الأخبار

انتخابات لبنان و السودان نفس (الحصائل )والملامح ٢-٣

✍️ د. كرار التهامي

الطائفة ام التوظيف الطائفي ؟

عطفا على المقال الاول الذي كتبته في سلسلة هذه المقالات تطرق دكتور الصادق الهادي في مقال بعنوان (التشابه بين التجربة السودانية والتجربة اللبنانية) ليصحح بعض المفاهيم حول مصطلح الطائفة ودكتور الصادق يتمتع بقدر عال من الموضوعية ودماثة الخلق والتواضع فمع نشر مقاله لم يتوان في ان يرسل لي رسالة يحيطني فيها علما بمقاله الذي نفى فيه اوجه الشبه بين التجربتين اللبنانية والسودانية كرد غير مباشر على ما اوردته من توصيف لمشكلات لبنان السياسية والتقاطع بين احداثيات السياسة اللبنانية والسودانية .

▪️ما ذكره دكتور الصادق لا خلاف حوله بيد انه ركز فقط على موضوع (الطائفية) دون سواها من تعقيدات الديمقراطية اللبنانية والعوامل الحقيقية التي تعمق الصراع وتقود الى الانفجارات التي تكتنف مسيرة الحياة السياسية هنالك والتي حتى ان هدأت الاحوال تظل ارتداداتها تهدد السلم والاهلي واستقرار الدولة والاقتصاد.


▪️لم اتطرق في مقالي الاول بكثير اهتمام لموضوع (الطائفية) كامر منفصل لعدم اهميته فقراءة الواقع اللبناني تتم بتشريح الصورة الكلية وجرد اوجه الشبه الاخرى التي قد تؤشر الى مصائر متماثلة و مخاطر مثيلة تحدق بالديمقراطيات الاخرى وديمقراطيتنا على وجه الخصوص ،، ومن بينها المنزع العرقي المتنامي والكراهية المكتسبة التي اصبحت جزءا من الثقافة الشعبية تحفزها وتغذيها ماكينات حزبية حتى بين عامة الناس فاصبح الخطاب السياسي مقيتا ومفعما بالعداوة كذلك النمو الغير طبيعي لمؤسسات العنف وعجز الدولة عن احتكار العنف والسلاح وهشاشة الدولة وارتفاع وتيرة الهواجس المناطقية و ثقافة المحاصصات التي شاعت وخطاب التمييز العرقي والشعبوي والعدواة الفكرية والانفلات الامني الذي اصاب السودان في واحد من اهم عناصر تميزه ؛ السلام المجتمعي والامان الذي كان يتفاخر بهما السوداني امام اقرانه من افارقة وعرب ،كذلك الادهى والامر والاخطر (اليد الغريبة ) التي تمتد من الخارج لاشعال نيران العداوة تحت غطاء المصالحات فتعكر قاصدة او غير قاصدة صفو العلائق وتذكي اوار الضغناء والبغضاء فما دخلت قدم غريبة او امتدت يد من الخارج في بلد الا فرقت اهله و اظهرت مكتوم العداوة فيهم وقسمت اهله الى فصائل متباينة على قاعدة القهر والاقصاء و ليس على قاعدة الديمقراطية والالتقاء على عكس المجتمعات التي تقدر على حل خلافاتها بنفسها لايجد الغريب فيها غنما قاصية
▪️ان تقاطع التجربة اللبنانية والتجربة السودانية في معظم هذه العوامل هو الموشر على المآلات المفجعة رغم ان التجربة اللبنانية تأقلمت على هذه الانحرافات و روضتها داخل خطوطها الحمراء الرفيعة القابلة للانشطار.


▪️ولان التجاريب السياسية تعيد انتاج نفسها في بيئات سياسية متشابهة بذات الانماط مما يقتضي الانتباه لحركة التاريخ من حولنا
▪️اما فيما يخص (الطائفية )كمصطلح او مفهوم سياسي هلامي فلقد شاع بين الناس ربط مفهوم الطائفية بالاحزاب التقليدية في السودان وهو امر غير صحيح و تم استخدامه سياسيا مع سبق الاصرار لتشنيف هذه الاحزاب و لتشويه تاريخها وحاضرها ذلك منذ بداية تأسيس هذه الاحزاب في الاربعينات من القرن الماضي وانقسام الخريجين الى منبرين ابويين ودخول حركات النضال الحديثة من رحاب ساحات النضال النخبوي وشعارات الحداثة الى كنف المزابنة والمال السياسي لقد حدث تسيب في الاستدلال بهذا المصطلح الغامض واستخدمه الناس مجازا فالطائفية في السودان ليس عميقة الجذور وليست خبيثة non malignant وتفتقر للاطار العقائدي الصارم و هي مخترقة فكريا واثنيا ومناطقيا و هي مستأنسة وعابرة للقبائل والهويات ومنفتحة على الاخر مما يخرجها من دائرة التصنيف الطائفي المغلق بمفهومها التقليدي كما في اشارات المفكر سلامة كيلة للطائفة بانها الجماعة البشرية التي لديها معتقدات دينية معينة تشكلت في الماضي وتضم اشخاصاً ولدوا على معتقد معين ولبعضهم حظوة،،،، وفي التوصيف الماركسي حسب سلامة فهي تعبير عن تصوّر طبقي أيديولوجي لفئة مجتمعية .ليس ذلك هو التعريف الوحيد للطائفة فهذا امر يتباين من تفسير لاخر ومن فلسفة لاخرى و لان المصطلح ابن بيئته فمن الخطأ تفسيره خارج السياق الاخلاقي والقيمي في البيئة التي ينشأ فيها


