السودان بين ثبات الشرعية وضغوط واشنطن تفكيك سردية «الطرفين» من التأشيرة إلى إعادة تعريف الشرعية!؟

لم تعد معركة السودان اليوم تدور على الأرض وحدها، وإنما انتقلت بصورة متزايدة إلى معركة على تعريف الدولة، ومن يمثلها، ومن يملك حق الحديث باسمها، ومن يحدد شكل التسوية التي ينبغي أن تنهي الحرب.ومن هنا تأتي أهمية التطورات الأمريكية الأخيرة؛ فالمسألة لم تعد مجرد خلاف حول الهدنة ووقف إطلاق النار، ولا مجرد اختلاف في تقدير الموقف بين واشنطن والخرطوم، وإنما تتصل بسؤال أكثر عمقاً: هل يجري التعامل مع الحرب باعتبارها نزاعاً بين طرفين مسلحين متكافئين في الموقع السياسي، أم باعتبارها حرب مفروضة على دولة لها مؤسسات وتمثيل دولي، تواجه تمرداً مسلحاً ينبغي إنهاؤه ضمن تسوية سياسية شاملة ومنصفة وعادلة؟ هذه التفرقة ليست تفصيلاً لغوياً، بل هي جوهر المسألة.
الوقائع المؤسسية لا تزال قائمةالسودان دولة عضو في الأمم المتحدة، وتمثيله الرسمي في المنظمة لم ينقطع. وقد خاطب الرئيس عبد الفتاح البرهان الجمعية العامة في عامي 2023 و2024 بصفته رئيس مجلس السيادة الانتقالي، ثم خاطب رئيس الوزراء كامل إدريس الجمعية العامة في سبتمبر 2025 بصفته رئيس حكومة السودان. كما التقى رئيس الجمعية العامة في سبتمبر 2025 برئيس الوزراء السوداني بصفته رئيس الحكومة الانتقالية وقدم خطة البلاد للسلام بمجلس الامن .
وهذه الوقائع لا تعني أن الأمم المتحدة أصدرت حكماً نهائياً على كل تفاصيل الوضع الدستوري والسياسي في السودان، لكنها تؤكد شيئاً أكثر تحديداً: التعامل المؤسسي الدولي مع السودان باعتباره دولة ذات تمثيل رسمي لم ينقطع.
ومن ثم فإن انتقاد الحكومة أو مطالبتها بالانتقال المدني أو الإصلاح السياسي أو المساءلة لا يساوي إلغاء الصفة المؤسسية للدولة، ولا يساوي تلقائياً وضع الحكومة الرسمية والتمرد المسلح في مرتبة واحدة من حيث التمثيل.
هنا تبدأ المشكلة في الموقف الأمريكي الجديد
في 22 سبتمبر 2026، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية أن القوات المسلحة السودانية والدعم السريع، وكذلك قياداتهما، لا يمثلون «حكماً دستورياً شرعياً» في السودان، وأن الطرفين يحكمان بالقوة المسلحة. كما أعلنت واشنطن أنها ستسعى إلى زيادة كلفة استمرار الحرب على الأطراف والشبكات الداعمة لها. هذه الصياغة الأمريكية تحتاج إلى قراءة دقيقة.ليس من الطبيعي أن تعتبر واشنطن القوات المسلحة وتمرد الدعم السريع طرفين متساويين في الحرب، بل عليها ان تطالب التمرد بوقف القتال وحماية المدنيين.
لكن الانتقال من هذا التوصيف العسكري إلى وضع الطرفين في مستوى واحد عند الحديث عن الشرعية والتمثيل والحكم يثير سؤالاً مختلفاً تماماً.فالجيش مؤسسة رسمية للدولة تجاوزت ال ١٠ عقود منذ تأسيسه، حتى مع مشروعية مساألة أدائه أو نقد دوره السياسي؛ والدعم السريع كقوة مسلحة متمردة دخلت في حرب مفتوحة مع الدولة ومؤسساتها وشعبها .
فقضية المساواة بينهما او الطرفانية امر غير وارد و لا تستلزم بالضرورة المساواة بينهما في الوضع المؤسسي أو التمثيل الدولي. وهنا تحديداً ينبغي تفكيك سردية «الطرفين».
الدولة ليست شخصاً، والشرعية المؤسسية ليست رهينة بالأشخاصمن حق المجتمع الدولي أن يختلف مع البرهان، وأن يختلف مع الحكومة، وأن يطالب بانتقال مدني، وأن يرفض استمرار أي قيادة عسكرية في السلطة السياسية. لكن الدولة شيء آخر.
