الرواية الأولى

نروي لتعرف

هموم وقضايا / السفير د. معاوية التوم

السودان وروسيا: من إرث فاغنر إلى رهانات البحر الأحمر:قراءة في حصيلة زيارة البرهان إلى موسكو وآفاق الشراكة في ظل الحرب والتنافس الدولي!؟

السفير د. معاوية التوم


لم تكن زيارة رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى موسكو هذا الأسبوع، والمشاركة في أعمال القمة الروسية الأفريقية، مجرد مشاركة بروتوكولية في مناسبة متعددة الأطراف، أو محطة عابرة في مسار العلاقات الثنائية؛ فقد جاءت في سياق إقليمي ودولي بالغ التعقيد، تتداخل فيه حسابات الأمن الأفريقي مع تنافس القوى الكبرى، وتتقاطع فيه المصالح العسكرية والاقتصادية مع الجغرافيا الاستراتيجية للبحر الأحمر والقرن الأفريقي.
ومع أن القمة الروسية الأفريقية مثلت الإطار الأوسع للزيارة، فإن حصيلتها تجاوزت أجندة العلاقات الأفريقية الروسية العامة، لتصيب في صميم عدد من الملفات السودانية المهمة، وفي مقدمتها الحرب وتداعياتها، والتعاون العسكري والأمني، ومستقبل الوجود الروسي في البحر الأحمر، والتعدين والموارد الطبيعية، ومواقف مجلس الأمن، فضلاً عن إعادة تموضع السودان في شبكة علاقاته الدولية.
لقد جاءت الزيارة في لحظة يبحث فيها السودان عن توسيع خياراته الاستراتيجية، وإعادة بناء علاقاته الخارجية على أسس تحفظ سيادته ووحدة مؤسساته، بينما تسعى روسيا إلى تعزيز حضورها الأفريقي، وتوسيع شراكاتها في منطقة تتزايد أهميتها في حسابات التنافس الدولي.
ومن هنا تبرز أهمية قراءة الزيارة باعتبارها محطة في مسار إعادة تشكيل العلاقة بين البلدين، لا مجرد مناسبة لتبادل المواقف والتأكيد على عمق الروابط التاريخية والتحولات الدولية على أشدها.

سبعون عاماً من العلاقات.. التاريخ الذي يفسر الحاضر
تعود العلاقات الدبلوماسية السودانية الروسية إلى عام 1956، عام استقلال السودان، وقد مرت خلال سبعة عقود بمراحل مختلفة من التقارب والتباعد، لكنها احتفظت برصيد مهم من التعاون السياسي والعسكري والتعليمي والاقتصادي.
وخلال الحرب الباردة، أسهم الاتحاد السوفيتي في بناء جانب من القدرات العسكرية والفنية السودانية، سواء عبر التسليح والتدريب أو توفير الخبرات الفنية، كما امتدت العلاقات إلى التعليم والطب والتعاون الأكاديمي والتقني والتبادل الثقافي .
وقد شكلت المنظومات العسكرية ذات المنشأ السوفيتي والروسي تاريخياً جزءاً من بنية التسليح السودانية، الأمر الذي جعل التعاون الفني والصيانة والتحديث وقطع الغيار من الملفات المستمرة في العلاقة، حتى مع تنوع مصادر التسليح السودانية خلال العقود الماضية.
ولم تكن موسكو بعيدة كذلك عن القطاعات الاقتصادية السودانية، ولا سيما التعدين والذهب، حيث تداخلت المصالح التجارية والاستثمارية مع اعتبارات النفوذ الجيوسياسي.
وعليه، فإن تطوير العلاقات اليوم لا يبدأ من فراغ، وإنما يستند إلى تاريخ طويل من المصالح والتجارب، وإن كانت الحرب الحالية قد أضافت إليها أبعاداً أكثر حساسية وتعقيداً.

