
لقد سبق وأن كتبت أكثر من مرة عن التخبط في تحديد المناهج الواجب تدريسها في المرحلة الثانوية ،وشكوت لوزارتي التربية الوطنية الاتحادية والولائية ،ولكن يبدو أننا لا نزال ننتقل من تخبط إلى آخر .
أرسلنا أبناءنا في العام ٢٠٢٤م للجلوس لامتحانات الشهادة المتوسطة خارج ولاية الخرطوم ،وكذلك فعل نازحون كثر ،ولما أعلنت ولاية الخرطوم عن استئناف الدراسة في نوفمبر ٢٠٢٤م ،لم تفتح ولاية الخرطوم في مدارسها الحكومية أي مقعد دراسي لطلاب الصف الأول الثانوي بعذر أن الولاية لم تقيم امتحانات للشهادة المتوسطة في العام الدراسي السابق ،وهو تفكير قاصر يجعل الذين جلسوا في الولايات الأخرى لامتحان الشهادة في فترة النزوح كأنهم أجانب لا حقوق لهم على الوزارة مع العلم أن كفالة التعليم العام للجميع حق دستوري بل ودولي .
إضطررنا إلى تسجيل أبنائنا في المدارس الخاصة بولاية الخرطوم اقتطاعا من قوتنا في ظروف عصيبة كانت تشهدها الأوضاع الاقتصادية بالولاية التي لم يكن تحريرها قد اكتمل بعد .وبعد اكمال العام الدراسي وبدء التالي في يوليو ٢٠٢٥ م وانتقال أبنائنا الى الصف الثاني ،جاء منشور بتعديل منهج الصف الأول الثانوي من دون كتب بال(بي دي إف ) بل بعضه بتحديد رؤوس مواضيع يدرسها كل معلم بطريقته من دون نص موحد ) ،وتلك هي الدفعة التي خلف أبنائنا ،ثم تحدثوا عن أي منهج يدرس به طلاب الصف الثاني : قالوا في إطار الأحاديث المعممة يعيدوا مع الصف الأول ليدرسوا بالمنهج الجديد لأنه لم يصدر منهج للصف الثاني بعد .كتبت يومها في هذه الزاوية إلى الوزارتين محذراً من مغبة تأخير الطلاب عن مسارهم الطبيعي ورافضا أن ينتظروا ،فأصدرت وزارة التربية ولاية الخرطوم عبر إدارتها المختصة تعميماً حددت فيه سريان المنهج القديم وأن يدرس عليه أبناؤنا في الصفين الثاني والثالث بينما يبدأ تطبيق المنهج الجديد من الصف الأول الذي يليهم ،وقد استندت الوزارة وادارتها التعليمية في ذلك المنشور على مرجعية المركز القومي للمناهج .
انتهى العام الدراسي ٢٠٢٥-٢٠٢٦ م ودرس أبناؤنا المنهج القديم في الصف الثاني كما أمرت الوزارة ،ثم جاء عام دراسي جديد تعويضي رأت الوزارة أن تجعله في ولاية الخرطوم يبدأ من ٢٢ فبراير إلى أغسطس ٢٠٢٦م ،ثم يعقبه عام دراسي آخر في سبتمبر ٢٠٢٦م .الجديد هنا أمران أن المبدأ الذي قامت عليه الفلسفة هو تعويض فترة التوقف في الحرب ،لكن في نفس الوقت تريد أن تعطل مسار أبنائنا الذين درسوا الصف الثاني بالمنهج القديم وذلك بأن حكمت عليهم أن يعيدوا دراسة الفصل الثاني من جديد بالمنهج الجديد ليتأخروا عاماً دراسياً ويكونوا مع الذين من خلفهم ،وبذلك يصبح على أولياء الأمور الذين تخلت الحكومة عن إيجاد مقاعد لأبنائهم قبل عامين أن يدفعوا رسوم وتكاليف أخرى لدراسة أبنائهم في المدارس الخاصة لمدة ٤ سنوات للمرحلة الثانوية دون أي تبرير ،أحيانا يتعللون بأن عدد هؤلاء الطلاب قليل في ولاية الخرطوم ،فمتى كان العدد أساساً للحقوق ؟ وكيف يتم تطبيق المنهج بهذا التعجل من دون تجفيف الدفعات القديمة ويطبق على الذين سبقوهوه بأثر رجعي ،بل الأدهى والأمر أن تعديلات المنهج الأولى جاءت قبل أن ترفع اللجنة التي كونها الوزير الاتحادي لمراجعة المناهج تقاريرها في تعجل لا نعلم سببه؟!
وبالنسبة لأبنائنا الذين يجلسون في أبريل الحالي للشهادة الثانوية فإن فرصة الإعادة لهم وفقاً للمنهج الذي درسوا عليه أو أولئك العائدين من مصر والمهاجر ،والذين درسوا في بعض الولايات الأخرى تنعدم فرصتهم جميعاً للإمتحان أو الإعادة للشهادة السودانية وفقاً للمنهج القديم ،وعوضا عن ذلك يريدون أن يجعلوا امتحانات ملاحق للعائدين بدلاً عن امتحان الإعادة ،فمنذ متى أصبحت الشهادة السودانية عالية السمعة والصيت تقام لها امتحانات ملاحق ؟!
