الرواية الأولى

نروي لتعرف

آفاق رقمية / د. محمد عبدالرحيم يسن

رحلات في ذاكرة التقنية

عمّان… المدينة التي تحدثت لغة البرمجيات باكراً.

د. محمد عبدالرحيم يسن




(١)

في منتصف التسعينات حملتني رحلة من بيت البرامج الخرطوم، إلى عمّان عاصمة الأردن، بحثا عن طريق يساعد في الانتقال إلى قاعدة البيانات الاشهر أوراكل وتوسيع آفاق العمل في تطوير الأنظمة. خرجت بسؤال تقني، وعدت برؤية أوسع حول مستقبل البرمجيات وطريقة بنائها وكيف تتحول المعرفة إلى صناعة متكاملة.
في تلك السنوات كانت المعرفة التقنية تسافر عبر المطارات أكثر مما تعبر عبر الشبكات. الإنترنت ما زال في خطواته الأولى، ومحركات البحث لم تصبح جزءا من الحياة اليومية بالصورة التي نعرفها الآن. الوصول إلى الخبرة احتاج إلى لقاءات مباشرة وساعات طويلة من الحوار وزيارات متكررة للشركات والخبراء.
بدت عمّان مدينة تتحرك بدلالها فوق تلال، تجمع بين البساطة والحيوية وتستقبل وجوها عربية قادمة من أماكن متعددة. الأردن في تلك المرحلة اتجه بثقة نحو بناء حضوره في مجال البرمجيات، حتى أصبح اسمه حاضرا في المشهد التقني العربي.
بعض المناطق حملت ملامح خاصة في ذاكرتي. شارع وصفي التل المعروف بالجاردنز، ومنطقة العبدلي، وغيرهما من المواقع، احتضنت عددا كبيرا من شركات تطوير البرمجيات. تجاوز عدد شركات البرمجيات في عمّان آنذاك المائة والخمسين شركة، وهو رقم جذب الانتباه على المستوى العربي. بعض هذه الشركات عمل في الأنظمة المصرفية والمالية، وبعضها اتجه إلى الحلول الإدارية، وبعضها تخصص في تعريب البرمجيات وتطوير أدوات تساعد على انتشار الحاسب في البيئة العربية.
زرت خلال تلك الرحلة عددا منها، وأذكر شركة الاتصالات وأنظمة الكمبيوتر، وشركة سي إي بي، وشركة سدكو المتخصصة في التعريب، إلى جانب شركات أخر. الزيارة والزيارات اللاحقة منحتني فرصة لرؤية الأفكار وهي تتحول إلى منتجات، ومتابعة الطريقة التي تتحول بها المعرفة إلى صناعة.
ومن المكاسب التي امتد أثرها حتى اليوم تعرفي على المهندس عمار السجدي، المتخصص في أوراكل آنذاك والذي ساعدني كثيرا في تدريب عدد من المبرمجين السودانيين على أوراكل. اللقاءات المهنية أحيانا ترسم مسارات تمتد لسنوات طويلة، والصداقة التي بدأت في تلك المرحلة ما زالت مستمرة حتى اليوم. كما تعرفت على عدد من مديري الشركات والخبراء، وأسهمت تلك اللقاءات في فتح آفاق أوسع للمعرفة والعمل.
الرحلة الأولى فتحت بابا لرحلات أخرى. عدت إلى عمّان مرات عديدة خلال سنوات لاحقة، واتسعت دائرة المعرفة والعلاقات المهنية والإنسانية مع كل زيارة. كثير من الأسماء التي تعرفت عليها نسجت علاقات مهنية داخل السودان وعدد من الدول العربية، وتحولت اللقاءات إلى تعاون ومشروعات وأفكار تركت أثرها في تطوير الأنظمة والعمل التقني.
ومع مرور السنوات اتضحت صورة أكبر أمامي. الأفكار والأساليب التي تعرفنا عليها وجدت طريقها لاحقا إلى برامج ومشروعات جرى تطويرها وتشغيلها في السودان.
التقنية تنتقل عبر البشر بقدر إنتقالها عبر الأجهزة والبرامج، وتحمل معها طرائق تفكير وتجارب تبقى حاضرة لسنوات طويلة.
بعد هذه الرحلة أصبح البحث عن أوراكل جزءا من حكاية أوسع، حكاية بدأت من مدينة عربية فوق التلال، ثم امتدت مع الزمن إلى محطات أخرى حول العالم.
في الحلقة القادمة ننتقل إلى مدينة أخرى حملت تجربة مختلفة، وفتحت نافذة جديدة على عالم التقنية.

١٨ مايو ٢٠٢٦م.

اترك رد

error: Content is protected !!