الرواية الأولى

نروي لتعرف

الرأي

الصداقة السودانية بالقاهرة : امتحان الشهادة والمحشي المصري

محمد عبدالرحيم جاويش

محمد عبد الرحيم جاويش

تنفست اسر حوالي 40 ألف طالب وطالبة في مصر الصعداء مع نهاية امتحانات الشهادة السودانية والتي أنجزت بتنسيق عال بين عدة جهات سودانية ومصرية. شارك فيها حوالي 5 الف من المعلمين السودانيين ، وتوزعت في 51 مركزا في القاهرة، إضافة إلى مراكز اسوان والإسكندرية.
الشهادة السودانية أيقونة التعليم العام في السودان، ولها مكانة مرموقة في العالمين العربي والافريقي وللطلاب وأسرهم هي محطة مهمة في مسيرتهم إذ أنها بوابة التعليم العالي. ظلت الامتحانات هما لكثير من الأسر الذين اضطرتهم ظروف الحرب للانتقال إلى مصر، وهم الاكثر بين الذين خرجوا من السودان بسبب الحرب.
تعودنا الا نكتب عن نجاحات مؤسساتنا، ونلهب أظهرها بالسياط والألسنة الحداد إذا لم نرضى عنها. نجاح تنظيم امتحانات الشهادة في مصر، كان ثمرة تعاون فريد، شاركت فيه مدرسة الصداقة السودانية، السفارة والقنصليات في اسوان والاسكندرية، ولجنة امتحانات الشهادة السودانية، ووزارة التربية المصرية، والشرطة المصرية والدفاع المدني والعاملين في المدارس المصرية من معلمين وموظفين وعمال …النجاح لم يكن في تنظيم الامتحانات فقط، وإنما في ذلك التنسيق الرفيع بين كل هذه الجهات جميعا، والتي ظلت تعمل وكأنها تعزف سيمفونية رائعة، قادت الأوركسترا فيها مدرسة الصداقة السودانية في القاهرة.
اول ما لفت النظر قبل بدء الامتحانات هو تطور إجراءات تسجيل الطلاب وتوزيعهم على المدارس بصورة أفضل من العام الفائت، إذ جرى التسجيل الالكتروني للطلاب بسلاسة، وتحصل الطلاب على ارقام جلوسهم ومراكزهم وحتى رقم حجرة الامتحان داخل المركز، من خلال الرابط الالكتروني الذي نشر في صفحة المدرسة. وأثناء الامتحانات برزت الخبرة الإدارية للطاقم العامل في المراكز ، في تجاوز التحديات والتعامل مع أولياء الأمور وإرشاد الطلاب أثناء وصولهم للمراكز وتوفير مياه الشرب، ومعالجة الحالات الخاصة الطارئة للممتحنين، وتوفير كادر طبي في كل مركز، وغيرها من الانجازات التي لم تكن لتتم لولا الإدارة المهنية للعاملين بمدرسة الصداقة، والخبرات المتراكمة للمعلمين الذين شاركوا في إدارة الامتحانات، والتنسيق المحكم مع السفارة.
جانب مشرق آخر هو التعاون الوثيق الذي تم مع الإخوة المصريين، و لم يجده حظه من التغطية، فلم تكتفي وزارة التربية في جمهورية مصر بتوفير المدارس المطلوبة وجعلها تحت تصرف السودانيين، بل ظلت ترسل موظفين من العاصمة الإدارية ليزوروا المدارس ويطمئنوا على أن كل خدماتها متاحة للأخوة السودانيين. هؤلاء المفتشين تبدأ زيارتهم عند الوصول لمركز الامتحانات بلقاء الكنترول والعاملين في إدارة الامتحانات اولا، وبعد أن يستمعوا لهم بحرص شديد يلتقوا بإدارة المدرسة من الجانب المصري.
تنظيم امتحانات الشهادة السودانية والشهادتين المتوسطة والابتدائية في المدارس المصرية بهذا العدد من الطلاب خلال العامين الاخيرين، يحدث لأول مرة في تاريخ البلدين ، وقد أتاح للمعلمين السودانيين وفيهم قيادات في وزارة التربية الاتحادية والولائية في السودان، أتاح لهم التعرف على البنية التحتية المثالية للمدارس المصرية، من ناحية الفصول والمسارح، والتشجير، والمعامل، و العيادات والميادين الرياضية ونظام الصوت الداخلي…، انه نموذج يجب السعي لتبنيه عندما تبدأ مرحلة الاعمار في السودان.
تنظيم الامتحانات كان أيضا فرصة للعمل المشترك بين الكوادر السودانية والمصرية من إدارات المدارس والعمال وتبادل الخبرات وتوثيق العلاقات، سادته روح عالية من الحب والتفاني والعمل معا بجد وإخلاص لإنجاز الامتحانات على أفضل حال. داخل المراكز يبدأ العمال المصريون عملهم من الساعات الأولى من الصباح في نظافة الفصول والساحات، وإعداد مياه الشرب والثلج باشراف المعلمين السودانيين الذين كلفتهم مدرسة الصداقة في مراكز الامتحانات، واضفت الروح المصرية المرحة، و الدعابة وخفة الدم جوا بهيجا في ظل عمل ضاغط، وساعات معدودة لإنجاز اعمال لا تتحمل الأخطاء. هذه الروح شيئا فشيئا وثقت العلاقة بين الجانبين في كل مركز، وأصبح كل طرف يتمنى ألا تنتهي الامتحانات. من خلال التجربة اكتشف كل جانب عن قرب لأول صفات وميزات الجانب الآخر.
في أحد المراكز بمحافظة الجيزة،فوجئ المعلمون السودانيون في نهاية اليوم الأخير للامتحانات، بأن العمال المصريين جمعوا مساهمات أو ( شير ) بلغة الشباب، وطبخوا محشي مصري لكل العاملين في المركز، وللمحشي المصري مكانة رفيعة في المائدة المصرية..يقدم عادة للضيف ذي المكانة الخاصة.
وليمة المحشي المصري كانت لفتة بارعة من العمال المصريين وستبقى أحد الذكريات الجميلة للمعلمين لهذه الفترة في مصر ، ومؤكد أنهم سيحكونها لطلابهم وزملائهم المعلمين عندما يعودون للفصول في السودان.
وان كان ثمة مثال عملي ليضرب في الدبلوماسية الشعبية والتعاون بين الشعوب، فليس افضل من تجربة تنظيم امتحانات الشهادة السودانية في مصر خلال سني حرب ابريل …

اترك رد

error: Content is protected !!