الرواية الأولى

نروي لتعرف

موطئ قلم / د. اسامة محمد عبدالرحيم

السودان وروسيا…زيارة البرهان (1)( من عروض الاستثمار إلى صناعة المصالح الاستراتيجية)

عقيد بحري ركن (م) د. اسامة محمد عبدالرحيم

خرج لقاء رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو بمؤشرات تتجاوز التعاون الثنائي المعتاد، وتكشف عن توجه سوداني لإعادة توظيف موقع البلاد ومواردها في بناء شراكات دولية أوسع. فالمقترحات المتعلقة بإنشاء منطقة اقتصادية حرة على البحر الأحمر، والاستثمار في الذهب والنحاس، وتطوير السكك الحديدية ومرافق التخزين والإمداد، تطرح سؤالاً يتجاوز أهمية الانفتاح على روسيا إلى قدرة السودان على تحويل هذه الفرص إلى مشروع اقتصادي يعزز صمود الدولة خلال الحرب ويؤسس لمستقبلها بعدها.

جاءت الزيارة والسودان يواجه حرباً استنزفت قدراته الإنتاجية وألحقت أضراراً واسعة ببنيته التحتية، بينما تتزايد احتياجاته إلى الاستثمار والتكنولوجيا والدعم السياسي. وفي المقابل، تسعى روسيا إلى توسيع حضورها الاقتصادي والاستراتيجي في أفريقيا، وتنويع شراكاتها الدولية، وتعزيز ارتباطها بالممرات التجارية والأسواق الناشئة. وعند تقاطع هذه الاحتياجات والمصالح تتشكل فرصة تستحق إدارة وطنية دقيقة.

وتكتسب المصالح الروسية أهمية خاصة في توقيت تتعرض فيه موسكو لضغوط اقتصادية وسياسية مرتبطة بصراعها مع الغرب، وتسعى خلاله إلى توسيع أسواق صادراتها وتأمين منافذ تجارية جديدة. ومن هذا المنظور، يمثل السودان بوابة محتملة تربط البحر الأحمر بوسط أفريقيا، وتتيح فرصاً في المعادن والطاقة والنقل والخدمات اللوجستية. فالموقع السوداني يمكن أن يمنح روسيا امتداداً اقتصادياً نحو أسواق داخلية واسعة، ويعزز حضورها في منطقة تتنافس عليها قوى دولية وإقليمية متعددة.

ولعل أبرز ما حملته مباحثات موسكو انتقال الخطاب السوداني من طلب المساندة إلى عرض فرص التعاون. فقد طرح البرهان الموقع الجغرافي والموارد المعدنية والبنية التحتية بوصفها عناصر لبناء مصالح مشتركة. وهذه نقلة مهمة في إدارة العلاقات الخارجية، شريطة أن تحدد الدولة مسبقاً ما تريد الحصول عليه مقابل ما تتيحه من فرص، وأن تتحول العروض إلى مشروعات تستند إلى أولويات وطنية واضحة.

وتبرز المنطقة الاقتصادية الحرة المقترحة على البحر الأحمر باعتبارها المشروع الأكثر اتصالاً بالموقع الاستراتيجي للسودان. فإقامة مرافق لتخزين الحبوب والوقود وربطها بالموانئ وشبكات النقل والأسواق الأفريقية يمكن أن تفتح آفاقاً لتحويل الساحل السوداني إلى مركز إقليمي للتجارة والخدمات اللوجستية. غير أن القيمة الحقيقية للمشروع تتوقف على عائداته للاقتصاد الوطني، وفرص العمل التي يوفرها، ومدى إسهامه في تطوير الموانئ والصناعات والخدمات السودانية، وطبيعة الإطار القانوني المنظم لإدارته.

ويكتسب المقترح بعداً أوسع مع الحديث عن تطوير السكك الحديدية من بورتسودان باتجاه تشاد. فربط البحر الأحمر بالعمق الأفريقي يمكن أن يعيد تشكيل الدور الاقتصادي للسودان، ويفتح أسواقاً جديدة أمام صادراته، ويعزز موقعه في التجارة العابرة للحدود. لكن تحقيق ذلك يستوجب دراسات جدوى وتمويلاً مستداماً وتنسيقاً إقليمياً، إلى جانب استعادة الأمن وتأهيل البنية التحتية.

أما الاستثمار الروسي المقترح في الذهب والنحاس والمعادن الأخرى، فيستدعي قراءة تتجاوز الحاجة العاجلة إلى النقد الأجنبي. فالثروة المعدنية تمثل أحد مرتكزات التعافي الاقتصادي، وينبغي أن تقوم الشراكات على تعظيم القيمة المضافة، وتوطين المعالجة والتصنيع، ونقل التكنولوجيا، وتأهيل الكوادر الوطنية، وضمان الشفافية في الإنتاج والعائدات.

