
حرب المنافذ البحرية في الشرق الأوسط، بين هرمز وباب المندب، تكشف عن صراع معقد يتجاوز حدود الإقليم ليصبح أزمة عالمية تهدد استقرار الاقتصاد الدولي. فإغلاق إيران لمضيق هرمز ضمن إجراءاتها لحماية أمنها القومي أدى إلى اضطراب واسع في أسواق الطاقة، حيث تجاوز سعر النفط حاجز المئة دولار للبرميل وسط غياب بدائل قادرة على تعويض الإمدادات الخليجية. هذا الوضع جعل السيطرة على أسعار النفط والغاز شبه مستحيلة، وأدخل الاقتصاد العالمي في دائرة من القلق المتصاعد.
في المقابل، يبرز باب المندب كمنفذ استراتيجي بديل، إذ تشير تقارير من وكالات مثل رويترز وواشنطن بوست إلى أن الولايات المتحدة كثفت وجودها العسكري في البحر الأحمر وخليج عدن، بالتنسيق مع قوى أوروبية وعربية، لضمان السيطرة على هذا الممر الحيوي قبل أي تدخل بري محتمل في إيران. ويرى بعض المحللين أن المفاوضات المعلنة ليست سوى غطاء سياسي لإخفاء التحركات العسكرية في اليمن، حيث يُتوقع أن يبدأ التحالف بعملية ضد الحوثيين للسيطرة على المضيق عبر هجوم بري‑بحري مشترك.
في الوقت نفسه، تتحرك مصر وتركيا وباكستان في مسار دبلوماسي يهدف إلى خفض التصعيد وفتح نافذة للتسوية السياسية، لكن المفاوضات ما تزال في بداياتها وتواجه عقبات كبيرة بسبب تمسك الأطراف بشروط معقدة تشمل وقف العمليات العسكرية، ضمانات أمنية متبادلة، إعادة فتح الممرات البحرية، آليات رقابة دولية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول. ورغم أهمية هذه البنود، فإن الهوة بين المواقف تجعل فرص النجاح محدودة، وهو ما يعزز المخاوف من فشل الوساطة.
السيناريوهات المحتملة تبدو متباينة؛ نجاح التحالف في السيطرة على باب المندب سيمنحه منفذًا آمنًا لإمداد قواته، مما يمهد الطريق لتدخل مباشر في إيران، بينما فشل العملية سيؤدي إلى اضطراب أكبر في الملاحة العالمية وارتفاعات قياسية في أسعار الطاقة، وربما اتساع رقعة الحرب لتشمل أطرافًا إقليمية ودولية أخرى. وفي ظل تهديد الحوثيين بإغلاق المضيق، شهدت قناة السويس بالفعل انخفاضًا في العائدات نتيجة عزوف السفن عن المرور، ما كبّد مصر خسائر اقتصادية كبيرة، وزاد من هشاشة التجارة الدولية.
الأوضاع الراهنة لا تبشر بانفراج قريب، بل تنذر بأزمات جديدة، أبرزها أزمة الغذاء التي بدأت تلوح في الأفق في دول تعتمد على واردات خارجية. ومع وجود مؤشرات على أن الولايات المتحدة وإسرائيل تتهيآن لتدخل بري واسع النطاق مستندتين إلى البند السابع لمجلس الأمن، فإن المنطقة قد تكون على أعتاب مواجهة شاملة تهدد بتغيير النظام الإيراني بالقوة العسكرية. هذا السيناريو، إذا تحقق، قد يشكل شرارة لحرب عالمية ثالثة، حيث لن تكون إيران وحدها المستهدفة، بل ستتأثر دول الجوار بشكل مباشر.
في النهاية، يبقى المسار الدبلوماسي الذي تقوده مصر وتركيا وباكستان هو الأمل الوحيد لتفادي الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة، لكن نجاحه يتوقف على قدرة الأطراف المتصارعة على تقديم تنازلات حقيقية. وإذا ما تمكنت إيران من الصمود أمام الضغوط العسكرية والسياسية، فإنها قد تخرج من هذه الأزمة كقوة إقليمية صاعدة، وهو ما تعتبره إسرائيل تهديدًا وجوديًا لمكانتها. الأيام المقبلة وحدها ستكشف ما إذا كانت المنطقة ستتجه نحو التهدئة والتعافي، أم نحو مواجهة شاملة تعيد رسم خارطة الشرق الأوسط بالكامل.
٢٨ مارس ٢٠٢٦



