الرواية الأولى

نروي لتعرف

موطئ قلم / د. اسامة محمد عبدالرحيم

صمود ومو إبراهيم… تشابه الخطاب وتقاطع الأجندات

عقيد بحري ركن (م) د. اسامة محمد عبدالرحيم

بيان سياسي يصدر عن تحالف مدني سوداني، وتصريحات لرجل أعمال يتمتع بحضور في دوائر التأثير الأفريقية والدولية؛ منبران مختلفان، لكن التقارب في اللغة والأرقام والمخرجات السياسية يثير تساؤلات تتجاوز المصادفة الظاهرية. فقد جاء بيان التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود»، الصادر في السابع والعشرين من أكتوبر، متقاطعاً في جوانب مهمة مع التصريحات المنسوبة إلى رجل الأعمال السوداني البريطاني مو إبراهيم بشأن مستقبل السودان. ويستدعي هذا التقارب قراءة تتجاوز توصيف المأساة الإنسانية إلى تشخيص الأزمة، وتحديد مسؤولياتها، والاتجاهات السياسية المقترحة لمعالجتها، ومدى اتصالها بالتوجهات الإقليمية والدولية لإعادة تشكيل المشهد السوداني.

تبدأ الملاحظة الأولى من اللغة المستخدمة. فقد اختار بيان «صمود» تصوير السلطة القائمة باعتبارها سلطة عسكرية تفتقر إلى الشرعية، وتقدم مصالحها السياسية على حياة المواطنين، وتستخدم السيادة الوطنية عائقاً أمام التدخل الإنساني. وفي المقابل، يقدم مو إبراهيم السودان بوصفه دولة تتجه نحو فقدان قابليتها للحكم، وتتهددها المليشيات المسلحة والتفكك الداخلي. ورغم اختلاف حدة العبارات وطبيعة الاتهامات، يلتقي الخطابان في إبراز أزمة الحكم والاستقرار، والدعوة إلى معالجة سياسية شاملة. غير أن بيان «صمود» يتضمن موقفاً مباشراً من السلطة القائمة ودعوة صريحة إلى هدنة غير مشروطة، بينما تركز تصريحات مو إبراهيم على مخاطر التفكك وضرورة الحوار مع مختلف الأطراف، وهو اختلاف ينبغي أخذه في الاعتبار عند تحليل المخرجات المحتملة.

وتتعمق أوجه التشابه عند الانتقال إلى الأرقام. فقد أورد بيان «صمود» أن نحو 19.5 مليون سوداني يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينهم خمسة ملايين في مستويات طارئة، بينما تحدث مو إبراهيم عن نحو 19 مليوناً، إلى جانب ملايين النازحين واللاجئين. وتتقارب هذه التقديرات مع الأرقام المتداولة في التقارير الإنسانية الدولية، غير أن تكرارها لا يمنحها حصانة من المراجعة، خاصة في بيئة الحرب والنزوح وصعوبة التحقق الميداني. كما أن التشابه العددي لا يثبت انحياز الجهات المنتجة للمعلومات، فذلك يتطلب فحص مصادرها ومنهجياتها بصورة مستقلة. والأهم في هذه المقارنة هو تقارب الاستخدام السياسي لهذه المعطيات، إذ يوظفها الخطابان، بدرجات مختلفة، في تأكيد الحاجة إلى تغيير مسار إدارة الأزمة. وفي تقديري، فإن هذا التقارب بين المرجعية المعلوماتية والمخرجات السياسية قد يعكس التقاءً في الأجندة العامة، دون أن يثبت وجود تنسيق بين الأطراف أو الجهات المنتجة للتقديرات.

وعند الانتقال من اللغة والأرقام إلى النتائج السياسية، تتضح مساحة التقاطع بصورة أكبر. فـ«صمود» تدعو إلى هدنة إنسانية فورية غير مشروطة، تعقبها تسوية تفاوضية تستعيد الحكم المدني، بينما يدعو مو إبراهيم إلى الحوار مع جميع الأطراف دون استثناء. وقد يفضي المساران إلى إعادة إدخال القوى المسلحة والسياسية في عملية تفاوضية شاملة، دون أن يقدم أي من الخطابين، في صيغته المعروضة، تصوراً تفصيلياً لمستقبل السلاح، وحدود المشاركة السياسية، وضمان عدم إعادة إنتاج المليشيات داخل بنية الدولة. وهنا تبرز المعضلة الجوهرية: هل تؤسس التسوية لدولة تحتكر القوة المسلحة، أم تعيد توزيع السلطة بين أطراف تمتلك السلاح والنفوذ؟

وتزداد أهمية المقارنة بالنظر إلى موقع مو إبراهيم داخل شبكات التأثير الأفريقية والدولية، وصلته التاريخية بعبدالله حمدوك. فقد ترأس حمدوك المجلس الاستشاري لمؤشر إبراهيم للحوكمة الأفريقية لسنوات سبقت تعيينه رئيساً للوزراء في أغسطس 2019م، وأعلنت مؤسسة مو إبراهيم آنذاك ترحيبها بتعيينه ودعمها للانتقال المدني. وتكشف هذه العلاقة المؤسسية عن تقارب سابق في دوائر الحوكمة والانتقال السياسي، دون أن تقدم دليلاً على دور مباشر لإبراهيم في ترشيح حمدوك أو اختياره. وتكتسب هذه الصلة أهمية إضافية مع عودة حمدوك إلى واجهة المعارضة المدنية عبر «صمود»، واستمرار حضور إبراهيم في النقاش المتعلق بمستقبل الحكم في السودان.

