الرواية الأولى

نروي لتعرف

هموم وقضايا / السفير د. معاوية التوم

اتفاق مكة الثلاثي: هل بدأت إعادة هندسة الأمن الإقليمي!؟

السفير د. معاوية التوم


لم يكن توقيع السعودية وتركيا وباكستان «اتفاق مكة للدفاع المشترك» في 7 أغسطس 2026 مجرد تطور جديد في مسار التعاون العسكري بين ثلاث دول تربطها علاقات استراتيجية متنامية، بل جاء في لحظة تبدو فيها منظومة الأمن الإقليمي أمام اختبار تاريخي.
فالشرق الأوسط يعيش منذ سنوات مرحلة انتقال من نظام أمني تقليدي قائم بدرجة كبيرة على المظلة الأمريكية، إلى بيئة أكثر تعقيداً تتعدد فيها مصادر القوة والتهديد والردع. وقد جاءت الحرب الثلاثية الإقليمية الأخيرة، وما صاحبها من هجمات صاروخية ومسيّرات واضطراب في حركة الطاقة والملاحة، وتأثيرها على دول الخليج والمنطقة، لتكشف أن أمن الخليج والبحر الأحمر لم يعد شأناً منفصلاً عن أمن شرق المتوسط والقرن الأفريقي والمحيط الهندي.
وفي هذا السياق، يصبح اتفاق مكة أكثر من مجرد معاهدة دفاعية.
إنه، في تقديري، إشارة إلى محاولة بناء طبقة جديدة من الأمن الإقليمي، تقوم على الردع الجماعي وتعدد الشركاء بدلاً من الاعتماد على ضامن خارجي واحد.
وقد نص الاتفاق على مبدأ بالغ الدلالة: الهجوم المسلح على أي من الدول الثلاث يُعامل باعتباره هجوماً عليها جميعاً، مع التأكيد على الطابع الدفاعي للاتفاق وعدم استهداف دولة بعينها.

لماذا الآن؟
السؤال الأهم ليس: لماذا وقّعت الدول الثلاث الاتفاق؟ بل: لماذا الآن؟
فالتوقيت يأتي في بيئة أمنية مختلفة جذرياً عن السنوات السابقة. فالصراع الإقليمي لم يعد محصوراً في جبهات برية، وإنما امتد إلى الصواريخ والمسيّرات والمنشآت الحيوية والموانئ والممرات البحرية وسلاسل إمداد الطاقة والغذاء.
كما أن اضطراب الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، واستمرار المخاطر على السفن التجارية، دفع الاتحاد الأوروبي إلى تمديد عملية «أسبيدس» حتى فبراير 2027 لحماية حرية الملاحة.
وبالتالي فإن الدول الإقليمية لم تعد تواجه سؤالاً تقليدياً عن الدفاع عن الحدود، وإنما سؤالاً أكثر تعقيداً:
كيف تحمي الدولة اقتصادها وطاقتها وموانئها وممراتها البحرية ومشروعاتها الاستراتيجية في عالم يمكن أن يأتي فيه التهديد من خارج حدودها بعشرات أو مئات الكيلومترات؟
وهنا يصبح الردع الجماعي أكثر جاذبية.

السعودية: من طلب الحماية إلى تنويع مصادر الردع
تبدو السعودية في قلب هذا التحول.
فالرياض لا تتجه، على ما يبدو، إلى التخلي عن شراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، لكنها تعمل في الوقت نفسه على تقليل مخاطر الاعتماد على طرف واحد.
وهذه ليست قطيعة مع واشنطن، وإنما إعادة توزيع لمخاطر الأمن القومي السعودي.
فالمعادلة الجديدة يمكن تلخيصها في الانتقال من: الأمن السعودي تحت مظلة قوة خارجية
إلى: الأمن السعودي ضمن شبكة متعددة مصادر القوة. وتأتي تركيا وباكستان في هذه الشبكة لأسباب مختلفة.
تركيا تمنح المثلث قوة عسكرية تقليدية وصناعات دفاعية وخبرة عملياتية، بينما تمنح باكستان ثقلاً عسكرياً استراتيجياً استثنائياً، فضلاً عن كونها دولة نووية.
أما السعودية فتقدم الموقع والثقل الاقتصادي والطاقة والمكانة السياسية والدينية.
إنها، إذن، ليست منظومة تقوم على تشابه القدرات، وإنما على تكامل عناصر القوة.

