الرواية الأولى

نروي لتعرف

الرأي

الخرطوم تنهض من نومها تستفيق..




لا تزال الخرطوم تلك المدينة الساحرة بطبيعتها المبهجة بملتقى نيليها لا ينتزع عنها أحد شيئاً من ذلك مهما بلغ من عداء ،فالمولى حباها ذلك الإقتران :
مدينةٌ كالزهرة المونقة ..تنفح بالنيل على قَطْرِها…
ضفافها السحرية المونقه.. يخفق قلب النيل في صدرها….
تحسبها أغنيةً مُطْرِقه.. نَغَّمها الحسنُ على نهرها..
مبهمةٌ ألحانها مُطلقه ..رجّعها الصيدحُ من طيرها..
وشمسها الخمرية المشرقه.. تُفرغ كاس الضوء في بدرها..
كما يصفها شاعرها التجاني يوسف بشير .فالنيل سر جمالها كما يحدث بذلك الشاعر عبد الله عبد الرحمن :
واجتازَ بالخرطوم ليس لحسنه مُحتجب ..
لذّاته ما تنقضي ومعينه ما ينضب..
فقد أحسن محمد سعيد الكهربجي في إستدامة جمالها بإقتران النيلين:
يا ملتقى النهرين ،أنتِ مليحةٌ بهما فتيهي وافخري واختالي..
لو وحّد اللهُ الجمال لبقعة ما أمَّ غيرَكِ عاشقٌ لجمالِ..
فلم يتبق الكثير ليشرع الناس في تطبيع الحياة بمدينة الخرطوم وقد عكفت لجنة الفريق إبراهيم جابر في شد أسلاك الكهرباء وإصلاح محطاتها وجلبت الآلاف من محولات الكهرباء بعد استدامة إمداد المياه لنستعيد تدريجياً الصورة التي رسمها جعفر حامد البشير حين أبصر مصابيح الخرطوم :
إذا جئتَها عند المساء وقد زهتْ ..وأشرق أفقُ حولها وجهاتُ..
وطارد أضياف الدياجر جحفلٌ من النور رفافٌ له بَلَجَاتُ..
سرى في سلوك الكهرباء فأبرقتْ ..وشعّت أنابيب به وكراتُ..
قد كنت من قبل أحادثها عقب تحريرها لشهور وأمر بطرقاتها الخاوية مستعيراً قول شاعرنا توفيق صالح جبريل عندما غرقت الخرطوم في فيضان العام 1946م فغمر المياه المقرن :
يا ملتقى النيلين أين مضى السُّمارُ أين أغبرَ المسلكُ..
ما للحدائق فيك موحشة فزوت زهورك وانضوى الأيكُ..
والورْقُ أسكتها الأسى فسهتْ وكأنّها تشكو ولا تشكو..
وظللتُ أراقبها يوماً بعد يوم لشهور خلت مثلما يستطلع المرء شفاء عليله ،حتى أخذت تتعافى شيئاً فشيئاً وبدأت تدب في أوصالها الحياة فعادت الخرطوم (تلك الخلاسية ) التي تغنى لها محمد المكي إبراهيم:
الله يا خلاسية يا حانةً مفروشة بالرمل ..
يا مكحولة العينين ..
يا مجدولة ً من شعر أغنية ..يا وردة باللون مسقية ..بعض الرحيق أنا والبرتقالة أنت..
كأني به يناشدها لتتجاوز الآلام والجراحات :هُزي
إليكِ بجذعِ النبعِ واغتسلي
من حزن ماضيك في الرؤيا وفي الإبصار..
حاشية :
ها هي الخرطوم تلفظ زفرات حرى بعد أن استبيح في وضح النهار حِماها ، تستعيد البريق والأمل وتكد الجهد والعمل ،وأحباؤها قد هزهم الشوق والحنين إلى مرابعها ومراتعها ،شبكات المياه تغذي شرايينها دفاقة ،والكهرباء تتمدد ،والأسواق أخذت تنتعش في السجانة وشارع الحرية وجبل الأولياء وغيرها كثر ،المواصلات تربطها بكل أرجاء العاصمة ، بل استحدثت خطوط لم تكن موجودة قبل الحرب لتقريب المسافات .الخرطوم أضحت آمنة مطمئنة ينتشر الناس في طرقاتها وتنتشر المتاجر والمطاعم والمغالق وبائعات الشاي على الطرقات الرئيسة ،تعمل المخابز والجزارات ليل نهار ،حتى الأماكن التي لم تكتمل صيانة شبكاتها أو صينت وتنتظر المحولات تجد الكثير من المحلات التجارية والمنازل تعمل بالطاقة الشمسية التي إزدهرت التجارة فيها وانتشرت متاجرها في كل أنحاء المدينة .
في ذكرى إستقلال بلادنا السبعين ونحن نتطلع إلى ميلاد جديد لجمهورية جديدة تستكمل معاني الاستقلال في كل مكان ،وتضع إطار النهضة الشاملة والتنمية المستدامة على أسس راسخة في التحلي بالروح الوطنية واستكمال البناء القومي لشعب واحد ذي مستقبل واحد .ها هي الخرطوم تنهض من نومها تستفيق بتضحيات الرجال الذين حرروها أبطال القوات المسلحة ومن ساندهم وبعزيمة الذين أعقبوهم في الإعمار وتهيئة البيئة لتطبيع الحياة .. وكل عام والسودان وشعبه بألف خير.

اترك رد

error: Content is protected !!