▪️وبهذا المعني وغيره من التفاسير ليس هنالك حزباً (طائفياً) في السودان بالمعنى الحرفي ومن الصعب ان نجزم بان السياسة السودانية تعاني من تلك (الطائفية) المتنفذة في كثير من بلدان العالم الثالث او المشار اليها في الادبيات السياسية كحالة لبنان مثلا و ان المصطلح فضفاض يقبل التأويل والتفسيرات المتباينة ويمكن تنزيله على الجميع حسب الممارسة.

▪️في لبنان مثلا كما اشار دكتور الصادق استقرت الطائفية وتموضعت في القانون السياسي وفرضت شروطا للمساكنة السياسية ورسمت خطوط القانون لتتناسب مع كنتورها الاجتماعي فالقانون يقنن الطائفية ويقسم كعكة السلطة على اساسها
لكن عودا على توصيف المفكر سلامة كيلة في اشارته للفرق بين (الطائفية )و (التوظيف الطائفي )حيث يمكن ان تقوم طبقة او جماعة باستخدام المعتقدات او الارث السياسي او المقدسات التاريخية لتاسيس واقع غير قابل للتغيير هذا مايحدث في السودان باشكال متابينة ووسط كل الاحزاب حتى في اليمين واليسار حتى التي تدعي التقدمية فالعديد من الاحزاب السودانية ترزح في الابوية وتعتقد في مشروعية التأسيس الى درجة التملك والتوريث احيانا تحت غطاء ديمقراطي شفاف ورهيف وتعجز في كثير من الاحيان من الانعتاق من النفوذ الابوي والبطريركي الذي تمتد ظلاله في الاجيال المتعاقبة واستمرار زعامة لا ينتهي اوانها تُجدد لها البيعة كلما انصرمت اسباب جدتها وانقشعت هواطل عطائها وقلت مروءتها و ذلك ضرب من (التوظيف الطائفي) وتقع فيه احزاب تقدمية واحزاب تقليدية على حد سواء فبقاء شخص واحد على رأس الحزب لفترات متطاولة ليس له تفسير سوى ان الحزب يعاني من اشكالات (التوظيف الطائفي) اذ يصنع الحزب شخصا واحد يتحول الشخص توهماً الى ( بطل ) Hero لاتتكرر نسخته الاصلية كانه مخلوق من نار واتباعه من طين وتترسخ الصورة في الذهن فلا يستطع النخبويون والمتعلمون في الحزب او العوام من مقاومة فكرة (البطل ) الخالد او تنشيط فكرة ان هنالك بديل للبطل وان (حواء ولودة ) يحدث ذلك المسلك في احزاب اليسار واليمين دون استثناء حيث تتطاول قيادة الرجل الواحد لعقود في مسلك قطيعي وغير ديمقراطي تسبب في وهن هذه الاحزاب وفي عدم قدرتها على التطور والتجديد وفي تحول انتماء النخب في تلك الاحزاب الى مزابنة clientelism وانصياع ذلك مقارنة باحزاب في بلدان كثيرة لا ترهن تاريخها وقوتها (بالقانون) لرجل او زعيم ملهم واحد و تمتلك الارادة على التغير والتجديد المنهجي وفقا لقوانينها الخاصة او القانون العام فهي اكثر ديناميكية واقل فسادا وشخصانية حيث لا يوجد بطل (ملهم )يحد مسارها او يقرر مصيرها ولا تتوقف او تتاخر بسبب فوات احد او مواته ولسان حالها ماقاله نابليون ” ان في هذه المقابر اناس كثيرين كانوا يعتقدون ان الدنيا لا تسير بدونهم”


▪️وبشكل عام -ومن عبر التجارب الاخرى وبالنظر الى حالة لبنان-اذا اراد السودانيون لتجاربهم الديمقراطية ان تستقر في المستقبل ولا تتسمر امام حائط مسدود من العجز والتوهان والصراعات البينية المؤذية فليحصنوا كل احزابهم من (التوظيف الطائفي) بالقانون العام او الخاص ويشرعوا الحد الاقصي لرئاسة الحزب وقيادة الدولة بحيث لا تزيد عن اعوام محدودة ولدورتين والحزب الذي لايستوف هذا الشرط الديمقراطي يحجب تسجيله قانونا ،،،


▪️ان تنقية الاحزاب من هذه الشوائب هو واحدة من الضمانات لصيانة الديمقراطية والتطور الحزبي وبالتالي تطور المشروع السياسي في السودان وتفادي هذه الارتكاسات
نواصل

اترك رد

error: Content is protected !!