
(1)
المسارعة إلى الحديث عن بناء واستكمال مؤسسات الدولة السودانية يتطلب بعض المراجعات المهمة ، خاصة وان قوى سياسية واحزاب تتولى هذه المهمة ، فماهي المرجعية الشعبية والقاعدية لهذه الاحزاب ؟ متى انعقدت مؤتمرات قاعدية أو مؤسسات ذات طابع هيكلي ؟ ..
خلال ثلاث سنوات حدثت الكثير من المتغيرات ، بعضها مرتبط بالوطن واهله ، من حرب ونزوح ولجؤ ، وبعضها متعلق بظروف وعي مجتمعي اكتشف فيه المواطن حقائق كثيرة عن القوى السياسية والمدنية والمجتمعية ومواقفها في معركة مصيرية ووجودية ووفق ذلك بنى تصورات جديدة ورؤية وموقف وبعضها ذات ارتباط بتطور المفاهيم حول ادوار ومساهمات الاحزاب في الحياة العامة..
فعلى أي أساس استحقت القوى السياسية والحزبية وكذلك الحركات المسلحة حق تحديد مصير ومستقبل وطن دون أن تكون هى ذاتها قد نالت التفويض من صاحب الحق..؟
(2)
وما ينبغي ادراكه أن واقعاً جديداً بدأ يتشكل ، وابرزه وعى المجتمع بتحدياته ، وإهتماماته ، أكثر من التحيزات السياسية أو الارتباط التنظيمي ، وهذا فى العرف السياسي والاجتماعي يعنى (عقد اجتماعي) جديد ، مؤسس على مصالح متحكمة فيها ومدركة وليس مجرد اوهام أو إدعاءات ساذجة..
وأول : ملامح المرحلة القادمة هو موقعك ودورك فى المرحلة الصعبة والامتحان العسير ، حين كان الوطن فى المحك والقلوب قد بلغت الحناجر.. هذا مدخل مهم وعلى رأسه المؤسسة العسكرية ووصولاً حتى للتشكيلات ولجان المقاومة والمدافعة فى القرى والحلال ، هنا الأمر مختلف كلياً عن ضجيج الميديا ومبررات الاجندة المتلاعب بها..
وثانياً : فإن المعارك الكبيرة (تصنع) أبطالها ، كما (تبرز) قادتها ، لا يمكن تجاوز ذلك سواء فى المجتمعات الصغيرة وعلى المستوى العام ، وهذا يعني بالضرورة إطفاء (نجومية) عن بعض الانتهازيين والمتسلقين.. وبالقدر نفسه افساح المجال لفاعلين جدد ولديهم تأثيرهم ، وهناك قوى مؤثرة تقدمت الصفوف في لحظة المحنة ، فلا يمكن تأخيرهم أو صرف النظر عنهم في لحظة المساهمة في البناء الوطني ، هؤلاء روح التجرد وحس الوطنية ونكران لديهم يؤهلهم لأن يكونوا جزءاً من اصحاب الراي والنظر ، ليس على مستوى الافراد وانما المجموعات ، والمناطق والتجمعات وهذا من حقهم ، مثلما من حق النازحين واللاجئين أن يكون لهم صوت وراي..
ثالث النقاط أن تحديات المرحلة واجندتها ، ذات اولوية حين النظر في تشكيل المؤسسات التشريعية ومفوضيات الانتقال ومراقبة أداء الحكومة وارساء برامج الاعمار والبناء ، وكلها تتطلب خبراء ومتخصصين وتكنوقراط أكثر من كونها (تمثيل) تيارات سياسية أو حزبية..
(3)
وكلما ابتعدت القوى السياسية والحزبية عن نبض الشارع وقضاياه ، وكلما تآكلت بنيتها الهيكلية والقاعدية ، كلما اصيبت بتكلس يجعل غاية جهدها تحقيق اهداف قصيرة النظر والرؤية ، وكلما اقتربت من المواطن وقضاياه وتحدياته واشواقه ، كلما كانت أكثر تعبيراً عن إرادته وإسهاماً في خدمته والمنافحة عنه ، ولهذا ندعو بإلحاح إلى عبور القوى السياسية والحزبية جسر بناء واستكمال مؤسساتها وعقد مؤتمراتها ومعايشة هموم وتطلعات جمهورها ، فالغلبة لمن يؤسس خياراته على بناء داخلي متين وليس مجرد لافتات ، وخيال مآته..
وربما من الضروري أن يشترط البناء الحزبي قبل اكتساب حق التمثيل والتفويض الشعبي….
(4)
وعليه فان عدة قواعد حاكمة في قضية تشكيل المجلس التشريعي:
• استعادة القوى السياسية والحزبية حق التفويض الشعبي ، من خلال مخاطبة قواعدها والتماس تصوراتها وعقد مؤتمراتها ومعايشة واقع الناس ، وما دون ذلك هو تغبيش واختطاف للمواقف دون سند سوى توظيف منصات ومنابر الفضاء العام ، وهذا ليس سبباً كافياً للمشاركة في مؤسسات التشريع وربما يمكن الاستئناس به في الاستشارات العابرة..
• ألا يكون خصماً على المعركة الوطنية المصيرية ووحدة الصف والارادة ، ففي هذه المرحلة من الضروري أن يكون ذلك حاضراً ، حتى لا ننصرف عن معركة التحرير والتعمير إلى معركة الاوزان والمصالح وغير ذلك من اثارة الإحن وتثبيط الهمم..
• وثالثاً: تحديد مهام المجلس التشريعي المعين في قضايا الانتقال ، دون المساس بالقضايا التي تتطلب تفويضاً شعبياً مثل الدستور والقضايا المصيرية ومن بينها الانتخابات..
• ورابعاً: أن تؤسس الخيارات على قاعدة التوافق الوطني والاجماع ، من داخل تداول واسع ونقاش جهير بأجندة سياسية لا تستثني أحد ولا تقدم من لا يستحق ذلك..
• وخامساً: يتطلب الأمر هزة وطنية كبيرة تعترف وتستصحب المتغيرات ، ومع اعترافنا بالادوار التاريخية والوطنية ، فإن بقايا الديناصورات لا يعني وجودها على أرض الواقع ، كما أن النجوم والتيارات الحديثة لا يمكن غض الطرف عنها ، هذه لحظة الانتقال الكبري ، فلتكن كذلك..
حفظ الله البلاد والعباد..
9 فبراير 2026م