باكستان والغموض النووي
وجود باكستان في الاتفاق هو أحد أكثر عناصره حساسية. ولا يصح القول إن الاتفاق أنشأ «مظلة نووية باكستانية» للسعودية، إذ لا يوجد في النص العلني ما يقرر ذلك.
لكن وجود دولة نووية داخل ترتيبات دفاع جماعي يغيّر، بطبيعة الحال، حسابات الردع.
وهنا تظهر أهمية الغموض الاستراتيجي.
فالردع لا يحتاج دائماً إلى إعلان صريح عن نوع الرد؛ يكفي أن يدرك الخصم أن مهاجمة طرف من أطراف المنظومة قد تفتح سلسلة من التداعيات يصعب التحكم فيها. ومن ثم فإن قيمة باكستان في الاتفاق ليست عسكرية فقط، وإنما استراتيجية ونفسية وردعية.

تركيا: الحلقة العملياتية
أما تركيا، فإنها تضيف إلى المعادلة قدرة عسكرية وصناعية وتكنولوجية متقدمة، فضلاً عن موقعها الجغرافي وخبرتها العملياتية في بيئات إقليمية متعددة. ومن هنا فإن اجتماع السعودية وتركيا وباكستان ينتج مثلثاً يملك، نظرياً، ثلاثة أنواع مختلفة من القوة:
الثقل الاقتصادي والجغرافي السعودي؛
القدرة العسكرية والتكنولوجية التركية؛
والثقل العسكري والاستراتيجي الباكستاني.
وهذه هي الميزة الحقيقية للاتفاق.

هل هو ضد إيران؟
من الناحية الرسمية، لا.لكن من الناحية الاستراتيجية، ستكون إيران واحدة من أكثر الأطراف التي ستعيد حساباتها.فالتحالفات لا تقاس فقط بما تعلنه الدول الموقعة، وإنما بما تفرضه على الخصوم من حسابات جديدة.
إذا كان الضغط على السعودية يعني في السابق الدخول في مواجهة مع السعودية وشركائها المباشرين، فإن المعادلة الجديدة تجعل أي اعتداء محتملاً مرتبطاً بتركيا وباكستان أيضاً.
وهذا يرفع تكلفة المغامرة العسكرية.
لكن الاتفاق قد يحمل رسالة أخرى لإيران:

إن مرحلة الردع المنفرد تتراجع، ومرحلة الردع الشبكي تتقدم.
إسرائيل والولايات المتحدة في المعادلة
كما أن إسرائيل لن تستطيع تجاهل هذا التطور، حتى وإن لم يكن الاتفاق موجهاً إليها رسمياً.
فالمنطقة تشهد انتقالاً من نظام أمني كانت فيه القوى الإقليمية تعتمد بدرجات مختلفة على القوى الكبرى، إلى بيئة تسعى فيها دول المنطقة إلى إنتاج قدراتها الذاتية للردع.
أما واشنطن، فربما تكون الرسالة الأهم موجهة إليها.السعودية لا تقول لأمريكا:نحن لا نحتاج إليك. بل تقول:نحتاج إليك، ولكننا لا نريد أن يكون أمننا مرهوناً بك وحدك.وهذا فرق استراتيجي بالغ الأهمية.

