الرواية الأولى

نروي لتعرف

تقارير

[ أميركا أولاً ]… كيف كشفت مقابلة جيه دي فانس مع جو روغان عن عقيدة جديدة قد تعيد رسم سياسة واشنطن في الشرق الأوسط؟

الرواية الاولى : اعداد المحرر الدبلوماسي

المقابلة التي أجراها نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس مع الإعلامي الأميركي الشهير جو روغان بدت وكأنها إعلان غير رسمي عن ملامح مدرسة جديدة في التفكير داخل الإدارة الأميركية والتيار الجمهوري، مدرسة تنطلق من سؤال واحد: ما الذي يخدم المصلحة الأميركية؟

وعلى امتداد ساعات الحوار، رسم فانس تصوراً متكاملاً للعلاقة بين الولايات المتحدة وحلفائها وخصومها، واضعاً المصلحة القومية الأميركية فوق أي اعتبارات أخرى، حتى عندما يتعلق الأمر بأقرب حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط.

ورغم أن حديثه تناول ملفات عديدة، فإن مواقفه من إيران وإسرائيل استأثرت بالنقاش، لأنها حملت قدراً من الصراحة غير المعتادة لمسؤول أميركي بهذا المستوى.

المصلحة الأميركية معيار القرار

أكد فانس أن الولايات المتحدة يجب ألا تدخل الحروب أو تستمر فيها إلا إذا كانت تخدم مصالحها القومية بصورة مباشرة، معتبراً أن السياسة الخارجية لا ينبغي أن تُدار استجابة لضغوط خارجية أو اعتبارات عاطفية، وإنما وفق حسابات دقيقة للكلفة والعائد.

وفي الملف الإيراني، شدد على أن الهدف الأميركي يجب أن يبقى منع إيران من امتلاك سلاح نووي، لكنه أوضح في الوقت نفسه أن الوصول إلى هذا الهدف لا يعني بالضرورة الانخراط في حرب شاملة، وأن الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية تظل خيارات قائمة متى حققت الغاية المطلوبة.

وتعكس هذه الرؤية اتجاهاً يرفض الانخراط في حروب طويلة ومفتوحة، وهو اتجاه يزداد حضوراً داخل أوساط الحزب الجمهوري منذ سنوات.

إسرائيل… دعم الحليف لا يعني التخلي عن استقلال القرار

الجزء الأكثر إثارة في المقابلة كان حديث فانس عن إسرائيل.

فقد أوضح أنه لا يعترض على أن تدافع أي دولة عن مصالحها، بما في ذلك إسرائيل، لكنه أكد في المقابل أن من واجب المسؤول الأميركي أن يتخذ قراراته انطلاقاً من المصلحة الأميركية وحدها، لا من مصالح أي دولة أخرى.

وأشار إلى أن بعض أعضاء الحكومة الإسرائيلية سعوا إلى التأثير في النقاش الدائر داخل الولايات المتحدة بشأن التعامل مع إيران، معتبراً أن هذا أمر مفهوم من منظور المصالح الإسرائيلية، لكنه لا ينبغي أن يغيّر طريقة صنع القرار في واشنطن.

وفي واحدة من أكثر العبارات التي أثارت الاهتمام، قال إن الولايات المتحدة يجب ألا تسمح لأي طرف خارجي، مهما بلغت قوة التحالف معه، بأن يدفعها إلى خيارات لا تراها منسجمة مع مصالحها الوطنية.

مراجعة لا قطيعة

ورغم الانتقادات التي وجهها، لم يقدم فانس نفسه باعتباره معارضاً لإسرائيل أو داعياً إلى إعادة النظر في التحالف معها.

بل حرص على التأكيد أن دعم إسرائيل لا يعني التخلي عن استقلال القرار الأميركي، وأن العلاقة بين البلدين يجب أن تقوم على احترام المصالح المشتركة، لا على افتراض أن مصالح الطرفين متطابقة في كل الملفات.