الحرب السودانية وإعادة تشكيل الحسابات الروسية
منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، دخلت العلاقات السودانية الروسية مرحلة جديدة، فرضتها طبيعة الصراع وتعدد الأطراف الخارجية المتداخلة فيه، فضلاً عن الأهمية الجيوسياسية للسودان في معادلات البحر الأحمر وأفريقيا.
ويبرز التعاون العسكري في مقدمة هذه الملفات، بالنظر إلى احتياجات القوات المسلحة السودانية في مجالات التسليح والصيانة والتأهيل والتدريب وتطوير القدرات الدفاعية، خاصة أن جانباً من منظوماتها العسكرية يرتبط بالتكنولوجيا الروسية والسوفيتية.
لكن قراءة هذا الملف لا تكتمل دون التوقف عند تجربة مجموعة فاغنر، التي مثلت أحد أكثر فصول الحضور الروسي تعقيداً في السودان.
فقد ظلت فاغنر موجودة في السودان خلال السنوات السابقة للحرب، وارتبطت في ذات الوقت بعلاقات وثيقة مع قوات الدعم السريع المتمردة، وبنشاط اقتصادي وأمني تمحور جانب مهم منه حول الذهب والتعدين. كما ارتبط اسمها بالدعم اللوجستي والعسكري والتدريب، وبانخراط عناصر وشبكات تابعة لها في المشهد الميداني مع بدايات الحرب.
ولم يكن ذلك مجرد حضور اقتصادي روسي تقليدي، بل مثل نموذجاً للنفوذ الذي تمارسه التشكيلات العسكرية والأمنية غير النظامية، خارج الأطر المعتادة للعلاقات الرسمية بين الدول.
وبعد تمرد فاغنر في يونيو 2023 ومقتل قائدها يفغيني بريغوجين في أغسطس من العام نفسه، بدأت مرحلة جديدة من إعادة ترتيب الوجود الروسي الخارجي، وانتهى الوجود الميداني للمجموعة في السودان بخروج آخر مجموعة من عناصرها او انتقالات الي الداخل الافريقي.
وقد أتاح ذلك تجاوز مرحلة شديدة التعقيد في العلاقة السودانية الروسية، خاصة مع ما صاحب تجربة فاغنر من ارتباطات بقوات الدعم السريع، وتداخل المصالح الاقتصادية والعسكرية في بيئة الحرب.
غير أن خروج المجموعة لا يعني انتهاء جميع آثارها وشبكاتها ومصالحها الاقتصادية، ولا يعني بالضرورة تراجع اهتمام موسكو بالسودان. بل إن السؤال الأهم أصبح متعلقاً بطبيعة النموذج الذي ستعتمده روسيا في المرحلة المقبلة: هل تنتقل من نموذج التشكيلات شبه العسكرية والشبكات الموازية إلى شراكة حكومية مباشرة مع مؤسسات الدولة السودانية؟
وهنا تكمن مصلحة السودان في أن تكون العلاقة المقبلة أكثر وضوحاً وانضباطاً، تقوم على اتفاقيات معلنة ومؤسسات رسمية، بعيداً عن شبكات النفوذ الموازي أو الترتيبات التي تضع المصالح الاقتصادية فوق اعتبارات السيادة الوطنية والشرعية القائمة.

القاعدة البحرية.. الجغرافيا التي لا تغيب عن حسابات موسكو والغرب
يظل مشروع القاعدة البحرية الروسية في بورتسودان أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقات بين البلدين، لما يمثله من ارتباط مباشر بأمن البحر الأحمر والممرات البحرية الدولية، وانعكاسات ذلك على القوى الوازنة الأخرى في المنطقة .
فالسودان يمتلك ساحلاً استراتيجياً على البحر الأحمر، بالقرب من واحد من أهم الممرات التجارية والبحرية في العالم، وهو ما يمنحه قيمة تتجاوز حدوده الجغرافية والاقتصادية، في سياق التحولات التي يشهدها مضيق هرمز وباب المندب على سلاسل الامداد والغذاء.
وقد شهدت السنوات الماضية مباحثات بشأن إنشاء مركز لوجستي بحري روسي في بورتسودان، وتناولت الترتيبات المطروحة مدة وجود تصل إلى 25 عاماً، في إطار تفاهمات تتضمن تعاوناً عسكرياً وتقنياً.
لكن المشروع لم يتحول إلى وجود عسكري روسي نافذ على الأراضي السودانية، وظل خاضعاً للتفاوض والتقديرات السياسية والاستراتيجية، كما أشارت تقارير إلى تجميده وعدم المضي في تنفيذه خلال مراحل سابقة. غير أن عدم نفاذ المشروع لا يعني غيابه عن الحسابات في الأجندات الدولية.
فبالنسبة إلى موسكو، يمثل الساحل السوداني فرصة لتعزيز حضورها البحري في البحر الأحمر والمحيط الهندي، وتوسيع نطاق حركتها الاستراتيجية في منطقة تتزايد فيها المنافسة الدولية.
أما الولايات المتحدة والدول الغربية، فإن احتمال وجود قاعدة روسية في بورتسودان لا ينفصل عن حساباتها المتعلقة بأمن الممرات البحرية، والتوازن العسكري في البحر الأحمر، ومواقع النفوذ الدولي في القرن الأفريقي والشرق الأوسط.
ومن ثم فإن القاعدة ستظل حاضرة في الأجندة الروسية وفي التوقعات والحسابات الأمريكية والغربية، حتى إن تأخر تنفيذ المشروع أو تغيرت صيغته. وهذا ما يجعل الملف أكبر من مجرد اتفاق عسكري ثنائي؛ فهو جزء من معادلة جيوسياسية أوسع.
لكن السودان مطالب بأن ينظر إلى هذه المسألة من زاوية مصلحته الوطنية أولاً، وأن يحدد بوضوح المقابل الاستراتيجي والاقتصادي والأمني لأي اتفاق، وأثره على علاقاته بدول البحر الأحمر والقوى الدولية.