البحر الأحمر: البعد الذي يجعل الاتفاق أكثر خطورة وأهمية
هنا تحديداً ينبغي توسيع القراءة.فالحديث عن اتفاق مكة باعتباره شأناً خليجياً فقط يختزل أهميته.
السعودية تطل على البحر الأحمر، وتركيا ذات حضور متزايد في البيئة الاستراتيجية للقرن الأفريقي، وباكستان مرتبطة مباشرة بالمحيط الهندي وبحر العرب.وبذلك يمتد المجال الجغرافي للمثلث:
الخليج العربي ← البحر الأحمر ← باب المندب ← خليج عدن ← بحر العرب ← المحيط الهندي.
وهذا يعني أن أمن الخليج لم يعد منفصلاً عن أمن البحر الأحمر.
والبحر الأحمر نفسه لم يعد مجرد ممر ملاحي، بل أصبح مسرحاً لتداخل مصالح القوى الإقليمية والدولية.
فإلى جانب الدول الساحلية، توجد ترتيبات بحرية دولية متعددة؛ إذ تضم «القوات البحرية المشتركة» 47 دولة، وتشمل من بين مهامها قوة المهام CTF-153 المعنية بأمن البحر الأحمر وخليج عدن. كما أن الاتحاد الأوروبي يواصل عملية «أسبيدس» لحماية حرية الملاحة.
وهذا يعني أننا أمام بحر تتقاطع فيه قوى إقليمية ودولية متعددة، وليس أمام منطقة أمنية مغلقة.

«قوة البحر الأحمر» ليست بعيدة عن المشهد
ومن هنا يمكن النظر إلى الدول المطلة على البحر الأحمر والمرتبطة مباشرة بأمنه بوصفها طبقة أمنية إقليمية قائمة بذاتها.
فالدول الأعضاء في المنظومة الإقليمية لحماية البيئة والأمن البحري للبحر الأحمر وخليج عدن تشمل السعودية ومصر والسودان وإريتريا واليمن وجيبوتي والصومال والأردن، فيما تتقاطع معها ترتيبات دولية وبحرية أوسع. كما أن تدريبات «Red Wave» جمعت في إحدى دوراتها مصر والسعودية والأردن والسودان واليمن وجيبوتي في تدريبات بحرية شملت مكافحة الزوارق السريعة والحرب المضادة للغواصات وتأمين السواحل.
وهنا تكمن نقطة استراتيجية شديدة الأهمية:
البحر الأحمر يمتلك بالفعل بذور منظومة أمنية إقليمية، لكنها موزعة بين ترتيبات ثنائية ومتعددة الأطراف وإقليمية ودولية.
فهل يمكن أن تلتقي هذه المسارات مستقبلاً؟
هذا هو السؤال الذي يستحق المتابعة.

السودان في قلب المعادلة
إذا كان الخليج يمثل أحد أطراف منظومة الأمن الجديدة، فإن السودان يمثل الحلقة التي لا يمكن تجاوزها في البحر الأحمر.
فالسودان لا يمتلك فقط ساحلاً طويلاً على البحر الأحمر، وإنما يقع في نقطة استراتيجية تصل بين شبه الجزيرة العربية والقرن الأفريقي وشرق أفريقيا.
ومن ثم فإن أي إعادة تشكيل للأمن السعودي ـ التركي ـ الباكستاني، وأي تطور في أمن البحر الأحمر، سيكون له انعكاس مباشر أو غير مباشر على السودان.
بل إن الأمن السوداني نفسه ينبغي أن يعاد تعريفه في ضوء هذا التحول.
فالمطلوب ألا ينظر السودان إلى البحر الأحمر باعتباره مجرد منفذ تجاري أو ساحل جغرافي، وإنما باعتباره أحد عناصر الأمن القومي السوداني وأحد مفاتيح موقعه في النظام الإقليمي. كما أن أمن الموانئ، والملاحة، والطاقة، ومكافحة التهديدات البحرية، وحماية خطوط التجارة، كلها ملفات يمكن أن تجعل السودان شريكاً في معادلة الأمن البحري، لا مجرد متلقٍ لتداعياتها. وهنا يمكن للسودان أن يستفيد من موقعه إذا أحسن تحويل الجغرافيا إلى سياسة، ومنتج السياسة الي مصلحة مشتركة.

