موسكو تفتح أبوابها للخرطوم – مفضل يحشد دعماً روسياً واسعاً للسودان ويضع ملف الحرب والتدخلات الخارجية على طاولة الأمن والدبلوماسية

____
تقرير : مجدي عبدالعزيز
الرواية الاولى
في تحرك دبلوماسي وأمني لافت يعكس تنامي الحضور السوداني على الساحة الدولية، اختتم الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل، المدير العام لجهاز المخابرات العامة، زيارة مهمة إلى العاصمة الروسية موسكو، ترأس خلالها وفد السودان المشارك في الاجتماع الدولي لكبار المسؤولين المعنيين بالشؤون الأمنية، الذي انعقد خلال الفترة من 26 إلى 29 مايو الجاري بمشاركة وفود تمثل 145 دولة وعدداً من المنظمات والهيئات الدولية ذات الصلة.
وشهدت الزيارة سلسلة لقاءات رفيعة المستوى مع كبار المسؤولين الروس، شملت نائب وزير الخارجية الروسي جورجي بوريسينكو، ورئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الدوما ليونيد سلوتسكي، إلى جانب لقاءات مع قادة الأجهزة الأمنية الروسية ورؤساء وفود عدد من الدول المشاركة، في إطار حراك مكثف استهدف شرح تطورات الأوضاع في السودان وتعزيز التعاون الثنائي مع موسكو في مختلف المجالات الأمنية والسياسية والدبلوماسية.
السودان في قلب النقاشات الأمنية الدولية
وخلال مشاركته في أعمال المؤتمر الدولي، قدم الفريق أول مفضل رؤية السودان حيال التحديات الأمنية الإقليمية والدولية، متناولاً التحولات التي يشهدها النظام الدولي في ظل بروز عالم متعدد الأقطاب، ومشدداً على ضرورة إصلاح مؤسسات الحوكمة العالمية بما يحقق العدالة والتوازن ويحفظ سيادة الدول واستقلالها.
وأكد أن السودان يواجه تحدياً استثنائياً يتمثل في التدخلات الخارجية التي أسهمت في إطالة أمد الحرب، مشيراً إلى ما وصفه بالدعم الخارجي الذي تتلقاه المليشيا المتمردة، واستعانتها بمرتزقة وعناصر أجنبية من أكثر من سبع عشرة دولة، الأمر الذي يجعل من الأزمة السودانية قضية تتجاوز حدودها الوطنية لتصبح تهديداً للأمن الإقليمي والدولي.
ودعا المدير العام لجهاز المخابرات العامة إلى تصنيف مليشيا الدعم السريع منظمة إرهابية، محذراً من تداعيات أنشطتها على أمن منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر والإقليم بأسره، ومؤكداً أن آثار هذه الممارسات لن تتوقف عند حدود السودان.
كما استعرض التطورات العسكرية الأخيرة، موضحاً أن القوات المسلحة السودانية استعادت زمام المبادرة في معظم مسارح العمليات، وأن عدداً من قيادات المليشيا انشقوا عنها وانضموا إلى القوات المسلحة، في مؤشر على تراجع قدراتها الميدانية وتنامي الالتفاف الشعبي حول مؤسسات الدولة.
رسائل مباشرة إلى موسكو
وفي اللقاء الذي جمعه بنائب وزير الخارجية الروسي جورجي بوريسينكو بمقر الخارجية الروسية، قدم الفريق أول مفضل تنويراً شاملاً حول تطورات الأزمة السودانية، مستعرضاً الانتهاكات التي ارتكبتها المليشيا بحق المدنيين والبنية التحتية، ورؤية الحكومة السودانية لتحقيق السلام والاستقرار عبر حوار سوداني شامل يُعقد داخل السودان ويضمن مشاركة مختلف القوى الوطنية.
كما انتقد محاولات تجاوز الحكومة السودانية في بعض المبادرات والمؤتمرات الدولية، مشيراً إلى أن مثل هذه المسارات لا تسهم في حل الأزمة بقدر ما تؤدي إلى إطالة أمدها وتعقيدها.