الأمر الثاني التعديلات التي حدثت في التقويم الدراسي بولاية الخرطوم جاءت بنقصان في أعمار التلاميذ في المرحلتين الابتدائية والمتوسطة : فالعام الدراسي في ٢٠٢٤ -٢٠٢٥ في ولاية الخرطوم كان خمسة شهور وانتقل الطلاب بعده بإجازة شهرين فقط إلى العام الدراسي التالي ،وهاهو العام الدراسي الإضافي ٢٠٢٦م يأتي بعد أسبوع فقط من العام فقط وأكرر هو ٢٠٢٦ فقط لأنه يبدأ في نهاية فبراير للبعض ونهاية مارس لآخرين ،بل لا ينتظر طلاب الشهادة الابتدائية الأخيرة حتى تخرج نتائجهم ويتم توزيعهم على المدارس ،ولا ينتظر طلاب الشهادة المتوسطة الحالية الذين يكملون الإمتحانات مطلع أبريل حتى تصحح نتائجهم ويوزعوا على المدارس التي تفتح قبل أن يكملوا هم امتحان الشهادة المتوسطة. ربما يقول قائل إن التبرير لهذا التعجل هو التعويض والمحافظة على السير مع أقرانهم في الولايات الأخرى لجوانب نفسية حتى لا يحبطوا ،وذلك مقبول لكن شريطة أن نأخذ معه قرينتين : إذا كان الأصل هو المحافظة على تقدم الطلاب في مسارهم الطبيعي والمحافظة على دوافعهم النفسية وتحفيزهم فلماذا تؤخر طلاب الصف الثاني الذين اجتهدوا عاماً دراسياً كاملاً ؟واذا كانت هذه التقاويم الدراسية قد قصرت عامين دراسيين ليكونا في أقل من عام زمني واحد ،وقصرت الإجازات لتكون شهرين بين ثلاثة سنوات دراسية ،فلماذا تتعسف بتحديد أعمار دراسية للجلوس للامتحانات للشهادتين الابتدائية والمتوسطة ،فالتمييز على أساس العمر بفارق شهور معدودة أمر مدمر لنفسيات التلاميذ الذين اجتهدوا وبذلوا ودرسوا ،وقد جاء منشور وزارة التعليم والتربية الوطنية المحدد للأعمار بتاريخ ١٣ مارس ٢٠٢٦م وهو منشور رقم (١) لسنة ٢٠٢٦ م أي بعد أن بدأ العام الدراسي في ٢٢ فبراير بنحو ثلاثة أسابيع درس فيها التلاميذ في الصف السادس الابتدائي أو الثالث المتوسط بعد أن انتقلوا بجدارة من الصف الخامس الابتدائي أو الثاني المتوسط ما يقارب الشهر .
إن التطورات المحيطة في الوسائل التعليمية والفضاء المفتوح للمعرفة تجعل التمسك بفارق عام أو بضعة شهور في العمر أساساً للتمييز السلبي أمراً غير مبرر وآثاره النفسية مدمرة و خطيرة ،فالذي يبدع ويتقدم ويجتهد يجب أن يجد منا التشجيع وليس التحطيم والتدمير بحجة فارق شهور معدودات أو عام في العمر في وقت تشجع فيه الدول المتقدمة النبوغ وتتجاوز بالمتميزين المراحل.
حاشية :
أرجو من السيد رئيس الوزراء المبجل الذي شمر عن ساعد الجد وأخذ يراجع أداء الوزراء والمسؤولين ويقيم ويعفي دون مجاملة بعد أن جرب أداءهم وخبره ،أرجو منه أن يعيد النظر في أداء وزارة التعليم والتربية الوطنية والتخبط في أمر المناهج ويقيس الأداء بناء على الاستراتيجية الوطنية للتعليم وخطة اليونسكو الانتقالية للتعليم في السودان Sudan’s Transitional Education
Plan (TEP) 2025–2027
أرجو أن ينصف السيد رئيس الوزراء أبناءنا الطلاب الذين درسوا الصف الثاني بالمنهج القديم أن يدرسوا الصف الثالث بالمنهج القديم دون إرجاعهم للوراء ،وبالتأكيد سيتيح ذلك فرصة للذين يرغبون في الإعادة من كل الأجيال التي درست بالمنهج القديم أن يعيدوا الجلوس للشهادة السودانية معهم ومن الذين يعودون من المهاجر ومن بقية ولايات السودان ،ونحافظ بذلك على مكانة الشهادة السودانية من الملاحق والترقيع .
وأن يفسح للتلاميذ الذين درسوا الصف الخامس وانتقلوا بجدارة الى الصف السادس بأن يجلسوا لامتحان الشهادة الابتدائية بغض النظر عن العمر، وكذلك الذين انتقلوا الى الصف الثالث المتوسط من الصف الثاني بجدارة أن يجلسوا دون شرط العمر .فإذا كانت الظروف استثنائية فليكن استثناؤهم على الوجه الإيجابي وليس التمييز السلبي هو السائد .
ادعوا أولياء الأمور إلى التضامن والتمسك بحقوق أبنائهم واتباع كافة الوسائل الإدارية والقانونية لتثبيت الحقوق ،فما ضاق حق وراءه مطالب .





