الرواية الأولى

نروي لتعرف

الكتلة الحرجة / ود البلد

إعادة لقراءة نظرية “الإلتفاف حول العلم” على خلفية العدوان الأمريكي-الإسرائيلي على إيران

العمل العسكرى وأهدافه الاستراتيجية:

في الثامن والعشرين من فبراير عام ٢٠٢٦، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل عملية عسكرية مشتركة تحت اسم “Epic Fury” أمريكياً و “Roaring Lion” إسرائيلياً، مستهدفة البرنامج النووي والبنية العسكرية والقيادية العليا فى إيران، بما في ذلك المرشد الأعلى السابق علي خامنئي وعدد من كبار المسؤولين.
كانت الأهداف الرئيسية المعلنة للعملية تدمير القدرات النووية والصاروخية والبحرية الإيرانية، وإضعاف شبكات الوكلاء الإقليميين. أما إسقاط النظام (تغيير النظام) فقد كان من الأهداف المعلنة، لكنه لم يُدرج دائماً ضمن القائمة العسكرية المباشرة. أعلنه “ترامب” صراحة بدعوة الشعب الإيراني إلى “الاستيلاء على حكومتهم” بعد انتهاء العمليات، ووصفه “نتنياهو” بأنه سيهيئ الظروف للشعب الإيراني للتخلص من “الطغيان”. كانت الاستراتيجية تعتمد على “صدمة القيادة” عبر اغتيال القيادة العليا، مع الرهان على انتفاضة شعبية تستغل الاحتجاجات الداخلية التي اندلعت في ٢٨ ديسمبر ٢٠٢٥ وتفاقمت في يناير ٢٠٢٦ بسبب الأزمة الاقتصادية الحادة.
لكن الواقع جاء مخالفاً للتوقعات، فالعملية مستمرة حتى اليوم، والنظام لم ينهار، بل صمد، وتحول العدوان الخارجي إلى أداة لتثبيت الشرعية وتعزيز التماسك الوطني. التخطيط الأمريكي-الإسرائيلي كشف عن فهم منقوص لطبيعة النظام الثيوقراطي فى طهران، وإهمال تام لقدرة المؤسسات الإيرانية، بما فيها الحرس الثوري ومجلس الخبراء، على امتصاص الصدمة وتحويلها إلى قوة سياسية.

نظرية الالتفاف حول العلم: من النظرية إلى الواقع:

صاغ العالم السياسي الأمريكي “جون مولر” النظرية عام ١٩٧٠ في مقالته الشهيرة “Presidential Popularity from Truman to Johnson” المنشورة في مجلة American Political Science Review، ثم طورها في كتابه “War, Presidents and Public Opinion” عام ١٩٧٣. يحدد “مولر” أن ارتفاع الدعم الشعبي للقيادة يحدث أثناء الأزمات الدولية عندما تكون الأزمة دولية (تواجه الأمة ككل)، مباشرة (تتضمن الدولة والقيادة بشكل مباشر)، ومفاجئة وحادة ومركزة درامياً.
ميز “مولر” بين الالتفاف قصير الأمد الذي يعطي دفعة فورية للشعبية (غالباً من خمسة إلى عشرة نقاط مئوية)، وبين الحروب الطويلة التي تؤدي إلى تآكل الدعم نتيجة الخسائر البشرية والاقتصادية والإعلامية المستمرة.
تطورت النظرية لاحقاً لتشمل الأنظمة السلطوية والثيوقراطية، حيث تضاف آليات التحكم الإعلامي والدعاية الرسمية التي تحول العدوان الخارجي إلى “عدو وجودي”، مما يبرر قمع المعارضة ويعزز التماسك الداخلي. أظهرت الدراسات الحديثة أن الالتفاف يكون أقوى وأطول أمداً في المجتمعات المغلقة ذات السيطرة الإعلامية الشديدة، مقارنة بالديمقراطيات حيث يتلاشى أسرع بسبب الانقسامات والخسائر.

