سادساً: الأمن الاقتصادي كركيزة للاستقرار

أصبح مفهوم الأمن في الخليج يتجاوز البعد العسكري ليشمل الأمن الاقتصادي والتنموي. فدول الخليج باتت تدرك أن الاستقرار الداخلي والتنويع الاقتصادي يشكلان جزءاً أساسياً من منظومة الأمن الشامل.

ومن هنا جاءت استراتيجيات التنمية الوطنية الطموحة التي تهدف إلى تقليل الاعتماد على النفط وبناء اقتصادات أكثر تنوعاً واستدامة، قادرة على مواجهة تقلبات الأسواق العالمية والتحولات في قطاع الطاقة. وروح العمل الجماعي المشتركة بمقاربات تضع سقفا للتنافس الدولي ومصالحة المتقاطعة من امن المنظومة .

سابعاً: التحدي المؤسسي لمنظومة الأمن الخليجي

رغم التطورات التي شهدتها منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، إلا أن بناء منظومة دفاعية خليجية مشتركة ومتكاملة ما يزال يمثل تحدياً قائماً، لا تقعده او تحده الاهتمامات الذاتية لدول المنظومة.

فالتحديات المشتركة التي تواجه دول المنطقة تتطلب تعزيز التنسيق العسكري والأمني، وتطوير آليات العمل الجماعي الشامل والمشترك، بما يسمح ببناء رؤية استراتيجية موحدة للتعامل مع الأزمات الإقليمية والمتغيرات الدولية والأوضاع الطارئة.

خاتمة: بين الجغرافيا والتحولات العالمية

إن معادلة الأمن الخليجي على سياق ما يجري الان من تحديات اليوم، تقف عند نقطة تقاطع بين ثوابت الجغرافيا ومتغيرات السياسة الدولية والتكنولوجيا الحديثة. فالموقع الاستراتيجي للمنطقة وأهميتها الاقتصادية سيظلان عاملين ثابتين في حسابات القوى الدولية، لكن طبيعة التهديدات ومنعرجاتها بين ما تكشف وما تضمره الايام، وأدوات التعامل معها تتغير بوتيرة متسارعة.وحسابا معقدة توجب الانتباه والتضحية

ومن ثم فإن مستقبل الأمن الخليجي سيعتمد إلى حد كبير على قدرة دول المنطقة على تحقيق توازن دقيق بين التحالفات الدولية وبناء القدرات الذاتية، وبين الردع العسكري والانفتاح الدبلوماسي، والحوار الاقليمي بكل ميزاته ومخاطره.

وبين الثابت الذي تفرضه الجغرافيا والمتغير الذي تصنعه التحولات الدولية، يبقى التحدي الحقيقي أمام دول الخليج هو بناء منظومة أمنية إقليمية أكثر تماسكاً ومرونة، قادرة على حماية الاستقرار الاقليمي والدولي ، وضمان استدامة التنمية في منطقة تُعد من أكثر مناطق العالم أهمية وحساسية، تستوجب نظرة اعمق مما تكشف بإرادات وتقديرات كشفت اليام جوهر تبعاتها وحاجة المنظومة لوقفة وتدابير استثنائية وأخري اكثر استدامة .
———/////
٢٩ مارس ٢٠٢٦م

اترك رد

error: Content is protected !!