من اتفاق مكة إلى منظومة أمن البحر الأحمر؟
ربما يكون هذا هو السؤال الأكثر إثارة للاهتمام.
هل يمكن أن يتطور اتفاق مكة مستقبلاً إلى ترتيبات أوسع تتصل بأمن البحر الأحمر؟
ليس بالضرورة عبر انضمام دول جديدة إلى الاتفاق نفسه، وإنما عبر تقاطعات وظيفية:
• تبادل المعلومات البحرية؛
• أمن الموانئ؛
• مراقبة الملاحة؛ التنسيق السيبراني؛
• مكافحة تهديدات الصواريخ والمسيّرات؛
• حماية البنية التحتية للطاقة؛
• مكافحة القرصنة والتهريب؛
• أمن باب المندب؛
• وتنسيق الاستجابة للأزمات البحرية.
وإذا حدث ذلك، فإن اتفاق مكة سيكون قد تحول من اتفاق دفاعي ثلاثي إلى نقطة ارتكاز داخل شبكة أمنية أكبر تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر والمحيط الهندي.

هل نحن أمام «ناتو إسلامي»؟
ليس بعد. لكن من الخطأ أيضاً تجاهل الاتجاه الذي يمكن أن يقود إليه الاتفاق. فالحلف لا يصبح مؤثراً بمجرد توقيع المعاهدة، وإنما عندما تتحول المعاهدة إلى:
مؤسسات + قيادة + استخبارات + تدريبات + دفاع جوي + أمن بحري + تصنيع عسكري + قدرة على الاستجابة المشتركة.
إذا تحققت هذه العناصر، فإن الحديث عن نشوء منظومة دفاعية إقليمية جديدة سيصبح أكثر واقعية. أما الآن، فإن اتفاق مكة يمثل إطاراً سياسياً وردعياً قابلاً للتطور.

الخلاصة: الشرق الأوسط يدخل عصر «الردع الشبكي»
المشهد الذي يتشكل أمامنا يتجاوز فكرة الحلف الثلاثي. إنه انتقال من التحالفات الثنائية
إلى: شبكات الردع متعددة الأطراف.
ومن:الأمن الذي تنتجه القوة العظمى
إلى:الأمن الذي تشارك القوى الإقليمية في إنتاجه لصالح المنطقة والعالم.
ومن:الخليج كمنطقة أمنية منفصلة
إلى:فضاء أمني متصل يمتد من الخليج إلى البحر الأحمر وباب المندب وبحر العرب والمحيط الهندي. وفي قلب هذه التحولات يقف اتفاق مكة.قد لا يكون الاتفاق «ناتو إسلامياً»، وقد لا يكون موجهاً ضد إيران أو إسرائيل أو الولايات المتحدة، وفقاً للخطاب الرسمي.لكن السياسة الدولية لا تقاس فقط بالنوايا المعلنة. إنها تقاس أيضاً بتغيير حسابات القوة والردع التي تنتجها الاتفاقات. ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس:ضد من وُقّع اتفاق مكة؟
وإنما:ما النظام الأمني الذي يريد هذا الاتفاق أن يكون نواته وغاياته؟ إذا بقي في حدود الالتزام السياسي، فسيكون رسالة ردع.
أما إذا انتقل إلى بنية عسكرية واستخبارية وبحرية مشتركة، فقد يصبح أحد مفاتيح إعادة رسم الأمن الإقليمي. وفي هذه الحالة، لن يكون البحر الأحمر هامشاً في القصة.
بل قد يكون المسرح الذي تتقاطع فيه نتائج اتفاق مكة مع مصالح الخليج والقرن الأفريقي والمحيط الهندي. وهنا يصبح السودان، بحكم موقعه، أمام فرصة تاريخية وتحدٍ استراتيجي في آن واحد:
إما أن يبقى موضوعاً في ترتيبات أمن البحر الأحمر التي يصوغها الآخرون، أو أن يعيد اكتشاف موقعه كدولة محورية في إنتاج أمن البحر الأحمر نفسه.
وهذه ربما تكون الرسالة الأعمق لاتفاق مكة:
أن مرحلة الأمن المنفرد تتراجع، وأن عصر الردع الشبكي وإعادة توزيع القوة الإقليمية قد بدأ بالفعل.
“حين تتقاطع المصالح حول الأمن، تتحول الجغرافيا من مساحة للنفوذ إلى مساحة لإعادة توزيع القوة؛ وربما يكون اتفاق مكة الثلاثي ليس نهاية معادلة، بل بداية هندسة أمنية جديدة، سيكشف البحر الأحمر والسودان مدى عمقها واتجاهها”.

اترك رد

error: Content is protected !!