فالتجارب الدولية ومقتضيات السيادة الوطنية والمصلحة العليا، والجغرافيا تمنح السودان أوراقاً مهمة، لكنها تفرض عليه أيضاً مسؤولية إدارة تلك الأوراق بحكمة، حتى لا يتحول موقعه الاستراتيجي إلى عبء على سيادته أو إلى مدخل لصراعات الآخرين واستعادة التنافس بسلبياته على أمن السودان والمنطقة.

مجلس الأمن.. موسكو بين حماية السيادة وحسابات النفوذ
يمثل مجلس الأمن أحد أهم ميادين التقاطع بين السودان وروسيا، وقد اكتسب هذا البعد أهمية استثنائية منذ اندلاع الحرب.
ففي 18 نوفمبر 2024 استخدمت روسيا حق النقض ضد مشروع القرار البريطاني السيراليوني بشأن السودان، الذي كان يدعو إلى وقف الأعمال العدائية وتعزيز حماية المدنيين وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية.
وقد صوت الأعضاء الأربعة عشر الآخرون لصالح المشروع، الأمر الذي جعل الفيتو الروسي محطة دبلوماسية بارزة في مسار الأزمة.
وبررت موسكو موقفها بالتحفظ على الصياغات التي رأت أنها لا تراعي طبيعة النزاع وموقف الحكومة السودانية، وبالاعتراض على ما اعتبرته تدخلاً في الشؤون الداخلية للسودان.
كما عارضت روسيا توسيع نطاق حظر السلاح المفروض على دارفور ليشمل كامل الأراضي السودانية، وتمسكت بضرورة عدم تحويل الإجراءات الدولية إلى أدوات تضغط على الدولة ومؤسساتها الوطنية.
وهنا تتضح أهمية الموقف الروسي بالنسبة للخرطوم، خاصة في ظل الضغوط الغربية المتصلة بالحرب والعقوبات والمساعي الرامية إلى التأثير في مستقبل السلطة والترتيبات السياسية في السودان.
لكن القراءة الموضوعية تقتضي ألا نغفل أن موسكو تتحرك أيضاً وفق حساباتها الدولية ومصالحها في مواجهة الولايات المتحدة والدول الأوروبية.

ومن ثم فإن القيمة الحقيقية للموقف الروسي لا ينبغي أن تقاس بمجرد تعطيل مشروع قرار، وإنما بمدى استعداد موسكو لتوظيف ثقلها الدبلوماسي في دعم وحدة السودان وسيادته، ومنع تفكك مؤسساته، والمساهمة في الوصول إلى سلام مستدام.
كما أن المصلحة السودانية تقتضي توسيع دوائر التفاهم داخل مجلس الأمن، وعدم اختزال الدبلوماسية السودانية في الاعتماد على موقف دولة واحدة مهما كانت أهميته. ولكن التقارب الروسي السوداني يهدف الـ ي ايجاد شبكة امان دولية في مواجهة التحديات والضغوط الغربية ، والطموحات التوسعية لدى بعض الأطراف النافذة داخل مجلس الامن .

المعادن والذهب.. من اقتصاد الحرب إلى شراكة التنمية
إذا كان التعاون العسكري يمثل أحد الأعمدة التاريخية للعلاقات السودانية الروسية، فإن المعادن تمثل أحد أهم محركاتها الاقتصادية المستقبلية. فالسودان يمتلك ثروات معدنية متنوعة، في مقدمتها الذهب، إلى جانب النحاس والحديد والكروم والمنغنيز وغيرها من الموارد التي تتزايد أهميتها في الاقتصاد العالمي.

