
يحدث عند التحولات الكبرى في أعمار الدول، أن تنكشف السياسات على حقيقتها، وتظهر حدود القوة والنفوذ كلما اشتدّ امتحان التاريخ. في مثل هذه اللحظات المفصلية من التاريخ، تسقط الأقنعة عن السياسات، وتظهر حقيقة الأدوار التي تلعبها الدول حين تضيق مساحات المناورة وتتقدم وقائع الصراع إلى الواجهة. فالحروب لا تُعرّي فقط هشاشة الأمن، بل تُعرّي كذلك هشاشة التقديرات، وتكشف حدود القوة، وتعيد طرح الأسئلة القديمة حول معنى النفوذ، وحدود الدور، وثمن الانخراط في صراعات الآخرين.
ولعلّ ما تشهده المنطقة اليوم من تطورات عسكرية متسارعة على خلفية المواجهة الإسرائيلية – الأمريكية مع إيران، وما تبعها من ردود فعل إيرانية طالت عدداً من المواقع والمصالح في الإقليم، يمثل لحظة فارقة تستحق التوقف والتأمل، لا بوصفها مجرد حدث عسكري عابر، بل باعتبارها لحظة اختبار حقيقية لسياسات السنوات الماضية. وهنا، يصبح السؤال الأكثر أهمية ليس( من أصاب ومن أخطأ؟)، بل (كيف وصلت الأمور إلى هذا الحد؟)، (وما الذي يمكن تعلمه قبل أن تتسع الدوائر أكثر؟)، وهنا يبرز كذلك سؤال موجّه إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، قيادةً ودولةً وشعباً (هل آن أوان المراجعة؟).
لقد تحوّلت المواجهة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، من إطار الضربات المتبادلة المحدودة إلى حالة إقليمية مفتوحة الاحتمالات. ولم تعد خطوط ومسارح الاشتباك محصورة في حدود جغرافية بعينها، بل أصبحت تمتد عبر البحار والمضائق والموانئ وشبكات الاقتصاد والطاقة. ومع كل تصعيد جديد، تتسع دائرة الدول التي تجد نفسها – طوعاً أو كرهاً – جزءاً من هذه المعادلة.
فالحروب الحديثة لا تقتصر على الدول المتحاربة مباشرة، بل تمتد إلى الدول التي تلعب أدواراً وظيفية داخل منظومة الصراع، سواء عبر التمويل أو الدعم اللوجستي أو الاصطفاف السياسي أو المشاركة غير المباشرة في مسارح العمليات.
وفي هذا السياق، برز اسم الإمارات في الخطاب الإيراني، وفي مسارح التوتر الإقليمي، باعتبارها جزءاً من شبكة الترتيبات الإقليمية المرتبطة بالسياسات الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة.
ليس من باب التشفي ولا من باب الاتهام المجاني، وإنما من باب القراءة السياسية، فإن ما حدث تجاه الإمارات لا يمكن فصله عن مسارٍ طويل من السياسات التي وضعت الدولة في موقع الفاعل المباشر في عدد من النزاعات الإقليمية.
فخلال العقد الأخير، لم تعد الإمارات مجرد دولة خليجية صغيرة تسعى إلى حماية مصالحها الاقتصادية، بل تحوّلت إلى فاعل سياسي وعسكري نشط في عدد من بؤر الصراع مما يجعلها تقع ضمن دائرة الرد.
ففي ليبيا، لعبت الإمارات دوراً عسكرياً وسياسياً بارزاً في دعم أحد أطراف الحرب، وأسهمت في تعقيد مسار التسوية السياسية هناك.
وفي اليمن، كانت جزءاً من الحرب الطويلة التي خلّفت واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العصر الحديث، وأسهمت – عبر مسارات متعددة – في إعادة تشكيل الخارطة السياسية والعسكرية لذلك البلد المنكوب.
وفي منطقة البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الإفريقي، اتجهت السياسة الإماراتية إلى بناء شبكة نفوذ واسعة عبر الموانئ والاستثمارات والتمويل السياسي والاقتصادي، وهو تمددٌ رأى فيه البعض مشروعاً اقتصادياً مشروعاً، بينما قرأه آخرون باعتباره محاولة لإعادة تشكيل موازين النفوذ في المنطقة.
غير أن أخطر هذه الملفات، بالنسبة للسودان تحديداً، يتمثل في الدور الذي ارتبط باسم الإمارات في الحرب الدائرة هناك.
