أهل الطريق

اللجنة العلمية للطريقة السمانية : حكم صلاة الجمعة إذا وافقت يوم العيد

الشيخ محمد الشيخ حسن الشيخ الفاتح الشيخ قريب الله

—-

الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله عدد كمال الله وكما يليق بكماله


أما بعد
فإن مسألة موافقة الجمعة ليوم عيد وهل تسقط صلاة الجمعة عمن حضر صلاة العيد من المسائل التي يتجدد النقاش فيها كلما تكررت ، فأردنا أن نبين بعضا من أدلة جمهور فقهاء الإسلام الراسخون ومنهم المالكية أعزهم الله نذكرها مع الاختصار والإيضاح إن شاء الله تعالى .

اعلم _ زادك الله توفيقا واقتداء وكمال تأس بحضرة سيدنا رسول الله صلى الله عليه _ : أن الجمعة إذا وافقت يوم العيد ينبغي على المسلم أن يصلي العيد استنانا ، ثم يصلي الجمعة وجوبا ولا يحل له أن يتخلف عن الجمعة ويصليها ظهرا ؛ لأن شهود صلاة العيد ليس عذرا يبيح التخلف عن صلاة الجمعة، فإن فعل ذلك وصلى الجمعة ظهرا فقد أخطأ وأثم إثما كبيرا يجب عليه التوبة والاستغفار منه حتى لا يدخل في دائرة الوعيد الذي أشار له سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات او ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين. رواه مسلم .

هذا هو الذي عليه جماهير علماء الإسلام كما نص عليه جمهور علماء المذاهب الفقهية باستثناء الإمام أحمد بن حنبل ومن التابعين عطاء بن أبي رباح كما ذكره سيدي العدوي في حاشيته على الخرشي على مختصر خليل.
ولكن هناك مسائل مهمة تتعلق بهذه المسألة يجب أن تعرفها، وهي على النحو التالي :