وقد ارتبط النشاط الروسي في السودان خلال السنوات الماضية بقطاع الذهب، سواء عبر شركات أو ترتيبات استثمارية أو شبكات تجارية، وأثارت بعض هذه الأنشطة تساؤلات حول الشفافية وعلاقة التعدين بالاقتصاد الموازي وتمويل الحرب. ولذلك فإن المرحلة الحالية تطرح فرصة لإعادة تنظيم هذا الملف على أسس مختلفة.
وقد برز التعدين والطاقة والزراعة ضمن الملفات التي طرحت خلال مباحثات البرهان مع القيادة الروسية، مع إبداء الاستعداد لتوسيع فرص الشركات الروسية في الاستثمار في استخراج الذهب والنحاس والمعادن الأخرى.
لكن نجاح هذا التوجه يتطلب الانتقال من مجرد استخراج الموارد وتصديرها إلى شراكة إنتاجية وتنموية متكاملة وترقية قدرات هذا القطاع التعديني.
فالسودان لا يحتاج إلى مجرد مشترٍ للذهب أو مستخرج للمعادن، وإنما إلى شريك يساهم في إنشاء الصناعات التحويلية، ونقل التكنولوجيا، وتدريب الكوادر الوطنية، وتطوير البنية التحتية المرتبطة بالتعدين والطاقة والنقل.
كما ينبغي أن تقوم الاستثمارات على اتفاقيات معلنة، تضمن حقوق الدولة والمجتمعات المحلية، وتخضع للرقابة المالية والجمركية، وتحد من التهريب واقتصاد الحرب.
إن الثروة المعدنية السودانية يمكن أن تكون مدخلاً لإعادة بناء الاقتصاد الوطني، إذا أحسنت الدولة إدارة عقودها وشراكاتها، ولم تسمح بأن تتحول الموارد إلى امتيازات غير متوازنة.

التكريم الأكاديمي ولقاء الكرملين.. رسائل تتجاوز البروتوكول
من التطورات اللافتة في الزيارة منح البرهان درجة الدكتوراه الفخرية من جامعة حكومية روسية، في خطوة حملت أبعاداً أكاديمية ورمزية ودبلوماسية.
فالتكريم، وإن جاء في إطار تقدير جهود تطوير العلاقات الثنائية، يكتسب دلالة تتجاوز شخص رئيس مجلس السيادة إلى مستوى الاهتمام الروسي بتعزيز علاقاتها مع القيادة السودانية في هذه المرحلة، وتقدير الإنجازات التي حققتها القيادة السودانية في ملف الحرب وتطويقها.

أما اللقاء المباشر بين البرهان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الكرملين، فيمثل المحطة الأبرز في الحصيلة السياسية للزيارة. فقد تناول اللقاء مسارات تطوير العلاقات الثنائية، والتعاون في مجالات الطاقة والتعدين والزراعة والتعليم والصحة والتجارة، إلى جانب الأوضاع في السودان وتطورات الحرب. وقد أكد الجانب الروسي اهتمامه بتطوير العلاقات والمساهمة في دعم الاستقرار، بينما أعرب البرهان عن تقديره للموقف الروسي في مجلس الأمن، وتطلع السودان إلى الارتقاء بالعلاقة إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية.
وتكتسب هذه اللقاءات أهمية خاصة في ضوء طبيعة الوفد السوداني الذي ضم مسؤولين عن الخارجية والمالية والمخابرات والصناعات الدفاعية؛ وهي تركيبة تعكس أن الزيارة لم تكن محصورة في ملف واحد، بل اتصلت بمختلف دوائر القرار السياسي والأمني والاقتصادي.
ومع ذلك، فإن المعيار الحقيقي لنجاحها سيكون في تحويل التفاهمات إلى اتفاقيات وبرامج تنفيذية محددة، لا الاكتفاء بالتصريحات والوعود.