وبذلك، فإن ما طرحه لا يمثل رفضاً للتحالف، وإنما دعوة إلى الفصل بين دعم الحليف وحق الولايات المتحدة في اتخاذ القرار الذي يخدمها أولاً.

إيران… منع النووي لا يعني الحرب

في الملف الإيراني، كان فانس حريصاً على التمييز بين الهدف والوسيلة.

فالهدف، بحسب ما قال، هو منع إيران من امتلاك سلاح نووي، لكنه لم يطرح الحرب باعتبارها الخيار الوحيد لتحقيق ذلك، بل أكد أن اللجوء إلى القوة يجب أن يظل مرتبطاً بمدى خدمته للمصلحة الأميركية، وليس استجابة لرغبات أطراف أخرى.

ويكشف هذا الطرح عن رؤية أكثر براغماتية في إدارة الأزمات الدولية، تقوم على تجنب التورط العسكري ما لم يكن ضرورياً لتحقيق هدف أميركي واضح.

انعكاسات داخل الحزب الجمهوري

تكشف المقابلة أيضاً عن التحول الذي يشهده جزء مؤثر من الحزب الجمهوري، والذي بات يميل إلى تقليص الانخراط العسكري الخارجي، والتركيز على إعادة توجيه موارد الولايات المتحدة إلى الداخل، مع الحفاظ على قوة الردع الأميركية دون التوسع في النزاعات.

وفي هذا السياق، تبدو رؤية فانس امتداداً للتيار الذي رفع شعار “أميركا أولاً”، لكنه يقدمها بصياغة أكثر تنظيماً فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، تقوم على أن التحالفات ينبغي أن تخدم المصالح الأميركية، لا أن تتحول إلى التزامات مفتوحة.

لماذا تحظى تصريحات فانس بكل هذا الاهتمام؟

تتجاوز أهمية هذه المقابلة مضمون التصريحات نفسها، إلى الموقع السياسي لصاحبها.

فجيه دي فانس يُعد اليوم أحد أبرز الوجوه الصاعدة داخل الحزب الجمهوري، ويحظى بمكانة متقدمة في دوائر الحزب، ويُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره من أبرز الأسماء المرشحة لقيادة الحزب في مرحلة ما بعد الرئيس دونالد ترمب، سواء في انتخابات عام 2028 أو في أي استحقاق رئاسي لاحق.

ولهذا، فإن مواقفه لا تُقرأ باعتبارها آراء شخصية فحسب، بل باعتبارها مؤشراً على الاتجاه الذي قد تسلكه السياسة الخارجية الأميركية إذا أصبح هذا التيار هو المهيمن على القرار الجمهوري في السنوات المقبلة.

خلاصة

لم تقدم مقابلة جيه دي فانس مع جو روغان إعلاناً عن تغيير رسمي في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، لكنها كشفت بوضوح عن فلسفة سياسية تتشكل داخل قيادة الحزب الجمهوري، قوامها أن المصلحة الأميركية يجب أن تكون المرجعية الأولى في كل قرار يتعلق بالحرب أو السلام أو التحالفات.

ومن خلال حديثه عن إيران وإسرائيل، بدا فانس حريصاً على ترسيخ مبدأ استقلال القرار الأميركي، حتى في علاقاته مع أقرب الحلفاء، مؤكداً أن دعم الشركاء لا ينبغي أن يتحول إلى التزام يقيد قدرة واشنطن على تحديد ما يخدم مصالحها القومية.

ولهذا، فإن أهمية المقابلة لا تكمن فقط في ما قيل عن إيران أو إسرائيل، بل في أنها تقدم نافذة نادرة لفهم الكيفية التي يفكر بها أحد أبرز قادة الجيل الجمهوري الجديد، وما يمكن أن تحمله السنوات المقبلة من تحولات في مقاربة الولايات المتحدة لملفات الشرق الأوسط.

اترك رد

error: Content is protected !!