الرواية الأولى

نروي لتعرف

هموم وقضايا / السفير د. معاوية التوم

السودان والإمارات: كيف تُبنى تسوية لا تُكافئ الحرب ولا تُعيد إنتاجها!؟

السفير د. معاوية التوم


في لحظة سياسية شديدة الحساسية، تتصدر مجالس المدينة روايات بشأن توجهات للدخول في محادثات أو حوار مع دولة الإمارات، وهي وجهة بالغة الحساسية برصيدها المثقل بالجراح التي أوجدتها في المخيلة الجمعية لشعبنا. لتفتح بابًا واسعًا أمام أسئلة أعقد من مجرد مسعى لمعالجة ما عليه العلاقات الدبلوماسية بين البلدين على خلفية الحرب المفروضة على البلاد بكل سرديتها الجارحة وكلفتها الباهظة، والتي دخلت عامها الرابع وما تزال. والإمارات ترفض الاعتراف بانخراطها وكانّها تغطي الشمس بيدها!؟ ، ومترتبات غزوها للبلاد عبر التمرد بسمع وبصر العالم. فالقضية لم تعد خلافًا سياسيًا عابرًا، بل أزمة ترتبط بحرب مركبة ومدمرة أرهقت الدولة السودانية أرضاً وشعباً ودولة، وخلّفت ملايين الضحايا والنازحين واللاجئين، وضربت البنية الوطنية التحية، والأمنية والاقتصادية والاجتماعية في عمقها.
تتناول الأوساط هذه القضية والإمارات ما تزال في حالة الإنكار ، ورعايتها للتمرد متمددة بالنفوذ والمال والسلاح والرعاية والمدافعة . والسودان قيادة وشعبا لا يتهيب اي دولة طالما انه لم يبادر بشر ولم ينخرط في مؤامرة ضدها.
ومن حق اهل السودان الاهتمام بما يقال من تطور ايا كان كنهه بحجم وقع أثره عليهم وعلى مستقبلهم،، فإن أي مسار تفاوضي محتمل لا يمكن أن يُقرأ فقط باعتباره محاولة غامضة لخفض التوتر، وإنما باعتباره اختبارًا تاريخيًا حقيقياً لقدرة الدولة السودانية على تحويل تضحيات شعبها ومعاناته إلى رصيد تاريخي ، وموقف تفاوضي وطني جمعي مشرف ومتماسك، لا يسمح بإعادة تدوير أسباب الحرب، ولا بفتح الطريق أمام نسخة جديدة من الفوضى تحت عناوين التسوية الهشة أو الاجندة الخارجية أو المصالح الإقليمية دون توقف عند الأضرار التي رتبتها الحرب الكارثية عليه!؟.

أولًا: منطق القوة لا يكفي… ومنطق الدولة هو المطلوب
لقد استطاعت القوات المسلحة السودانية خلال الفترة الماضية وبدعم وسند الشعب وصبره، أن تُحدث تحولًا مهمًا في المشهد الميداني، وأن تستعيد أجزاء واسعة من السيطرة الاستراتيجية، وكتابة النصر رغم التآمر والأجندات، وهو ما انعكس سياسيًا في تغير نبرة كثير من العواصم الإقليمية والدولية تجاه الأزمة السودانية.

لكن التجارب الإقليمية تُثبت أن الانتصار العسكري وحده لا يكفي لبناء سلام مستدام، ما لم يتحول إلى مشروع دولة واضح المعالم، يملك رؤية سياسية وطنية وقانونية وأمنية لما بعد الحرب بمحددات عزيزة. وهنا تكمن أهمية أي توجهات من هذا القبيل؛ لأنها توحي بأن الخرطوم بدأت تدرك أن إدارة المعركة لا تنفصل عن إدارة الوجهة المحتملة، ولكن بكتاب واضح تخطه ارواح ودماء وآلام وممتلكات هذا الشعب العظيم، وبنيّاته ومكاسبه التي دمرت، وموارده التي أهدرت ، وتاريخه الذي تكالبت عليه الأعداء لمصادرته واقعاده عن النهوض والتقدم .

