الرواية الأولى

نروي لتعرف

من زاويةٍ أخري / محمد الحاج

السودان بين نارين: حرب معلنة وتسوية منكرة

محمد الحاج

يعيش السودان اليوم تحت وطأة عدوان مزدوج: عدوان السلاح الذي يفتك بالمدن والقرى، وعدوان الصمت والرمادية الذي تمارسه النخب السياسية والجهات الرسمية، في لحظة تاريخية كان يفترض فيها أن يكون الموقف واضحًا وحاسمًا لصالح الشعب لا لصالح الحسابات الضيقة. وبينما تتساقط الأرواح وتُدمَّر البنية التحتية وتُهجَّر الأسر من منازلها، يكتشف السودانيون أن الحرب يتعامل معها وكأنها أزمة عابرة، لا كارثة وجودية تهدد بقاء الدولة نفسها. إن المواقف المعلنة و التي تم التصريح بها من قبل الدولة تبدو مترددة، ضبابية، محمّلة بعبارات عامة لا تُسمن ولا تُغني من جوع، فبينما تتحدث الدولة عن انهاء التمرد تشير مصادر متعددة إلى أن تسوية سياسية قد تمت بالفعل خلف الكواليس علي مستوي رفيع في الولايات المتحدة فقد اشارة مصادر متعددة من المراقبين و المحللين الي أن هذه التسوية أفدت التي تعهدات و التزامات الي عدم استهداف البني التحتية الحساسة من كهرباء و مطارات الخ من قبل الجيش و من قبل المليشيات المتمردة، وهذا ما ترفض الدولة الاعتراف به أو مصارحة الشعب بحقيقته.

هذا الإنكار لا يعبّر فقط عن أزمة شفافية، بل عن أزمة مسؤولية. فحين تُدار البلاد بمنطق الإخفاء والمناورة، يصبح الشعب آخر من يعلم، وأول من يدفع الثمن. السودانيون اليوم لا يواجهون فقط قصفًا ونزوحًا وجوعًا، بل يواجهون أيضًا حالة من التضليل السياسي التي تُبقيهم في دائرة الانتظار، انتظار موقف لن يأتي، أو اعتراف لن يُقال، أو قرار لن يُتخذ. الرمادية التي تتسم بها المواقف المعلنة ليست حيادًا، بل شكل آخر من أشكال العدوان. فالصمت في زمن الانهيار ليس موقفًا، بل مشاركة غير مباشرة في تعميق المأساة. وحين تتحدث المصادر عن تسوية تمت بالفعل، بينما تواصل الجهات الرسمية نفيها أو تجاهلها، فإن ذلك يفتح الباب أمام سؤال مشروع: لماذا يُحرم الشعب من معرفة ما يُطبخ لمستقبله؟ ولماذا يُترك وحيدًا في مواجهة حرب لا يعرف كيف ستنتهي، بينما تُدار الحلول في غرف مغلقة من المستفيد من كل ذلك؟

إن الشعب السوداني اصبح يعلم بأن جذور الأزمة أعمق من مجرد حرب بين طرفين، فهي نتاج غياب الدولة المدنية الفاعلة وانعدام سيادة القانون، وهو ما خلق فراغًا استغلته المليشيات والجماعات المسلحة لتكريس نفوذها، ما أدى إلى مزيد من الانقسامات والاضطراب الأمني. الجيش، الذي يفترض أن يكون خادمًا للشعب والوطن، أصبح في فترات متعددة أداة للسيطرة السياسية منذ ما بعد الاستقلال، ما عرقل أي إصلاح بنيوي أو مؤسسي نتيجة للزج به في الصراعات السياسية. أما الولاءات القبلية والجهوية فقد أسست لمليشيات متعددة خارج إطار الدولة، فزاد التعقيد الأمني، واستحكمت الفوضى، وأصبح الإصلاح شبه مستحيل بدون استراتيجية شاملة لدمج هذه المجموعات أو تفكيكها.

هذه المليشيات والجماعات، ومنها من يرفع شعار المعارضة، تتقاسم الأدوار بذكاء متقن: منها من يعيق الإصلاح، ومنها من يشوه المبادرات، ومنها من يطلق اتهامات كاذبة لحماية مصالحها المرتبطة بالسيطرة على الموارد والسلطة، دون أدنى اهتمام بمصلحة الوطن أو معاناة الشعب. وهكذا يصبح الشعب محاصرًا بين عدوان السلاح المباشر وعدوان المصالح الضيقة التي تُدار في الخفاء.

النتيجة هي تدهور الأمن الوطني، تفشي العنف، وانتهاكات حقوق الإنسان، وتزايد الهجمات على المدنيين. ضعف مؤسسات الدولة يعمق إحساس الشعب بالعجز واليأس، ويحد من فرص المشاركة الوطنية الفاعلة. استمرار الفوضى يمنع أي مشروع نهضوي بنيوي اقتصادي أو اجتماعي، ويضع السودان خارج خارطة التنمية الإقليمية والدولية.

إن العدوان الثنائي على الشعب السوداني — عدوان السلاح وعدوان الرمادية — هو ما يجعل الأزمة تتفاقم بلا أفق. فالحرب لا تُحسم، والسياسة لا تُصارح، والناس لا تُحمى. وبينما تتساقط المدن واحدة تلو الأخرى، يظل الخطاب الرسمي مترددًا، عاجزًا عن تقديم رؤية أو حتى اعتراف بحقيقة ما يجري. السودان اليوم لا يحتاج إلى بيانات مطمئنة أو تصريحات فضفاضة، بل إلى وضوح. إلى موقف صريح يضع الشعب في قلب المعادلة، لا على هامشها. فالدول لا تُبنى على الغموض، ولا تُدار بالأسرار، ولا تُنقذها المواقف الرمادية. وما لم يتحمل أصحاب القرار مسؤوليتهم التاريخية، ويصارحوا الناس بما يجري، فإن العدوان سيستمر، وستظل البلاد رهينة حرب لا يعرف أحد متى تنتهي، ولا كيف ستُكتب نهايتها لأن المصالح الضيقة ستكون هي من يحركها.

إن أزمات الإصلاح العسكري وتعدد المليشيات القبلية ليست مجرد أزمة أمنية، بل هي اختبار حقيقي لوجود الدولة الحديثة في السودان. لا يمكن للسودان أن ينهض ويستعيد مكانته إلا بتمكين الوعي الوطني، وإعادة بناء المؤسسات العسكرية والمدنية على أسس وطنية سليمة، وتحقيق العدالة ومكافحة الفساد، لينتقل من حلقة الفشل المستمرة إلى مسار التنمية والاستقرار. السودانيون لا يحتاجون إلى بيانات تضامن، بل إلى موقف حقيقي يوقف العدوانين معًا: عدوان السلاح وعدوان الصمت. فالشعوب لا تُهزم إلا حين يتخلى عنها الجميع، والسودان اليوم بحاجة إلى من يقف معه، لا من يراقب سقوطه من بعيد.


١ أبريل ٢٠٢٦م

اترك رد

error: Content is protected !!