
✍🏼 حسن فضل المولى ..
و هكذا وجدتني أعِظُ نفسي ..
لا تَقُل ( يا هذا ) صِغار ( السور القرآنية ) ،
و لكن قل ( قِصار السور ) ،
أو ( السور القِصار ) ..
( القرآن ) ليس فيه ( صغير ) ،
كلُّه جليلٌ و عظيمٌ ،
حروفُهُ ،
و كلماتُهُ ،
و آياتُهُ ،
و سورُهُ ..
و القرآن الذي تَنَزََل في
مائةٍ وأربعَ عشرةَ سورةً ،
و ستةِ آلافٍ ومئتينِ وستٍّ وثلاثينَ آيةً ،
و مائةٍ وثلاثَ عشرةَ بسملةً ،
يرتقي مكاناً علياً من واظب على
تلاوته بتدبر ،
أما من وُفق إلى حمله في صدره ،
فهذه مكانة لا يُلقَّاها إلا ذو حظٍ عظيم ..
و بكل تأكيد ،
فإن غاية ما يطمح إليه المرء أن
يعكف على القرآن كلِه ،
تلاوةً ،
و تدبُّراً ،
و حفظاً ، إن استطاع إلى ذلك سبيلا ..
و لكن ،
من لم يستطع ، و هو الغالب ،
فليأخذ منه ما قَدَر عليه ،
و وفقه الله إليه ..
فلا يستصغرنَّ أحدٌ من القرآن شيئاً ،
فأن تقرأ ( آيةً واحدةً ) ،
أو ( سورةً قصيرةً ) ،
و تظل ترددها ،
ولو العُمرَ كُلَّهُ ،
و تعيد ترديدها ، بقراءةٍ صحيحة ،
و بتدبر و حضور و خشوع ،
أنفع لك من موالاة قراءة المصحف ببرود و ذهن شارد و قلب غافل ..
و ماسلك أحدٌ طريقاً إلى ( كلام الله )
إلا و ذُلِلَت له الأسباب تذليلاً ،
و وجد فيه ما يشفي غليله ،
فلا تُصعِّب على نفسك الأمور
و تقع فريسة الأعذار :
( من أين أبدأ ؟ ،
أنا غير مُهَيَّأ ،
و غير مُجوِّد ،
و لا أُجيد القراءة ،
و ذنوبي تمنعني
و غير متوضيء ، إذ تجوز قراءة القرآن عن ظهر قلب من غير وضوء ) ..
إياك أن تجعل هذه ( الموانع ) المُتَوهَمَة حائلاً بينك وبين ( القرآن ) ،
ابدأ بما تستطيع ،
و بما تحفظ ،
فالبداية المتواضعة خيرٌ من الانقطاع ..
و لتكن ( آيةً ) ،
أو ( سورةً قصيرةً ) ..
و شيئاً فشيئاً ستتوالى عليك
( الفتوحات القرآنية ) ..
يعني ..
خُذ ،
و داوم ،
و الزم ،
و احتفِ من القرآن بما تيسر لك ،
و لو ( آيةً ) واحدةً تظل ترددها
آناء الليل و أطراف النهار ..
فمثلاً :
( الحمدُللهِ ربِّ العالمين ) ..
تظل تلازم ترديدها سراً و جهراً ،
قائماً و قاعداً ،
و إن استطعت فالعمر كله ،
فتكون بذلك حامداً لله رب العالمين ،
و تالياً لكلامه المبين ،
و عابداً له سبحانه و تعالى ..
و إن أردت أن تزداد خيراً فأكمل
( الفاتحة ) بآياتها السبع ،
أقبل عليها من ( مرةٍ ) ، إلى ( مائةٍ ) ،
إلى ( ألفٍ ) ، و يزيد ..
و أنت بذلك أمام فيوضات من الخير
حوتها هذه ( الآيات السبع ) ،
لا يستطيع أحَدٌ أن يحيط بها معنىً
و خُبرا ،
ذلك أن ( سورة الفاتحة ) هي توحيد ،
و عبادة ،
و دعاء ..
و هي لوحدها القرآن العظيم ،
و هي السبع المثاني ،
و هي أم الكتاب ،
و الوافية ،
و الكافية ،
و الشافية ،
و هي …… ،
و هي كل ما يخطر ببالك ،
و ما لا يخطر من الباقيات الصالحات ،
لذلك سارع إليها على كل حال ،
و أي وقت ،
و لا تبخل عليها بالعمر كله ..
و يا لسعادة من امتلأ قلبه بالسبع
المثاني ..
و كذلك ،
إن لم تبلغ بك همتُك كل ( سورة
البقرة ) ،
بآياتها ( المئاتين و الست و الثمانين ) ،
فإن فيها ( آية الكرسي ) ،
و التي اشتملت على توحيد الربوبية ،
و توحيد الألوهية ،
و توحيد الأسماء و الصفات ..
قال رسول الله ﷺ لأُبيّ بن كعب رضي الله عنه:
يا أبا المنذر ، أتدري أيُّ آيةٍ من كتاب
الله معك أعظم ؟
قال : قلت : ( الله لا إله إلا هو الحي
القيوم ) ،
قال : فضرب في صدري ، و قال :
( و الله ليَهْنِك العلم ، أبا المنذر ) ..
فبكل يقين ،
لو أنفقت العمر كله ، و أنت تتلو
و تعيد تلاوة ( آية الكرسي ) ،
ما ازددت إلا تعلقاً بها ،
و ما ازددت إلا يقيناً بأنها هي خلاصة القرآن كله ،
فاقبل عليها كلّك ،
في قيامك ،
و قعودك ،
و امنحها من وقتك ،
و لو العمر كله ..
و أيضاً ..