القناصة الأوكرانيون في كردفان.. الحرب السودانية في سياق الصراع الدولي
من التطورات التي تستحق التوقف عندها إعلان وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم عن إلقاء القبض على قناصة ومدربين أوكرانيين في منطقة كردفان، والاستيلاء على أسلحة، مع اتهام عناصر أوكرانية بالمشاركة في تدريب قوات الدعم السريع المتمردة على تشغيل الطائرات المسيّرة واستهداف المنشآت المدنية.
وتكتسب هذه التصريحات أهميتها من توقيتها وسياقها، فقد جاءت خلال الزيارة إلى موسكو، وفي إطار حرب أصبحت أكثر ارتباطاً بالتكنولوجيا العسكرية والاستخبارات والتدريب الخارجي وشبكات الإمداد العابرة للحدود.
كما أن طرح هذه القضية أمام الإعلام الروسي يضعها في سياق أوسع يتصل بالحرب الروسية الأوكرانية، والتنافس الدولي، واحتمالات انتقال بعض أدوات ذلك الصراع إلى مسارح أفريقية.
و من الضروري التمييز بين الإعلان الرسمي السوداني القابل للتحقق المستقل من هوية المقبوض عليهم وطبيعة مشاركتهم، من وجود فعلي لأفراد يحملون جنسية معينة إلى إثبات مسؤولية الدولة التي ينتمون إليها عن نشاطهم.
ومع ذلك، فإن الواقعة، التي ثبتت تفاصيلها، تفتح ملفاً بالغ الأهمية يتعلق بتدويل الحرب السودانية، وبضرورة حماية المجال الوطني من تحول أراضي البلاد إلى مسرح لتصفية حسابات دولية.
فالسودان لا ينبغي أن يكون امتداداً جغرافياً أو عسكرياً لصراعات الآخرين، سواء ارتبطت بروسيا وأوكرانيا أو بأي تنافس دولي آخر. ولكنها خطوة تضيف الي سابقاتها فيما اعلن عن المرتزقة الكولمبيون والحرب المفروضة على البلاد.

السودان في التنافس الأمريكي الغربي الروسي.. تعدد الخيارات لا تعدد التبعيات
لا يمكن فهم الحضور الروسي في السودان بمعزل عن المنافسة الدولية على النفوذ في أفريقيا.
فروسيا تسعى إلى توسيع شراكاتها السياسية والاقتصادية والعسكرية، وتعزيز حضورها في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، مستفيدة من رغبة عدد من الدول الأفريقية في تنويع علاقاتها الدفاعية والاقتصادية.
وفي المقابل، تنظر الولايات المتحدة والدول الأوروبية إلى التمدد الروسي في أفريقيا باعتباره جزءاً من منافسة استراتيجية أوسع، تتصل بأمن الممرات البحرية والموارد الطبيعية والتسليح والتأثير في المؤسسات الدولية. ويحتل السودان موقعاً خاصاً في هذه المعادلة، بسبب موقعه الجغرافي، وثرواته، وارتباط مؤسسته العسكرية بمنظومات تسليح روسية، وطبيعة الحرب الحالية وتعدد الأطراف الخارجية المتداخلة فيها.
وتأتي هذه التطورات في ظل العقوبات الأمريكية والغربية المرتبطة بالحرب، والضغوط السياسية والدبلوماسية على السودان، والتباينات في المواقف الدولية بشأن طبيعة الصراع ومستقبل السلطة والترتيبات السياسية.
لكن ينبغي عدم اختزال المواقف الغربية في موقف واحد، فهناك تباينات بين واشنطن والعواصم الأوروبية في تقدير الأولويات والأدوات، كما أن روسيا نفسها لا تتحرك خارج حساباتها الخاصة ومصالحها الاستراتيجية.
ومن هنا تبرز أهمية أن يتعامل السودان مع هذا التنافس من منظور السيادة و المصلحة الوطنية، لا من منظور الاصطفاف.
فليس من الحكمة أن تتحول العلاقة مع موسكو إلى مواجهة تلقائية مع واشنطن والعواصم الأوروبية او أن يسود مثل هذا الفهم ، كما ليس من مصلحة السودان أن يحرم نفسه من فرص التعاون مع روسيا خشية ردود الفعل الغربية.
المطلوب هو دبلوماسية متعددة المسارات، تحافظ على قنوات التواصل مع الجميع، وتدير التناقضات الدولية بما يوسع خيارات السودان ولا يضيّقها.

