بين مقال البرهان وتأشيرة نيويورك… مسار السلام في السودان أمام اختبار السيادة

لم يكن مقال الفريق أول عبد الفتاح البرهان «كيف يمكن إحلال السلام في السودان»، المنشور في مجلة «فورين بوليسي» في 21 سبتمبر 2026م، مجرد عرض لرؤية الحكومة السودانية لإنهاء الحرب، كما أن الجدل الذي تفجر بعده بساعات حول تأشيرة دخوله إلى الولايات المتحدة لا يبدو، في توقيته وسياقه، مسألة قنصلية عابرة. بين الحدثين تتشكل صورة أكبر لخلاف سياسي آخذ في التصاعد حول من يملك حق تحديد الطريق إلى السلام في السودان، وما الحدود الفاصلة بين المساعدة الدولية والضغط الخارجي.
في مقاله المنشور في 21 سبتمبر، وضع البرهان رؤيته أمام الجمهور الغربي مباشرة. جوهر الرسالة أن السلام ينبغي أن يكون سودانياً، وأن الدولة وقوات الدعم السريع لا ينبغي التعامل معهما باعتبارهما طرفين متماثلين، وأن أي وقف لإطلاق النار يجب أن يقود إلى جيش وطني واحد، وإخراج المقاتلين والسلاح من المناطق المدنية، ثم عملية سياسية سودانية ودستور وانتخابات وانتقال للسلطة. كما دعا المجتمع الدولي إلى قطع التمويل وخطوط الإمداد عن الدعم السريع، ومساندة الأمم المتحدة في مراقبة وقف إطلاق النار، وترك السودانيين يحددون شكل النظام السياسي الذي يلي الحرب.
هذه التفاصيل تتجاوز حدود خطة السلام إلى محاولة لإعادة تعريف الحرب نفسها أمام المجتمع الدولي. فالبرهان يريد نقل النقاش من معادلة «طرفين متحاربين ينبغي الضغط عليهما بالتساوي» إلى معادلة «دولة تواجه قوة مسلحة موازية»، ومن التركيز على وقف القتال بأي صيغة إلى التفكير في طبيعة الدولة التي ستخرج من الحرب. ومن هذه الزاوية، تكتسب أزمة التأشيرة دلالة تتجاوز بعدها القنصلي إلى السياق السياسي الأوسع الذي تتحرك فيه العلاقة بين الخرطوم وواشنطن.
فقد أفادت «رويترز» في 22 سبتمبر بأن الولايات المتحدة تحجب، حتى وقت نشر تقريرها، تأشيرة دخول البرهان قبيل مشاركته المرتقبة في الجمعية العامة للأمم المتحدة. واستندت الوكالة إلى رسالة بعث بها مندوب السودان لدى الأمم المتحدة، الحارث إدريس، إلى الأمين العام أنطونيو غوتيريش، وإلى مصادر دبلوماسية سودانية، قالت إن إصدار التأشيرة يبدو مرتبطاً بموافقة البرهان على مقترح هدنة لمدة تسعين يوماً قدمه مسعد بولس. كما ذكرت أن أمانة الأمم المتحدة أثارت المسألة مع السلطات الأميركية وأن غوتيريش عبّر عن قلقه بشأنها. وحتى لحظة نشر التقرير لم تكن الخارجية الأميركية قد قدمت تعليقاً للوكالة.
وهنا ينبغي التمييز بين الخبر والاستنتاج. الثابت، وفق «رويترز»، وجود أزمة بشأن التأشيرة وتدخل سوداني لدى الأمم المتحدة. أما أن تكون واشنطن قد وضعت بصورة رسمية شرطاً مباشراً يربط الموافقة على الهدنة بمنح التأشيرة، فذلك ما يزال مستنداً إلى الرواية الواردة في الرسالة السودانية والمصادر التي تحدثت للوكالة، وليس إلى إعلان أميركي رسمي. وهذه مسافة مهمة في قراءة حدث بهذا الحجم.
لكن السياق السياسي يجعل المسألة أبعد من إجراء إداري. فواشنطن كانت قد دفعت خلال الأسابيع الماضية باتجاه هدنة إنسانية، كما طرح مسعد بولس والسفير الأميركي لدى الأمم المتحدة مايكل والتز في «فورين بوليسي» رؤية تدعو إلى توسيع حظر السلاح باعتباره مدخلاً لوقف الحرب. وبذلك أصبحت أمامنا رؤيتان منشورتان في المنبر نفسه خلال أقل من ثلاثة أسابيع، رؤية أميركية تجعل وقف تدفق السلاح والهدنة مدخلاً أساسياً للسلام، ورؤية سودانية رسمية تجعل السيادة ووحدة الجيش ومنع إعادة تموضع الدعم السريع شروطاً لبناء سلام مستدام.
ويمنح تتابع الحدثين دلالة إضافية للمشهد. فالبرهان استخدم «فورين بوليسي» لمخاطبة دوائر صنع القرار الغربية، ثم وجد نفسه بعد يوم واحد أمام أزمة وصول إلى أهم منصة دبلوماسية دولية في نيويورك. ولذلك، بصرف النظر عن الكيفية التي ستنتهي بها مسألة التأشيرة، فإن الأزمة تكشف حجم الفجوة بين الخرطوم وواشنطن حول ترتيب خطوات إنهاء الحرب.