السودان دولة ذات سيادة ومشروعية مستمرة، كما أن الدولة ليست شخصاً واحداً.الدولة مؤسسات، وعضوية دولية، وتمثيل دبلوماسي، وأجهزة رسمية، والتزامات ومعاهدات، واستمرارية قانونية وسياسية. ولهذا فإن الخلاف على الحكومة لا ينبغي أن يتحول إلى خلاف على وجود الدولة أو تمثيلها.
بل إن المفارقة الأوضح أن الولايات المتحدة نفسها تحافظ على علاقاتها الرسمية مع السودان وتتعامل مع مؤسساته الدبلوماسية، في الوقت الذي تأتي فيه الصياغة السياسية الجديدة لتقول إن أياً من (طرفي ) الحرب لا يمثل حكماً دستورياً شرعياً.
وهنا يحق طرح السؤال: إذا كان الخلاف الأمريكي مع السلطة القائمة سياسياً ودستورياً، فلماذا يتحول هذا الخلاف إلى إعادة توصيف العلاقة بين الدولة والتمرد؟
التأشيرة: عندما يتحول الضغط السياسي إلى أداة تفاوض
الأمر يصبح أكثر حساسية في قضية تأشيرة رأس الدولة البرهان. فبحسب تقرير رويترز في 22 سبتمبر، أُبلغت الأمم المتحدة بأن إصدار التأشيرة يبدو مرتبطاً بقبول البرهان مقترحاً أمريكياً لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً، وهو ما دفع الأمانة العامة للأمم المتحدة إلى إثارة المسألة مع السلطات الأمريكية، فيما عبّر الأمين العام أنطونيو غوتيريش عن قلقه ازاء ما حدث ، وان ما جرى من رفض للتأشيرة يعد مخالفا للمادة ١٠٥ من ميثاق الامم المتحدة، واتفاقية المقر لعام ١٩٤٧ .
وقد ثبت أن التأشيرة ربطت فعلاً بقبول هذا الترتيب السياسي أو العسكري، لذا فإن المسألة تتجاوز الخلاف الدبلوماسي العادي؛ لأن حق ممثل دولة عضو في المشاركة في أعمال الجمعية العامة يصبح عندئذٍ مرتبطاً بقبول موقف تفاوضي محدد وهذا ليس من حق امريكا فيما قامت به.
وهنا تكتسب أحكام اتفاقية مقر الأمم المتحدة لعام 1947 أهمية خاصة.فالمادة 11 تقرر حرية المرور إلى منطقة مقر الأمم المتحدة، والمادة 12 تنص على أن هذه الأحكام تطبق بصرف النظر عن طبيعة العلاقات القائمة بين حكومة الشخص المعني وحكومة الولايات المتحدة، بينما تنص المادة 13 على إصدار التأشيرات، عند الحاجة، دون رسوم وبأسرع ما يمكن، بما لا يعوق الامتيازات والحصانات المتعلقة بالوصول إلى مقر المنظمة.
وهذا لا يعني أن الولايات المتحدة فقدت كل سلطة في مسائل الدخول إلى أراضيها، لكنه يعني أن التزامات الدولة المضيفة تجاه مشاركة ممثلي الدول الأعضاء في أعمال الأمم المتحدة ليست مسألة عادية من مسائل الهجرة أو العلاقات الثنائية.
والتاريخ الأممي نفسه شهد نقاشات حادة حول رفض الولايات المتحدة منح تأشيرات لمسؤولين أو ممثلين يرغبون في المشاركة في أعمال الأمم المتحدة، بما في ذلك حالات ناقشتها لجنة العلاقات مع الدولة المضيفة في ضوء أحكام اتفاقية المقر.
الهدنة ليست هي المشكلة؛ المشكلة في تحويلها إلى أداة لإعادة تعريف الصراعلا أحد يستطيع أن يجادل بجدية ضد ضرورة وقف الحرب وحماية المدنيين.لكن وقف إطلاق النار ليس نهاية سياسية في ذاته، وإنما وسيلة لفتح الطريق أمام الحل.ولهذا فإن أي هدنة قابلة للحياة تحتاج إلى أسئلة واضحة: من يراقبها؟ كيف تُنفذ؟ كيف تمنع إعادة التموضع والتسليح؟ كيف تُضمن المساعدات الإنسانية ؟ ماذا يحدث في حال خرقها؟ وكيف تمنع تحول الوضع العسكري القائم إلى أمر واقع سياسي؟أما أن تتحول الهدنة إلى معيار مسبق يُبنى عليه الاعتراف السياسي أو السماح بالوصول إلى منبر الأمم المتحدة، فهذه مسألة مختلفة. والأخطر هو أن تُفرض الهدنة بصورة تجعل نتائج الحرب العسكرية أساساً لإعادة توزيع الشرعية السياسية.