من جانبه، أكد نائب وزير الخارجية الروسي موقف بلاده الثابت الداعم لوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه، ورفض التدخلات الخارجية في شؤونه الداخلية، مشيداً بمستوى التنسيق القائم بين الخرطوم وموسكو في المحافل الدولية.
وأفاد بيان صادر عن وزارة الخارجية الروسية عقب اللقاء بأن الجانبين أجريا تبادلاً معمقاً للآراء بشأن الوضع في السودان، مع التأكيد على ضرورة إنهاء إراقة الدماء واستعادة الاستقرار بما يحفظ سيادة البلاد ووحدتها الترابية، كما ناقشا ملفات التعاون الثنائي وآفاق تطوير الحوار السياسي بين البلدين.
دعم روسي من البرلمان
وفي محطة أخرى من الزيارة، التقى الفريق أول مفضل رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الدوما الروسي ليونيد سلوتسكي، حيث استعرض أمامه التطورات السياسية والعسكرية في السودان ورؤية الحكومة لتحقيق السلام.
وأكد سلوتسكي خلال اللقاء أن روسيا تتابع باهتمام تطورات الأوضاع السودانية، مجدداً موقف بلاده الرافض لأي محاولات تستهدف الحكومة الشرعية أو تمس وحدة السودان وسيادته، ومشدداً على أهمية تعزيز التعاون الثنائي وتبادل الزيارات وتطوير العلاقات في مختلف المجالات.
وشكل اللقاء مؤشراً إضافياً على وجود توافق سياسي واسع داخل المؤسسات الروسية تجاه دعم السودان والحفاظ على وحدة أراضيه واستقلال قراره الوطني.
أجندة تعاون ممتدة
ولم تقتصر الزيارة على الملفات الأمنية والسياسية الآنية، بل امتدت إلى بحث أجندة التعاون الثنائي خلال الفترة المقبلة، حيث أكد الجانبان أهمية مواصلة التشاور والتنسيق عبر الآليات الثنائية والمتعددة الأطراف، في إشارة إلى عدد من المحطات المرتقبة، من بينها لجنة التشاور السياسي بين البلدين في يونيو المقبل، والمنتدى الروسي ـ العربي في سبتمبر، والقمة الروسية ـ الأفريقية المقررة في أكتوبر القادم.
كما تناولت المباحثات التحديات المرتبطة بأمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي وتداعيات التطورات الإقليمية المتسارعة، بما في ذلك انعكاسات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.
قراءة في دلالات الزيارة
تعكس زيارة الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل إلى موسكو أهمية متزايدة للدبلوماسية الأمنية السودانية في إدارة ملف الحرب وكسب التأييد الدولي للموقف الرسمي السوداني. كما أظهرت حجم الاهتمام الروسي بمتابعة تطورات الأزمة السودانية واستمرار الرغبة المشتركة في تطوير العلاقات الثنائية على المستويات السياسية والأمنية والعسكرية.
وفي وقت تتصاعد فيه النقاشات الدولية حول مستقبل السودان، حملت اللقاءات التي أجراها المدير العام لجهاز المخابرات العامة رسائل واضحة مفادها أن الخرطوم تسعى إلى حشد دعم أوسع لسيادتها ووحدة أراضيها، وترفض أي ترتيبات تتجاوز مؤسسات الدولة، في مقابل تأكيد روسي متكرر على احترام الشرعية الوطنية ورفض التدخلات الخارجية.
وبذلك يمكن القول إن زيارة موسكو لم تكن مجرد مشاركة في مؤتمر أمني دولي، بل مثلت محطة سياسية ودبلوماسية مهمة عززت من حضور السودان في دوائر صنع القرار الروسية، ورسخت مساراً متنامياً من التنسيق والتعاون بين البلدين في مرحلة تشهد تحولات إقليمية ودولية متسارعة. كما تعكس الزيارة حرص الخرطوم على تنويع شراكاتها الدولية وتعزيز قنوات التواصل مع القوى المؤثرة على الساحة العالمية، بما يخدم مصالحها الوطنية ويدعم جهودها الرامية إلى استعادة الاستقرار وترسيخ الأمن والسلام في البلاد.