لقد كشفت مجريات الحرب في السودان، عبر تقارير إعلامية وتحقيقات دولية عديدة، أن الصراع لم يكن مجرد نزاع داخلي بين أطراف سودانية، بل تحوّل إلى ساحة تداخل إقليمي ودولي معقّد.
وفي هذا السياق، ارتبط اسم الإمارات – في كثير من التقارير والتحليلات – بدعم مليشيا التمرد عبر منظومات متعددة من الإسناد، شملت المال والسلاح والمرتزقة، إضافة إلى التسهيلات اللوجستية، وتمديد خطوط الإمداد، وتوفير الدعم الفني المرتبط بمنظومات القيادة والسيطرة والمعلومات.
كما ارتبط الدور السياسي للإمارات باحتضان شخصيات سياسية ومدنية منخرطة في مشروع سياسي معادٍ للدولة السودانية، الأمر الذي فُسّر في السودان بوصفه انحيازاً واضحاً إلى أحد أطراف الحرب.
وهذا المسار و الذي لا ترتضيه الإمارات على نفسها وضدها – مهما كانت دوافعه – أسهم في تعقيد الحرب، وإطالة أمدها، وزيادة كلفتها الإنسانية والسياسية.
غير أن ما يربط هذه اللحظة بما يجري في السودان لا يمكن تجاهله أو القفز فوقه. فقد ارتبط اسم الإمارات خلال هذه الحرب، في الوعي السوداني وفي كثير من التقارير والتحليلات الدولية، بدورٍ مضرٍ ومباشر في إطالة أمد الصراع عبر دعم المليشيا المتمردة بالمال والسلاح والمرتزقة ومنظومات الإسناد والتمكين اللوجستي والسياسي. وقد ترتب على ذلك سقوط آلاف الضحايا، وتشريد الملايين، وتدمير مدنٍ ومؤسساتٍ وبنيةٍ اجتماعيةٍ كاملة. وحين تتورط دولة في إشعال نار حربٍ في أرضٍ بعيدة، فإن من سنن التاريخ – وربما من عدالة السماء – أن تتلقى في لحظةٍ ما إشارات إنذارٍ قاسية تذكّرها بأن النار لا يمكن ضبط اتجاهها إلى الأبد. وما يحدث اليوم قد يكون رسالة تنبيه قاسية، لا بقصد الانتقام، بل لعلّها تكون لحظة صحوة تخرج فيها القيادة الإماراتية من دائرة الغفلة السياسية، وتعيد النظر في مسارٍ ألحق بالسودان وشعبه أذىً بالغاً. ومن هنا يأتي النداء الصادق للقيادة السياسية الاماراتية (أن كفّوا أيديكم عن السودان، وارفعوا عنه وقود الحرب، وافتحوا صفحة جديدة تقوم على احترام سيادته ودعم سلامه واستقراره. فالسودان لا يحتاج إلى مزيدٍ من التدخلات، بل يحتاج إلى شركاء في السلام، وإلى دولٍ تختار أن تكون جزءاً من الحل لا جزءاً من المأساة).
ومع تراكم هذه الأدوار في أكثر من ساحة، بدأ يتشكل في الخطاب السياسي الإقليمي تصور متنامٍ يرى أن الإمارات لم تعد مجرد دولة تبحث عن مصالحها الوطنية، بل تحوّلت – في نظر كثيرين – إلى دولة وظيفية تؤدي أدواراً لصالح أجندات دول كبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة وإسرائيل.
وقد يكون هذا التصور مبالغاً فيه أحياناً، لكنه في السياسة ليس المهم فقط ما هو صحيح، بل ما هو متداول ومؤثر في تشكيل الإدراك العام.
والسياسة، في جوهرها، لا تُقاس فقط بحجم القوة، بل أيضاً بمدى القدرة على إدارة الصورة والسمعة والدور الإقليمي.
وحين تتراكم الأدوار العسكرية والسياسية في أكثر من صراع، يصبح من الطبيعي أن تتحول الدولة إلى جزء من معادلة الاستهداف المتبادل.
إن من قوانين السياسة – كما من قوانين التاريخ – أن الحروب التي تُدار بعيداً عن حسابات الحكمة، قد تعود في لحظة ما لتطرق أبواب من شاركوا في إشعالها. وليس في هذا القول شماتة، ولا رغبة في رؤية أي شعب يتعرض للخطر أو الخوف أو الموت، فالشعوب في نهاية المطاف هي الضحية الأولى للحروب.