غير أن مثل هذه الخطورة (المثيرة ) ان وجدت لابد أن تتحول أي موقف علني تجهر به الدولة وليس مجرد صفقة سياسية قصيرة الأمد والبصيرة تكتب خلف الأسوار والغرف المغلقة وتحفها الشكوك ، وما اصاب شعبنا يندى له اي جبين حر، نريدها خطوة شامخة بمواقف شعبنا وعزته، لا تُطفئ الحريق مؤقتًا فحسب او تُبقي الوقود تحت الرماد. ولذلك فإن المطلوب ليس “عودة علاقات لم يسعى السودان لتسويد صفحاتها ” بقدر ما هو إعادة تعريف كامل لقواعد العلاقة بين السودان وأي طرف إقليمي كان وراء هذا العدوان ، وفق مبدأ واضح: احترام سيادة السودان ووحدة قراره الوطني، وحرمة شأنه الداخلي من أي تدخل او أضرار بمصالحه .

ثانيًا: ما الذي يجب أن يدخل به السودان إلى طاولة التفاوض؟
إذا كان السودان ذاهبًا إلى أي مسار تفاوضي مع الإمارات أو غيرها، فإنه يحتاج قبل ذلك إلى بناء “عقيدة تفاوض وطنية” تقوم على ثوابت معلنة، حتى لا يتحول الملف إلى اجتهادات أفراد أو رهانات ظرفية، لان الذي حدث بحاجة الي ثوابت وطنية وجرأة في التعاطي الذي طال كل حرمة وكرامة لأمّتنا أرضاً وشعباً ودولة.
وهذه الثوابت يمكن تلخيصها في عدة مرتكزات:

  1. الاعتراف بحجم الضرر
    لا يمكن تجاوز ما جرى باعتباره سوء تفاهم سياسي. فالحرب خلّفت دمارًا هائلًا في الخرطوم ودارفور والجزيرة وكردفان وأغلب مناطق السودان، وأنتجت واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في تاريخنا الحديث، وأضحت ثالث اكبر كارثة عالمية.
    وأي عملية سياسية جادة يجب أن تبدأ باعتراف واضح بحجم الكارثة الإنسانية والسياسية والأمنية التي وقعت، لأن تجاوز هذه الحقيقة يعني عمليًا شرعنة الحرب كأداة ضغط سياسية في المستقبل.
  2. وقف أي دعم عسكري أو لوجستي للمليشيات
    وهو الشرط الذي تعبر عن الدولة والإرادة الشعبية بوضوح، ويجب أن يتحول من مجرد تصريح سياسي إلى بند تفاوضي مُحكم، بضمانات إقليمية ودولية واضحة، تشمل آليات رقابة ومتابعة، لا مجرد تعهدات دبلوماسية فضفاضة، او تسوية مبتسرة والجرح ما يزال ينزف.
    فالسودان لا يحتاج إلى هدنة مؤقتة، بل إلى معادلة شاملة تمنع إعادة إنتاج الحرب والتمرد تحت أي صيغة مستقبلية.
  3. عدم مكافأة الحرب سياسيًا
    هذه من أخطر القضايا في المشهد السوداني. إذ إن أي تسوية تُنتج مكاسب سياسية أو اقتصادية مباشرة للقوة التي حملت السلاح ضد الدولة أو من وقف وراءهم، ستبعث برسالة كارثية إلى المستقبل، مفادها أن العنف هو الطريق الأسرع للوصول إلى السلطة والمكافأة وتصفير الجرائم.
    ولهذا فإن أي تسوية يجب أن تفرق بوضوح بين:
    • المسار الإنساني.
    • المسار السياسي.
    • والمسار الجنائي والعدلي.
    فلا يجوز خلط العدالة بالمساومات السياسية.

ثالثًا: من يمثل السودان؟ سؤال بالغ الخطورة
أحد أخطر ما واجه الدولة السودانية خلال العقود الماضية أن الملفات المصيرية كانت تُدار أحيانًا بعقلية المحاصصات أو الولاءات أو مراكز النفوذ، لا بعقل الدولة ومصالحها العليا.
ولهذا فإن أي تفاوض مقبل يحتاج إلى:
• فريق تفاوضي عالي الكفاءة.
• يضم خبرات قانونية ودبلوماسية وأمنية واقتصادية.
• ويملك معرفة دقيقة بملفات الحرب والانتهاكات والتمويل والتدخلات الخارجية.
• ويعمل تحت مظلة وطنية واضحة لا تحت تأثير المصالح الشخصية أو حسابات المكاسب والمناصب، واحتكار التمثيل.
كما أن إشراك الرأي العام الوطني بصورة مدروسة يظل ضروريًا، لأن الشعب السوداني لم يعد يحتمل صفقات الغرف المغلقة التي تُدار بعيدًا عن تطلعاته وتضحياته، أو تجعله في فصام وتعارض مع قيادة الدولة، وتفاقم الشكوك والتأويلات.