إيران ٢٠٢٦: الصمود والتحول المفاجئ:

تراجعت الاحتجاجات الداخلية التي بدأت في نهاية ديسمبر ٢٠٢٥ وشهدت ذروة عنف في يناير ٢٠٢٦ فور بدء الضربات العسكرية الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران، وتحولت المعارضة إلى ما يشبه “الخيانة” في نظر قطاعات واسعة من الجمهور. اغتيال “خامنئي” في الساعات الأولى للعمليات لم يُحدث فراغاً سياسياً، بل أدى إلى انتخاب “مجتبى خامنئي” مرشداً جديداً بإجماع مجلس الخبراء في الثامن والتاسع من مارس ٢٠٢٦، ما عزز شرعية النظام وسمح بانتقال سلس للسلطة لخامنئي الإبن.
صمدت المؤسسات الإيرانية، والدعاية الرسمية ركزت على مفاهيم “الدفاع الوطني” و”الشهادة”، محولة العدوان إلى عامل توحيد داخلي. ما كان يُعتبر نقطة ضعف، أي الانقسام الداخلي الناتج عن الأزمة الاقتصادية، تحول إلى مصدر قوة سياسية مؤقتة.
وفي هذا السياق، أكد السير “أليكس ينجر”، الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات الخارجية البريطانى MI6، في مقابلة مع مجلة The Economist في مارس ٢٠٢٦ أن “النظام الإيراني أظهر مرونة أكبر مما توقعه أي أحد”، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة “قللت من شأن المهمة” و”فقدت المبادرة لصالح إيران”. وأرجع ذلك إلى قرارات إيرانية مسبقة مثل توزيع القدرات العسكرية وتفويض السلطات، مما منح النظام قدرة إضافية على الصمود أمام الضربات الجوية المركزة. كما أشار إلى أن واشنطن تخوض “حرباً اختيارية” بينما تخوض إيران “حرباً وجودية”، مما يمنح الأخيرة قدرة أكبر على البقاء.
هذه الاستراتيجية كشفت بشكل صارخ أن تقديرات المهاجمين تجاه طبيعة النظام كانت مختلة، وأن الاعتماد على الصدمة وحدها لإسقاط النظام هو نهج تكتيكي قصير النظر.

طول أمد الحرب وتأثيره على طرفى الصراع:

مع مرور أكثر من شهر على بدء العملية، بدأت نتائج “الالتفاف حول العلم” تظهر بوضوح. بالنسبة للمهاجمين (واشنطن وتل أبيب)، بدأ الرالي القصير يتلاشى، وظهرت الخسائر البشرية والاقتصادية والإعلامية، مما أعاد الانقسامات الداخلية إلى الواجهة وزاد الضغط السياسي والاجتماعي. أي توقعات سريعة بالنجاح الاستراتيجي تلاشت أمام الواقع المعقد على الأرض.
بالنسبة لإيران، استمر “الالتفاف حول العلم” وتعزز بفضل السيطرة على السردية الإعلامية والتعبئة الوطنية. ثبتت شرعية المرشد الجديد، وفقدت المعارضة المنقسمة القدرة على التحرك بفعالية، بما في ذلك “رضا بهلوي”، المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، الفصائل الكردية، وعرب الأهواز. النظام حوّل الضعف الداخلي المفترض إلى مصدر قوة، بينما يواجه المهاجمون إرهاقاً استراتيجياً واضحاً.

تقييم النتائج مقابل الأهداف المعلنة:

العملية الجارية لم تحقق الهدف الاستراتيجي الكامل فيما يخص إسقاط النظام الإيرانى، رغم النجاح الجزئي في تدمير بعض القدرات العسكرية والنووية والصاروخية. القوة لا تُقاس بضربات مفاجئة فحسب، بل بقدرة الدولة على استيعاب الصدمة واستثمارها داخلياً. أثبتت إيران أن “الالتفاف حول العلم” يمكن أن يحول العدوان الخارجي إلى مصدر قوة سياسية، ويزيد من صعوبة أي تدخل سريع وناجح.

الدروس المستفادة:

الصمود الوطني لا ينبع من التفوق التكنولوجي أو العسكري فحسب، بل من القدرة على تحويل الأزمة إلى أداة لتعزيز التماسك الداخلي. أي خطط مستقبلية للضغط على إيران يتعين أن تأخذ في الاعتبار حقيقة قدرك النظام على الاستفادة من نظرية “الالتفاف حول العلم” وتحويل التهديد إلى تعزيز للشرعية عمليا.
تجربة ٢٠٢٦ تقدم درساً صارخاً للمهاجمين مفاده أن التقديرات المشوهة لتأثير الصدمة يمكن أن تحول نجاحاً تكتيكياً محدوداً إلى فشل استراتيجي شامل، خصوصاً مع استمرار العملية وتغير ديناميكيات الرأي العام المحلي والدولي.
واشنطن وتل أبيب قد تحققان نجاحات مؤقتة، لكنهما لم ولن تتحكمان فى النتائج في المدى الطويل ما لم تفهمان أن الصدمة وحدها لا تكفي، وأن “الالتفاف حول العلم” هو أقوى سلاح دفاعي للنظام الإيرانى في مواجهة العدوان الخارجى.

اترك رد

error: Content is protected !!