أولا :
إن صلاة العيد حكمها أنها سنة عينية مؤكدة للذكر البالغ المقيم ببلد الجمعة، وتندب في حق المرأة والصبي والمسافر والبعيد عن بلد الجمعة بأكثر من ثلاثة أميال، فمن أمر بالجمعة وجوبا يؤمر بالعيد استنانا ، ومن لم يؤمر بالجمعة وجوبا أمر بالعيد استحبابا.
ثانيا:
إن من لم يخاطب بصلاة العيد استنانا كالنساء أو من فاتته الصلاة أو تخلف عنها لعذر يجوز لهم حينئذ أن يصلوها أفذاذا أو جماعة.
ثالثا:
وقت صلاة العيد يبدأ من حل النافلة (وهو ارتفاع الشمس بعد شروقها مقدار رمح، أي تقريبا بعد ربع ساعة من تكامل ظهور قرص الشمس فوق سطح الأرض) ويستمر وقتها لزوال الشمس عن كبد السماء،وهو أول وقت صلاة الظهر.
رابعا:
صلاة الجمعة يبدأ وقتها من زوال الشمس عن كبد السماء ويستمر إلى غروب الشمس.
خامسا:
لم يرد أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ترك صلاة الجمعة لأجل أنه صلى العيد ،بل الثابت عنه بأبي هو وأمي صلى الله عليه وآله وسلم خلاف ذلك كما سيأتي بيانه.
أيضا صلاة العيد سنة وصلاة الجمعة فرض، والسنة لا تقوم مقام الفرض، ولكن الفرض يقوم مقام السنة ويسقط الطلب بها، كما في تحية المسجد فمن وجد الإمام في الفريضة فنوى مع أداء الفريضة سنة تحية المسجد أجزأته وحصل له ثواب التحية، ومثل ذلك من عليه قضاء من رمضان فصامه ونوى معه صيام الست من شوال حصل له ثواب القضاء وثواب صيام سنة الست من شوال، وكمن عليه غسل جنابة ونوى معه سنة غسل الجمعة حصل له ثوابهما لكن مع تقديم نية غسل الجنابة.
أما نيابة السنة عن الفريضة فلا يعرف له مثال في الشرع الحنيف حتى يقاس عليه سقوط فرض الجمعة عمن شهد صلاة العيد. فإن كانت صلاة الجمعة لا تسقط صلاة العيد وهو أضعف، فالأولى أن لايسقط الأضعف الآكد والأقوى.
سادسا:
شهود صلاة العيد لا يسقط فرض الجمعة والدليل على ذلك قول الله تعالى:(يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوۡمِ ٱلۡجُمُعَةِ فَٱسۡعَوۡاْ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلۡبَيۡعَۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ) فلم يحصل استثناء من أمر المؤمنين بوجوب السعي للجمعة بسبب حضور صلاة العيد،فدل هذا على أن الآية عامة شاملة لمن حضر العيد ومن لم يحضره، نعم الخلاف موجود بين أهل العلم في أهل البادية،أي القرية التي لا مسجد جامع فيها، إن شهدوا صلاة العيد مع الإمام، فذهب بعض أهل العلم إلى أن أهل البادية إذا كانوا خارج بلدة الجمعة بفرسخ وهو ثلاثة أميال فأقل فللإمام الحق في أن يأذن لهم بعدم حضور الجمعة ويصلونها ظهرا إن شاءوا، وذهب جماعة إلى أن أهل البادية إذا كانوا يسكنون على مسافة ثلاثة أميال فأقل من مسجد الجمعة فليس للإمام حق في أن يأذن لهم بالتخلف عن صلاة الجمعة، وإن أذن لهم فإذنه كالعدم وهذا هو القول المعتمد عند السادة المالكية كما نص عليه سيدي الشيخ خليل في المختصر وقرره شراحه كالقطب الدردير والعلامة الشيخ محمد عليش.
فعلم من هذا أن الخلاف بين العلماء منحصر في من كان من أهل البادية بقرية تبعد عن مسجد الجمعة بثلاثة أميال فأقل، أما من كان يبعد مسافة أكثر من ذلك فلا خلاف في عدم وجوب الجمعة عليه.
سابعا:
روى الإمام مالك في الموطأ عن ابن شهاب عن أبي عبيد مولى ابن أزهر :”أنه شهد العيد مع عثمان بن عفان رضي الله عنه : فجاء فصلى ثم انصرف فخطب وقال : إنه قد اجتمع لكم في يومكم هذا عيدان، فمن أحب من أهل العالية أن ينتظر الجمعة فلينتظرها، ومن أحب أن يرجع فقد أذنت له”.
والعالية مكان خارج المدينة كان يبعد عن المسجد النبوي مسافة أقلها ثلاثة أميال وأكثرها ثمانية أميال.
وأهل العالية أصلا صلاة الجمعة ليست واجبة عليهم؛لأنهم خارج بلدة الجمعة. لذا لا إشكال في عدم مخاطبتهم بالجمعة وإنما فرضهم صلاة الظهر فقط، لا سيما وأن في مكثهم بالمدينة من صلاة العيد إلى مابعد صلاة الجمعة مشقة تنالهم، وكذا لو شهدوا العيد ثم رجعوا أهلهم ثم عادوا لصلاة الجمعة.
ثامنا:
روى الإمام أحمد وأبوداود والنسائي وابن ماجه والحاكم عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه،وقد وقع العيد يوم جمعة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:” قد اجتمع في يومكم هذا عيدان فمن شاء أجزأه عن الجمعة،وإنا مجمعون”.
فاسم الموصول (من) وإن دل على العموم، أي سواء كان من أهل العالية أو أهل المدينة المنورة_ زادها الله تشريفا_ إلا أنه محمول على أهل العالية؛ لأجل الجمع بينه وبين حديث سيدنا عثمان بن عفان، وجمعا بينه وبين عموم قوله تعالى (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوۡمِ ٱلۡجُمُعَةِ فَٱسۡعَوۡاْ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِ).
ثم انظر إلى قوله صلى الله عليه وآله وسلم: “وإنا مجمعون” أي سنصلي صلاة الجمعة، وانظر كيف يدل هذا الحديث النبوي الشريف على أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يترك صلاة الجمعة مع كونه صلى العيد.
تاسعا:
قال الإمام أبوعبدالله القرطبي في تفسيره لآية :(يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوۡمِ ٱلۡجُمُعَةِ فَٱسۡعَوۡاْ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلۡبَيۡعَۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ)،رادا على من يقول: إن الجمعة تسقط عمن شهد صلاة العيد قال رضي الله عنه: “والأمر بالسعي، أي للجمعة في هذه الآية، متوجه يوم العيد كتوجهه في سائر الأيام، أي أن الآية عامة في وجوب السعي لمن شهد العيد ومن لم يشهده. وفي صحيح مسلم عن الصحابي النعمان بن بشير رضي الله عنهما،قال: “كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ في العيدين وفي الجمعة ب (سبح باسم ربك الأعلى) وب(هل أتاك حديث الغاشية) وإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد يقرأ بهما أيضا في الصلاتين”. وأخرجه أبوداود والترمذي والنسائي وابن ماجه”. انتهى كلام الإمام القرطبي
فاستدلال الإمام القرطبي بهذا الحديث أن سيدنا رسول الله،صلى الله عليه وآله وسلم، قرأ في العيد والجمعة عند وقوعهما في يوم واحد بهاتين السورتين في الصلاتين معا، فدل هذا على أنه_ صلى الله عليه وآله وسلم _ صلاهما معا، ولم يترك_ بأبي هو وأمي صلى الله عليه وآله وسلم_ صلاة الجمعة لأجل أنه صلى العيد كما هو واضح وظاهر.

فدل هذا البحث على أن من صلى العيد يجب عليه شرعا أن يصلي صلاة الجمعة ولا تسقط عنه أبدا ،ما لم يحصل له عذر من الأعذار الشرعية التي تبيح التخلف عن صلاة الجمعة.
والله ورسوله أعلى وأعلم.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله عدد كمال الله وكما يليق بكماله، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

وكتبه:
د. ابن عمر محمد صالح حسين
عميد كلية الدراسات التقنية والتنموية جامعة أم درمان الإسلامية.
وعضو مجمع الفقه الإسلامي السوداني.

اترك رد

error: Content is protected !!