رابعًا: ماذا عن قوات الدعم السريع المتمردة؟
هذا السؤال سيظل في قلب أي تسوية مقبلة، لأنه لا يمكن بناء استقرار حقيقي دون معالجة مصير القوة المسلحة التي خاضت الحرب ضد الدولة ، وأوردت البلاد وإنسانها هذه المهالك.
وهنا يجب التفريق بين ثلاثة مستويات:
المستوى الأول: المساءلة الجنائية
كل من تورط في جرائم قتل أو تطهير أو نهب أو انتهاكات ضد المدنيين يجب أن يخضع للمحاسبة وفق القانون الوطني والمعايير الدولية للعدالة الانتقالية.فالسلام الذي يتجاوز العدالة يتحول غالبًا إلى هدنة هشة وصفقة منقوصة.
المستوى الثاني: التفكيك العسكري
لا يمكن السماح ببقاء أي تشكيل عسكري موازٍ أو مليشيا خارج المنظومة الوطنية الرسمية. وهذه قضية ترتبط بمستقبل الدولة نفسها، لا فقط بمستقبل الحرب الحالية.
المستوى الثالث: المعالجة الاجتماعية والإنسانية
هناك آلاف الشباب الذين زُجّ بهم في الحرب بفعل الفقر أو التعبئة أو الانهيار الاجتماعي. وهؤلاء يحتاجون إلى برامج تفكيك وإعادة دمج وتأهيل، حتى لا يتحولوا إلى وقود دائم للفوضى العابرة للحدود، او رهن لابتزاز الدول ومخابراتها.

خامسًا: الضمانات الإقليمية… لماذا هي ضرورية؟
ما جرى في السودان أثبت أن الأمن الوطني السوداني بات متداخلًا بصورة كبيرة مع التوازنات الإقليمية في البحر الأحمر والقرن الإفريقي ومنطقة الساحل ودول الجوار .
ولهذا فإن أي تسوية حقيقية تحتاج إلى:
• ضمانات بعدم استخدام الأراضي الحدودية لتهريب السلاح أو المقاتلين والإمداد.
• تفاهمات أمنية إقليمية تحمي وحدة السودان.
• رقابة على شبكات التمويل العابرة للحدود.
• والتزام واضح باحترام سيادة الدولة السودانية وعدم صناعة مراكز نفوذ موازية داخلها.
ومن حق الدولة ان تتحرك بجهودها لاجل السلام في اي اتجاه دون وجل أو خوف طالما تحكمها مصالح البلاد، ومعاناة شعبها بالحرب وآثارها الشاخصة في القتل والدمار. وبذلك يمكن فهم التحركات التي تجرى في أي بلد أو عاصمة باعتبارها محاولة لإعادة تعريف الحرب واحتواء تمظهراتها ضمن مقاربة وطنية واضحة المعالم تمنع تمددها إقليميًا، خصوصًا مع اتساع المخاوف من تأثيرات الحرب على أمن البحر الأحمر والملاحة والاستقرار الإقليمي.

أخيرًا: ما الذي ينتظره السودانيون من قيادتهم؟
الشعب السوداني لا ينتظر خطابًا انفعاليًا ولا انتقامًا سياسيًا، لكنه أيضًا لا يريد تسوية رخوة تُهدر دماء الضحايا او تسقط حقوقهم او تسترخص معاناتهم وتُعيد تدوير أسباب الحرب.
إن ما ينتظره الناس اليوم هو:
• قيادة واثقة من نفسها.
• تفاوض بعقل الدولة لا بعقل الأزمة.
• وضوح في الخطوط الوطنية الحمراء.
• حماية للسيادة دون عزلة.
• وعدالة تمنع تكرار المأساة.
لقد دفع السودان كلفة باهظة جدًا في هذه الحرب، وأصبح من حق شعبه أن يرى مشروعًا وطنيًا يحوّل الألم إلى فرصة جوهرية لإعادة بناء الدولة على أسس أكثر صلابة وعدلًا وسيادة.
أما التسويات التي تُبنى على المجاملات أو الضغوط أو المكافآت المؤقتة والتقديرات غير الدقيقة، فلن تصنع سلامًا، بل ستؤجل الانفجار القادم فقط. وان الثقة بين الشعب وقيادته وتضحياته عقب هذه الحرب الوجودية بكل تركتها المثقلة، ينبغي أن تكون هي البوصلة الموجهة لاي مسعى جاد للسلام ينفض عن امتنا ثقل هذا الذي وقع كان مع الإمارات أو غيرها..
………………
٢٤ مايو ٢٠٢٦ م

اترك رد

error: Content is protected !!