وتبرز هنا ضرورة ضبط الحوافز الاستثمارية التي قد يقدمها السودان تقديراً للمواقف الروسية الداعمة له. فالإعفاءات والامتيازات ينبغي أن ترتبط بحجم الاستثمار الفعلي، ونقل المعرفة، وتشغيل العمالة الوطنية، والعائد الاقتصادي القابل للقياس، مع تجنب الالتزامات طويلة الأجل التي قد تتجاوز فوائدها أو تقيد خيارات الدولة المستقبلية. فالحاجة إلى التمويل تحت ضغوط الحرب تستوجب قدراً أكبر من التدقيق في شروط التعاقد وحماية الموارد الوطنية.

وفي الجانب السياسي، تعكس تصريحات البرهان تقديراً للمواقف الروسية الداعمة للسودان في المحافل الدولية، بينما أكد بوتين أهمية السيادة السودانية والتسوية السياسية لإنهاء الحرب. وتمثل هذه المواقف أرضية للتعاون الدبلوماسي، مع إدراك أن العلاقات الدولية تحكمها المصالح المتغيرة. ولذلك فإن استدامة الشراكة تحتاج إلى مصالح اقتصادية ومؤسسية متبادلة، مع المحافظة على استقلال القرار السوداني.

وتزداد أهمية هذا التوازن بالنظر إلى التنافس الدولي على البحر الأحمر وموقعه في الحسابات الأمنية الأمريكية والإقليمية. فالتوسع في التعاون مع موسكو، خصوصاً في المجالات ذات الأبعاد الاستراتيجية، يستوجب تقديراً لانعكاساته على علاقات السودان الخارجية. وتكمن مسؤولية الدبلوماسية السودانية في إدارة هذه التفاعلات بما يحفظ حق البلاد في تنويع شراكاتها، ويحول دون انزلاقها إلى استقطاب دولي يضاعف أعباءها.

ومن المؤشرات المهمة في اللقاء تقديم بوتين خريطة طريق للتعاون تشمل الصناعة والنقل والخدمات اللوجستية والتعليم والصحة والاقتصاد الرقمي. وتتيح هذه الخطوة الانتقال من المبادرات المتفرقة إلى برنامج متعدد القطاعات، لكنها تظل إطاراً مقترحاً يحتاج إلى دراسة سودانية واتفاقيات تفصيلية وتمويل وآليات تنفيذ. فالتصريحات السياسية تفتح أبواب التعاون، بينما تحدد العقود والمؤسسات والقدرة المالية ما يمكن تحقيقه على أرض الواقع.

ويبقى التحدي الأكبر في إدارة مرحلة ما بعد الزيارة. فالسودان يحتاج إلى فريق وطني متخصص يضم الجهات الاقتصادية والفنية والقانونية والأمنية، يتولى تقييم المقترحات، وتحديد أولويات التنفيذ ومصادر التمويل، وصياغة الاتفاقيات، ووضع جداول زمنية ومؤشرات أداء واضحة. كما تستوجب الالتزامات الكبرى مراجعة مؤسسية ورقابة قانونية صارمة، خاصة في ظل غياب مجلس تشريعي منتخب يمارس دوره الرقابي.

وتقتضي الواقعية أيضاً مراعاة القيود التي تواجه الاقتصاد الروسي، وما قد تفرضه العقوبات والتزامات موسكو الدولية من صعوبات في التمويل والتحويلات والتوريد. ولذلك ينبغي أن ترتبط المشروعات بقدرات تنفيذية مثبتة وضمانات تعاقدية، وأن يظل السودان منفتحاً على شراكات أخرى تدعم مصالحه الاقتصادية والاستراتيجية.

إن القيمة الحقيقية للشراكة السودانية الروسية ستقاس بما تضيفه إلى قدرة السودان على الإنتاج والتصدير وإعادة بناء بنيته التحتية وتعزيز استقلاله الاقتصادي والتكنولوجي. فالموقع الجغرافي والموارد الطبيعية يمنحان الدولة فرصاً مهمة، لكن المؤسسات والسياسات الرشيدة هي التي تحولها إلى قوة وطنية مستدامة. وإذا كانت موسكو قد فتحت أمام الخرطوم أبواباً جديدة للتعاون، فإن المسؤولية أصبحت سودانية في المقام الأول؛ مسؤولية اختيار المشروعات وحماية المصالح وتحويل التعهدات إلى نتائج. فمستقبل الشراكة مع روسيا سيتحدد بقدرة السودان على الانتقال من تقديم الأرض والموارد إلى بناء الاقتصاد والقوة، ومن استثمار علاقاته الدولية لتجاوز أزمته الراهنة إلى توظيفها لصناعة مستقبله.

اترك رد