هل تجد مشقةً في ملازمة ( سورة العصر ) ، بآياتها ( الثلاث ) ،
أن تقرأها في اليوم ( عشر مرات ) ،
و ( مائة مرة ) ،
و أكثر ؟؟؟ ..
( ثلاث آيات ) رسمت منهجاً كاملاً للحياة ..
قال ( الإمام الشافعي ) :
( لو ما أنزل الله حُجَّةً على خلقه
إلا هذه السورة لكفتهم ) ..
و أحيلكم إلى أحد العارفين ،
و هو يقول :
( لقد قرأت سورة ( العصر ) عشرين عاما ولا أفهم معناها ..
كنت أفكر كيف يكون الأصل في
الإنسان الخُسران !!
والله يؤكده بكل المؤكدات ،
ثم يستثني الله الناجين من الخسران بصفات أربع وهي :
الإيمان ،
و العمل الصالح ،
و التواصي بالحق ،
و التواصي بالصبر ..
إلى أن سمعت يوماً “بائعًا للثلج ” ينادي على بضاعته مُسْتَعطِفا الناس فيقول :
“ارحموا من يذوبُ رأسُ مالِه” ..
لأن ( الثلج ) ماء متجمد..
وقطرة الماء التي تسقط لن تعود مرة أخرى..
هنا فهمت أن هذا هو معنى
“القَسَم” في “سورة العصر” ..
فرأس مالِك في الدنيا هو عمرك ..
واللحظة التي تمر من عمرك لن
تعود ثانية ..
فكل واحد منا يذوب رأسُ ماله ..
فانتبهوا لرأسِ مالِكم وهو ( الوقت )
الذي تحيون فيه..
قبل أن ينتهي الأجل ) ..
و انظروا معي ،
فكل الذين تجاوزوا ( الخمسين ) ،
و أكثر ، يجدون أنفسهم مُستَغَرَقين
في التحَّسُر ،
كيف ذابت ( الخمسون ) و تبخرت ،
و هم في غفلةٍ سادِرون ؟ ..
و يا حسرةً على ما فرطوا في جَنْبِ
الله ..
و هذا هو ( الاحساس ) الذي عبر عنه
الإمام الزمخشري ..
( خرَّبتُ هذا العمرَ غيرَ بقيةٍ
فلَعَلَّني لكِ يا بقيةُ عامِرُ
و عهِدتُني في كل شرٍ أوَّلا
فلعلني في بعضِ خيرٍ آخِرُ
في طاعة الرحمن أبذُل طاقتي
فلعلني فيها لكسري جابِرُ ) ..
فليتكم ،
و ليتني أنجو من الخُسران بدخولي
في زُمرة الذين آمنوا و عملوا الصالحات ..
و كذلك سورة ( الإخلاص ) ،
عددُ آياتِها ( أربعٌ ) ،
و كلماتُها ( خمسَ عشرة كلمةً ) ،
إنها خفيفةٌ على اللسان ،
ثقيلةٌ في الميزان ،
تعدل ثلث القرآن أجراً ..
و هي متضمنة لأعظم معاني الإيمان ،
من توحيد الله ،
و الإقرار بصمديته،
و نفي الولد و الوالد و المماثل له ..
جاء في الحديث أن رجلًا كان يقرأ بها في كل ركعة ، فلما سُئل قال :
( لأنها صفةُ الرحمن وأنا أحب أن
أقرأ بها ) ،
فقال النبي ﷺ :
( أخبروه أن الله يحبه ) ..
نعم ،
لو أنفق الواحد منا العمر كله ،
مُلازمَاً ( سورة الإخلاص ) لظل يرتقي
علياء بعد علياء ، في توحيد الله
و التقرب إليه بها سائلاً ، فقد ورد
أن النَّبِيُّ ﷺ سمع رَجُلًا يَقُولُ :
( اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ
أَنْتَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ،
الأَحَدُ ،
الصَّمَدُ ،
الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ،
وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ” ) ،
فَقَالَ :
( لَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ
بِهِ أَعْطَى،
وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ ) ..
نعم ،
( سورة الإخلاص ) ..
أقراها ( قَدُر ما تَقْدَر ) و بتركيزٍ و انتباه ..
هيَّا ..
أقبل عليها كلما وجدت مُتسعاً
اقرأها و أنت على أي حال ،
و العمر كله ،
فلن تستغرق منك أكثر من
( خمس ثواني ) ،
و هذه ( الثواني الخمس ) قد تهدرها في لا شيء ،
أما إذا أنفقتها في صُحبة ( الإخلاص ) ،
فقد نِلت بها كل شيء ..
و هكذا ..
فكلُّ آيةٍ من القرآن ،
و كلُّ سورةٍ منه تُضاهي أخواتِها رفعةً
و كمالاً ..
فما تضمنته ( آية الكرسي ) ،
و هذه ( السور ) القِصَار ، تجد
نظيره ، من فضائلَ ، و معانٍ ،
و مقاصدَ في كل ( آية ) من ( آي )
الذكر الحكيم ،
و في كل ( سورة ) ،
فهلا أقبلنا ، و اقتربنا ، و نَعِمنا ؟ ..
وليكن ديدننا مع كل ( آية ) ،
و مع و كل ( سورةٍ ) ،
أن هذا ( كلام الله ) إليَّ أنا ،
و إليكَ أنتَ ،
و إليكِ أنتِ ،
و إلينا جميعاً ..
لنُقبِل على ما تيسر لنا منه ،
تلاوةً ،
و تدبراً ،
و عملاً ،
ذلك أن قليله ، لا يُقال له قليل ،
فأقله كثيرٌ،
و كبير ،
و جليل ،
و عظيم ..
و الحمدلله رب العالمين ..
٨مارس ٣٠٢٦
١٨رمضان ١٤٤٧ ..