آفاق العلاقة.. من التفاهم السياسي إلى الشراكة الاستراتيجية
إن حصيلة المشاركة في القمة والزيارة إلى موسكو تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العلاقات، لكنها تضع مسؤوليات كبيرة أمام الدبلوماسية السودانية.
ويمكن تحديد أهم مسارات المستقبل في خمسة ملفات:
أولاً: التعاون الدفاعي والأمني: تطوير التعاون في التسليح والصيانة والتدريب والتصنيع العسكري، مع إعطاء الأولوية لنقل التكنولوجيا وبناء القدرات الوطنية.
ثانياً: التعاون البحري والاستراتيجي: إعادة تقييم مشروع المركز اللوجستي البحري الروسي في بورتسودان وفق رؤية سودانية متكاملة لأمن البحر الأحمر، وبما يحفظ السيادة الوطنية ويوازن بين المصالح السودانية والاعتبارات الإقليمية والدولية.
ثالثاً: الشراكة الاقتصادية: الانتقال من التعاملات المحدودة في الذهب إلى استثمارات منتجة في التعدين والطاقة والزراعة والنقل والبنية التحتية.
رابعاً: التنسيق الدبلوماسي: الاستفادة من الموقف الروسي في مجلس الأمن، مع توسيع شبكة العلاقات الدولية والامان وبناء تفاهمات مشتركة بشأن وحدة السودان وسيادته ورفض التدخلات الخارجية.
خامساً: إعادة الإعمار وبناء القدرات: فتح المجال أمام الجامعات ومؤسسات البحث والشركات الروسية للمساهمة في إعادة بناء المؤسسات التعليمية والصحية والصناعية، والاستفادة من الخبرات الروسية في الطاقة والتقنيات والصناعات الثقيلة.
وتظل هذه الملفات بحاجة إلى آليات تنفيذ ومؤسسات متابعة واتفاقيات محددة، حتى لا تتحول الشراكة الاستراتيجية إلى وصف سياسي أكبر من مضمونها العملي.

خاتمة: زيارة في سياق إقليمي.. وحصيلة تمس جوهر الملفات السودانية
إن زيارة البرهان إلى موسكو والمشاركة في القمة الروسية الأفريقية تمثلان محطة مهمة في مسار العلاقات السودانية الروسية، ليس فقط لما صاحبها من لقاءات رفيعة المستوى وتكريم أكاديمي ومواقف سياسية متبادلة، وإنما لأنها وضعت عدداً من الملفات السودانية في صلب الحوار مع قوة دولية مؤثرة.
فهي زيارة متعددة في سياقها وأبعادها؛ أفريقية في إطارها، وإقليمية في اعتبارات أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي، ودولية في سياق التنافس الروسي الغربي، لكنها في حصيلتها أصابت الكثير من الملفات السودانية المباشرة: الحرب، والتعاون العسكري، ومستقبل القاعدة البحرية، والتعدين، ومواقف مجلس الأمن، والعلاقات الاقتصادية، وإعادة الإعمار.
ولعل أبرز ما تكشفه الزيارة أن السودان لم يعد قادراً على فصل قضاياه الداخلية عن التحولات الدولية المحيطة به؛ فالحرب نفسها أصبحت متصلة بتوازنات إقليمية ودولية، والموارد السودانية باتت محل اهتمام متزايد، والموقع الجغرافي للبلاد يمنحها أهمية استراتيجية تتجاوز حدودها.
ومن إرث فاغنر وعلاقاتها السابقة بقوات الدعم السريع المتمردة، إلى مستقبل الحضور الروسي الرسمي، ومن مشروع القاعدة البحرية الذي لم يصبح واقعاً نافذاً لكنه لم يغادر الحسابات الاستراتيجية، إلى ملفات الذهب والمعادن ومجلس الأمن، تتضح صورة علاقة تتجاوز حدود التعاون التقليدي إلى معادلة جيوسياسية أوسع.
وفي المقابل، فإن على السودان أن يدرك أن موقعه الاستراتيجي لا يمنحه ميزة تلقائية ما لم يمتلك القدرة على إدارته، وأن الشراكات الدولية لا تقاس بحجم التصريحات أو الرمزية السياسية، وإنما بمردودها على أمن البلاد واقتصادها واستقرارها، واعادة السلام الي ربوع البلاد.
إن السودان لا يحتاج إلى استبدال التبعية الغربية بتبعية شرقية، ولا إلى نقل صراعات الآخرين إلى أرضه، وإنما يحتاج إلى توظيف التنافس الدولي لبناء شراكات متوازنة تحفظ سيادته وتعيد بناء دولته وتعزز شرعية أمام المجتمع الدولي.
فالرهان الحقيقي ليس في أن يختار السودان بين موسكو وواشنطن، وإنما في أن يمتلك من قوة الدولة وحكمة الدبلوماسية ما يجعله شريكاً في صناعة التوازنات، لا ساحة تتنافس فوقها القوى الدولية والأجندات المتعارضة.

اترك رد