غير أن ما يحدث اليوم يطرح سؤالاً أخلاقياً وسياسياً عميقاً (هل كان بالإمكان تجنب هذا المسار لو اتخذت سياسات أكثر توازناً وحياداً؟)
إن النار، كما يقول الحكماء، قد تُشعل بعيداً، لكنها قد لا تظل بعيدة إلى الأبد.
إن السودانيين – رغم ما يعانونه من حرب قاسية – لا ينطلقون من منطق التشفي أو الانتقام، فقد انضجت وعيهم محنة الحرب و هول ما عايشوه من فظائع، فالحرب ليست قيمة يُحتفى بها، بل مأساة ينبغي أن يتعلم منها الجميع. ولا أحد يحب أن يرى المدنيين الأبرياء يعيشون تحت تهديد القصف والتدوين أو الخوف أو عدم الأمان. فالسلام، في نهاية المطاف، هو القيمة العليا التي ينبغي أن تتقدم على كل حسابات النفوذ والسيطرة.
إن الأوقات الصعبة قد تكون هي ذاتها فرصة للمراجعة وإعادة التفكير. والدول الكبرى نفسها أعادت صياغة سياساتها مرات عديدة حين اكتشفت أن بعض المسارات تقود إلى طرق مسدودة. وهنا، ربما يكون ما حدث فرصة للإمارات كي تعيد النظر في بعض خياراتها الإقليمية وسياساتها الخارجية، وخاصة في ما يتعلق بالحرب في السودان. فالسودان ليس مجرد ساحة تنافس جيوسياسي، بل بلدٌ يعيش مأساة إنسانية عميقة، ويحتاج إلى دعم صادق للسلام، لا إلى مزيد من الوقود للحرب.
إن ما يحتاجه السودان اليوم ليس المزيد من السلاح، بل رفع اليد عن الحرب، وإفساح المجال أمام مسار سياسي حقيقي يعيد للدولة استقرارها وللمجتمع أمنه. وليس من المستحيل أن تفتح الإمارات صفحة جديدة في علاقتها بالسودان، تقوم على دعم السلام والتنمية والاستقرار، بدلاً من الانخراط – المباشر أو غير المباشر – في مسارات الصراع. فالعلاقات بين الدول لا تُبنى على لحظات الخصومة، بل على القدرة على تصحيح المسار حين تتكشف الحقائق وحين يتم الإعتراف بالأخطاء.
ولعل من أهم الدروس التي تفرضها هذه اللحظة أن العلاقات بين الدول لا ينبغي أن تقوم على التدخل في شؤون الآخرين أو محاولة تشكيل مصائرهم وفق حسابات القوة والنفوذ، بل على قاعدة أبسط وأكثر حكمة تقول : (ألا تُمد يد التدخل إلا بما ينفع ويخدم، وبما يتم برضا أصحاب المصلحة أنفسهم. فالدول التي تحترم سيادة غيرها، وتحرص على أن يكون حضورها عامل بناء لا عنصر اضطراب، هي وحدها القادرة على بناء نفوذٍ مستقرٍ يحفظ المصالح ويجنب المنطقة دوائر الصراع).
إن التاريخ يعلمنا أن الدول التي تنجح في البقاء ليست تلك التي تخوض أكثر الحروب، بل تلك التي تتعلم أسرع من أخطائها. وإن الحروب – مهما بدت في لحظتها وسيلة لتحقيق النفوذ – قد تتحول مع الزمن إلى عبء ثقيل على الأمن والاستقرار والسمعة الدولية. ولهذا، فإن الرسالة التي يمكن أن تُقال اليوم للإمارات، في أيام حربها، ليست رسالة شماتة، بل رسالة تأمل مفادها:
إن النار التي تشتعل في الإقليم لن تبقى محصورة في مكان واحد، و لن تظل مشتعلة بعيدًا عن موقديها، وإن الحكمة السياسية ليست في توسيع دوائر الصراع، بل في القدرة على إطفائها قبل أن تلتهم الجميع. ولعلّ هذه اللحظة تكون فرصة مناسبة للعودة إلى صوت العقل، وإلى مراجعة السياسات، وإلى فتح صفحة جديدة مع السودان، تقوم على السلام لا الحرب، وعلى التعاون لا الصراع. فالأوطان التي تختار السلام، هي وحدها التي تصنع المستقبل.
الأحد 8 مارس 2026م