فالهدنة ينبغي أن توقف الحرب، لا أن تعيد تعريف الدولة.ماذا عن «صمود» وما يسمى حصريا بالقوى المدنية في التفسير الغربي الأمريكي ؟
من حق كل القوى المدنية السودانية أن تُسمع أصواتها في واشنطن ونيويورك وأديس أبابا والقاهرة وغيرها، ومن الطبيعي أن تستمع الأمم المتحدة والولايات المتحدة إلى مختلف المكونات السودانية.لكن يجب التمييز بين الاستماع السياسي الانتقائي والمسيس وبين التمثيل الرسمي للدولة وشرعيتها.
وجود تحالف مدني أو سياسي محدود في نيويورك، ولقاؤه بمسؤولين دوليين، لا يمنحه تلقائياً صفة الممثل الرسمي للسودان، كما أن استقبال المسؤولين الدوليين له لا يعني بالضرورة اعترافاً رسمياً بتمثيله للدولة.
المشكلة تبدأ عندما يحدث اختلال في التوازن: يُحجب ممثل الدولة عن الوصول إلى الجمعية العامة، بينما تُفتح المنابر الدولية على نطاق واسع لقوى سياسية تعارض السلطة القائمة أو تنفي شرعيتها او تسعى لمنافسة الدولة دون سند شعبي. عندها لا يعود السؤال متعلقاً فقط بحرية الحوار، وإنما يصبح سؤالاً عن إعادة ترتيب التمثيل السياسي للسودان من خارج المؤسسات السودانية نفسها.
أين تظهر السردية الإقليمية القديمة؟
لسنوات ظل الخطاب السوداني الرسمي ينتقد مقاربة إقليمية تقوم على اختزال الحرب في ثنائية عسكرية وسياسية متساوية، بما يؤدي في النهاية إلى التعامل مع الدولة والتمرد باعتبارهما مجرد طرفين متقابلين في نزاع على السلطة.واليوم، فإن بعض عناصر هذه القراءة تجد صدىً في الصياغة الأمريكية الجديدة. بما يظهر واشنطن بانها تفاقم الأزمة ولا تسعى الي حل جدي لها.
وقد يعني ذلك بالضرورة أن هذه سياسة أمريكية صادرة عن جهة إقليمية بعينها، وأن واشنطن تنفذ حرفياً أجندة دولة أخرى؛ من واقع التحالف مع الإمارات وما يصدر عن مبعوث ترامب من تصريحات مستفزة ونية مبيتة يؤكد ذلك.
هذا التشابه في المخرجات السياسية يستحق الانتباه: إضعاف التمييز بين مؤسسات الدولة والقوة المتمردة، الضغط على الطرف الحكومي لقبول ترتيبات بعينها، والتعامل مع الشرعية السياسية المستقبلية باعتبارها شيئاً يمكن إعادة تأسيسه خارج الإطار المؤسسي القائم.
وهنا تكمن ضرورة تفكيك السردية المدلسة ومهاجمتها ورفضها لانها لا تقوم على حيثيات موضوعية، ولا تعمل لاجل السلام والاستقرار بالبلاد وانما تري اجض كل لإبقاء على حالة الهشاشة.
السؤال الذي ينبغي أن تواجهه واشنطنإذا كانت الولايات المتحدة تريد بالفعل وقف الحرب، فإن السؤال ليس ما إذا كان ينبغي الضغط على الأطراف؛ بل كيف يتوزع هذا الضغط وعلى أي أساس؟
فحتى الخطاب الأمريكي نفسه يقر بأن الحرب السودانية لا تستمر فقط بفعل الأطراف الداخلية، وإنما بفعل شبكات الدعم والتمويل والتسليح الخارجية. وقد قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في نيويورك إن استمرار الحرب مرتبط بالمشاركة النشطة لجهات خارجية، داعياً تلك الجهات إلى استخدام نفوذها على الأطراف التي تدعمها. وهذا يقود إلى قاعدة أكثر اتزاناً:
إذا كان المطلوب وقف الحرب، فينبغي أن يكون الضغط على مصادر استمرارها كافة، لا أن تتحول الدولة وحدها إلى الحلقة الأضعف في عملية الضغط وبصورة فاضحة .