ومن هنا يكتسب تداول تصريحات مو إبراهيم في هذا التوقيت دلالة تستحق التأمل، عند مقارنته بالبيئة التي سبقت سقوط نظام الإنقاذ في أبريل 2019م. فقد اجتمعت آنذاك الأزمة الاقتصادية، وتدهور الأوضاع المعيشية، وتصاعد الاحتجاجات الشعبية، مع خطاب داخلي وخارجي يؤكد تعثر الحكم وضرورة الانتقال السياسي. واليوم تتكرر بعض عناصر الضغط، وإن اختلفت طبيعة الأزمة جذرياً؛ فسقوط الإنقاذ جاء في سياق حراك شعبي واسع ضد نظام حكم قائم، بينما يواجه السودان اليوم حرباً تهدد وجود الدولة ومؤسساتها، وتفرض معادلات عسكرية وأمنية أشد تعقيداً. ومع ذلك، فإن حضور بعض الشخصيات والمؤسسات المرتبطة بالمشهد الانتقالي السابق في النقاش الراهن حول مستقبل السلطة، بالتزامن مع تصاعد الضغوط الإنسانية والدبلوماسية، يثير تساؤلاً حول احتمال استدعاء بعض أدوات الانتقال السياسي لعام 2019م لإعادة ترتيب السلطة في ظروف مختلفة. وتظل الإجابة مرتبطة بطبيعة التحركات المقبلة ومخرجاتها الفعلية.

أما في المحيط الإقليمي والدولي، فإن تقاطع الخطابين يأتي وسط تنافس يتجاوز وقف الحرب إلى تحديد شكل الدولة السودانية وموقعها في التوازنات الإقليمية. فالولايات المتحدة وشركاؤها الأوروبيون يركزون على الهدنة الإنسانية وترتيبات الانتقال السياسي، بينما تنطلق مصر والسعودية من اعتبارات تتصل بوحدة الدولة واستقرار مؤسساتها وأمن البحر الأحمر. وتدخل الإمارات ضمن هذه المعادلة في ظل الاتهامات الموجهة إليها بدعم قوات الدعم السريع، والتي تنفيها، وما يترتب على ذلك من خلافات حول طبيعة دورها في التسوية. أما الاتحاد الأفريقي فينظر إلى الأزمة من زاوية الاستقرار القاري ومنع انتقال النزاعات عبر الحدود. وتتقاطع هذه المصالح عند ثلاثة ملفات حاسمة: مستقبل المؤسسة العسكرية السودانية، وطبيعة السلطة التي ستنشأ بعد الحرب، وموقع السودان في التنافس الاستراتيجي على البحر الأحمر والقرن الأفريقي. ومن ثم فإن أي تسوية سياسية ستتأثر بموازين هذه المصالح، وإن ظلت دوافع الفاعلين وأهدافهم متفاوتة.

وتحمل هذه التطورات خطراً استراتيجياً يتمثل في احتمال انتقال مركز تحديد مستقبل السودان من مؤسساته الوطنية إلى تفاهمات خارجية تتعامل مع الأطراف المسلحة والسياسية باعتبارها وحدات متساوية في صناعة التسوية. وقد ينجح هذا المسار في إنتاج اتفاق لوقف القتال، لكنه يظل معرضاً لإعادة تدوير أسباب الحرب إذا أغفل احتكار الدولة للسلاح، والمساءلة عن الجرائم، وإعادة بناء المؤسسة العسكرية، وإرساء شرعية سياسية تستند إلى الإرادة الشعبية. فالتسوية التي تعالج توزيع السلطة وتتجاوز طبيعة الدولة قد تؤسس لهدنة مؤقتة تحمل داخلها بذور صراع جديد.

إن قراءة خطابي «صمود» ومو إبراهيم تضع السودان أمام سؤال يتجاوز هوية المتحدثين: من يحدد طبيعة السلام القادم، وعلى أي أساس ستُبنى الدولة بعد الحرب؟ فالمأساة الإنسانية تستوجب استجابة عاجلة، والتسوية السياسية تحتاج إلى شروط تضمن استدامتها، لكن التجربة السودانية أثبتت أن الاتفاقات التي تتجاوز جذور الأزمة قد تؤجل الانفجار وتمنحه أسباباً جديدة.

ويبقى الدرس الأهم من تجربة 2019م وما أعقبها أن تغيير السلطة دون معالجة اختلالات الدولة لا يكفي لصناعة الاستقرار. وإذا كان السودان قد دفع ثمناً باهظاً لفشل انتقاله السابق، فإن تكرار أخطائه في ظل الحرب الراهنة قد يضع مستقبل الدولة نفسها على المحك. ولذلك فإن القضية الحاسمة تتعلق بقدرة السودانيين على امتلاك مشروعهم الوطني، قبل أن تتحول رؤى الآخرين إلى الإطار الذي تُرسم داخله حدود دولتهم وخياراتهم السياسية.

الاربعاء، 28 أكتوبر 2026م

اترك رد