الهدنة في ذاتها ليست المشكلة. السودان يحتاج إلى وقف نزيف الدم وإيصال الغذاء والدواء وحماية المدنيين، لكن جوهر القضية يتعلق بما سيترتب على انتهاء الأيام التسعين وما إذا كانت الهدنة ستفتح الطريق أمام تسوية دائمة أم تعيد إنتاج الحرب بشروط جديدة.
إذا كانت الأشهر الثلاثة مجرد تجميد للجبهات بينما تبقى القوات في مواقعها، وتظل خطوط الإمداد مفتوحة، ويعاد خلالها بناء القدرات العسكرية، فإن الهدنة قد تؤجل الحرب بدلاً من إنهائها. أما إذا ارتبطت بآليات مراقبة صارمة، ووقف الإمداد الخارجي، وترتيبات واضحة للمناطق المدنية، ومسار محدد يقود إلى وقف دائم للنار وترتيبات أمنية وسياسية، فإنها يمكن أن تتحول من هدنة تكتيكية إلى بداية عملية سلام حقيقية. وهذا تحديداً هو المجال الذي ينبغي أن تتحرك فيه الخرطوم.
الخطأ سيكون أن تختزل الحكومة موقفها في رفض الهدنة أو قبولها. الأفضل أن تنتقل من موقع الرد على المقترحات إلى موقع تقديم البدائل التفصيلية. عليها أن تؤكد للمجتمع الدولي استعدادها لوقف الحرب، ولكن وفق خريطة طريق مكتوبة تحدد التزامات الأطراف، وآلية الرقابة، ومصير القوات داخل المدن، وكيفية التعامل مع الإمداد الخارجي، وإجراءات التعامل مع خرق الاتفاق، والخطوة التالية بعد انتهاء التسعين يوماً.
كما ينبغي ألا تتحول أزمة التأشيرة إلى معركة انفعالية مع الولايات المتحدة. القضية القانونية والدبلوماسية المتعلقة بالتزامات الدولة المضيفة للأمم المتحدة ينبغي أن تُدار عبر الأمم المتحدة والقنوات الرسمية، بينما يستمر الحوار السياسي مع واشنطن حول جوهر الخلاف. فالدبلوماسية الناجحة لا تحول كل خلاف إلى قطيعة، ولا تسمح في الوقت نفسه بأن يتحول الضغط إلى بديل عن التفاوض.
والأهم أن الخرطوم تحتاج الآن إلى تحرك دبلوماسي أوسع. مصر والسعودية وتركيا وقطر والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية، إلى جانب روسيا والصين والدول الأفريقية المؤثرة، يمكن أن تكون جزءاً من بناء مساحة تفاوضية تمنع اختزال الملف السوداني في معادلة ثنائية بين واشنطن والخرطوم. السلام السوداني يحتاج إلى دعم دولي واسع، لكن ملكية العملية السياسية نفسها يجب أن تبقى سودانية.
ما سيحدث بعد ذلك يتوقف على إدارة الطرفين لهذه اللحظة. قد تُحل أزمة التأشيرة باعتبارها خلافاً مؤقتاً، وقد تتحول إلى مؤشر على مرحلة أشد توتراً في العلاقة مع واشنطن. وقد تتطور هدنة التسعين يوماً إلى أساس لمفاوضات أوسع إذا جرى الاتفاق على شروطها وضماناتها، أو تصبح نقطة خلاف جديدة إذا حاول كل طرف استخدامها لتحسين موقعه قبل العودة إلى القتال. هذه سيناريوهات وليست نتائج محسومة. لكن المؤكد أن السودان دخل مرحلة جديدة من الحرب، أصبحت فيها المعركة الدبلوماسية موازية للمعركة العسكرية.
مقال البرهان يقول إن الخرطوم تريد أن تكتب شروط سلامها من داخل السودان. والتحركات الأميركية تقول إن واشنطن تريد تسريع وقف القتال وفق تصور تراه قابلاً للتنفيذ. وبين الرؤيتين توجد مساحة كان ينبغي أن تكون مكاناً للتفاوض، لا ساحة لاختبار الإرادات.
التحدي أمام الحكومة السودانية الآن هو أن تحول شعار «السلام السوداني» إلى مشروع سياسي ودبلوماسي كامل، بمراحل وضمانات ومواقيت وآليات تنفيذ، وأن تقدم للعالم بديلاً يصعب رفضه بدلاً من الاكتفاء برفض ما يقدمه الآخرون.
وفي المحصلة، فإن حماية السيادة تتطلب مشروعاً واضحاً للدولة، مثلما يتطلب الوصول إلى السلام ترتيبات تتجاوز حدود الهدن المؤقتة. وبين الاثنين تحتاج الدولة إلى شيء أكثر صعوبة، أن تعرف ما تريد، وأن تضعه في مشروع قابل للتنفيذ، وأن تمتلك من الدبلوماسية ما يكفي لجعل الآخرين يتعاملون معه باعتباره طريقاً للحل.
وعندها يمكن أن يتحول مبدأ السلام السوداني من موقف معلن في مقال إلى مشروع تملكه الدولة، ويسانده المجتمع الدولي، من دون أن ينتزع منها حق تحديد وجهته.