فالضغط على الحكومة يمكن أن يكون مشروعاً عندما يتعلق بحماية المدنيين أو وقف الانتهاكات أو فتح الممرات الإنسانية أو دفع العملية السياسية. لكن الضغط يصبح موضع إشكال عندما يقترن بإعادة تعريف الطرف الحكومي والتمرد باعتبارهما متساويين في الموقع المؤسسي، أو عندما تُستخدم أدوات دبلوماسية مرتبطة بالأمم المتحدة لإجبار أو اكراه الدولة على قبول صيغة سياسية محددة تكافئ التمرد ورعاته.
السودان لا يرفض السلام… لكنه يرفض إعادة تعريف الدولة
السودان ينادي بوقف الحرب، ويعمل لاجل ذلك ، ويحتاج إلى تسوية سياسية منصفة ، كما يحتاج إلى عملية مدنية واسعة، ويحتاج إلى معالجة جذور الأزمة وإعادة بناء مؤسساته.
لكن هذه الأهداف لا تتطلب إلغاء الفروق بين الدولة والتمرد.بل إن الحل المستدام يحتاج إلى الاعتراف بهذه الفروق، مع إخضاع الجميع للقانون والمساءلة.
فالجيش ليس فوق المساءلة، والحكومة ليست فوق النقد، والمدنيون ليسوا خارج المعادلة، وفي الوقت نفسه فإن تمرد الدعم السريع ليس الدولة، والسيطرة العسكرية على بعض الأرض لا تنشئ بذاتها شرعية سياسية، كما أن التفاوض مع قوة مسلحة لا يعني منحها تلقائياً صفة التمثيل الوطني.إن التحدي الحقيقي أمام الوساطة الدولية هو أن تجد الصيغة التي تجد التوافق الوطني الداخلي كي تنهى الحرب دون أن تجعل الحرب نفسها مصدراً جديداً للشرعية.
وهنا تحديداً ينبغي أن تراجع واشنطن مقاربتها: غير المحايدة ، لأن السودان لا يرفض الضغط من أجل السلام، وإنما لأن الضغط المتوازن يختلف عن الضغط الذي يعيد مكافئة الطراف الذي اشعل الحرب من خارج إرادة السودانيين ومؤسسات دولتهم.فالسلام الذي يحتاجه السودان ليس سلاماً يساوي بين الدولة والتمرد، ولا سلاماً يُفرض من الخارج، ولا هدنة تُستخدم لإعادة هندسة الشرعية؛ وإنما سلام يوقف الحرب، يحمي المدنيين، يفتح الطريق أمام انتقال سياسي حقيقي، ويحافظ في الوقت نفسه على وحدة الدولة ومؤسساتها وسيادتها.فالشرعية لا تُقاس بمن يملك السلاح، ولا تُعاد صياغتها بمنطق موازين الحرب. والدولة يمكن أن تُنتقد وتُحاسب وتُصلح، لكن لا يجوز أن تُساوى بالتمرد لمجرد أنها تخوض حرباً ضده. وإذا كان وقف الحرب هو الهدف، فيجب أن يكون الضغط على مصدرها وهو التمرد ورعاته، لا أن تتحول الدولة رغم شرعيتها ومسؤوليتها الأخلاقية والدستورية وواجب جيشها الوطني في موضع الإكراه.
فالسودان لا يرفض الوساطة؛ السودان يرفض أن تتحول الوساطة إلى إعادة تعريف للدولة، وأن تصبح الهدنة ثمناً للتمثيل، أو التأشيرة أداةً تفاوضية لإعادة هندسة الشرعية.
السودان يرغب في السلام، و يرفض الوساطة غير النزيهة، ولا يرفض مساعي وقف الحرب باليات عادلة؛ لكنه يرفض أن يكون ثمن السلام إعادة تعريف الدولة، أو أن تتحول الهدنة من جسر إلى تسوية مفروضة بأجندات خارجية، أو أن تصبح المساواة بين ما يسمى (طرفي) القتال مساواة بين الدولة والتمرد في الشرعية والتمثيل، وهنا يكمن سر اعادة واشنطن ترداد السردية التي ظلت تقودها الإمارات منذ ١٥ أبريل ٢٠٢٣ م وحتى الآن، في مشروع رعايتها لتمرد الدعم السريع ومخططه الآثم الذي وظفت لأجله كل أنواع الاسلحة والدعم والإنفاق غير المحدود كي يبلغ مراده في تمزيق البلاد



