
لا يمكن النظر إلى ما تم تداوله في الفضاء العام الكيني خلال اليومين السابقين كمجرد سجال انتخابي بين ناشط معارض ورئيس في السلطة، ولا يمكن كذلك إعتباره تصفية حسابات داخلية تُقرأ في سياق التنافس السياسي الطبيعي. إن ما كشفه الناشط الكيني بونيفاس منغي بشأن منح جوازات سفر كينية لأسماء سودانية مرتبطة ـ بحسب ما ورد ـ بدوائر الصراع العسكري و السياسي السوداني، يفتح الباب أمام قراءة أوسع تتجاوز حدود نيروبي، وتضع الحرب على السودان في سياق إقليمي أكثر تعقيدًا وخطورة. ويشكل الحدث كذلك منحنى انكشاف و تعري، ويؤكد تداخل المحلي بالإقليمي، والإنساني بالسياسي، والقانوني بالاستخباراتي. ويرقى إلى ما يمكن تسميته بلا تردد ب “نيروبي غيت”.
وفي عالم اليوم، فإن جوازات السفر ليس مجرد وثيقة تنقل بين الدول، بل هي شهادة سيادة وهوية وانتماء قانوني. وحين يُمنح هذا الجواز لأشخاص تدور حولهم شبهات ارتباط بجماعات مسلحة وخربة ومنتهكة لكافة حقوق الانسان والقيم والأخلاق، فإن الأمر يتجاوز خانة “التسهيلات الإدارية” إلى مربع إعادة تشكيل مسرح الصراع حيث يتحول الجواز إلى أداة من ادوات الحرب. والحديث هنا ليس عن أفراد بعينهم بقدر ما هو تصويب للنظر الى نمط سلوك
تدويل الحرب السودانية عبر أدوات ناعمة، وتوفير مظلات قانونية لحركة شبكات سياسية ومالية وإعلامية عابرة للحدود.
وكتوزيع للأدوار وفي ظاهر المشهد، تبرز حاضنة سياسية ترفع شعار “وقف الحرب” و “لا للحرب” وتدعو إلى السلام في كل منصة إقليمية ودولية، وتقدم نفسها بوصفها صوت الاعتدال والحياد والحكمة. هذا التيار ـ الذي يشار إليه باسم “صمود” ـ يتحرك بمرونة في العواصم، يلتقي الدبلوماسيين، ويخاطب المنظمات الدولية، ويتحدث بلغة حقوق الإنسان. غير أن السؤال الجوهري هو: هل الحياد هنا موقف مبدئي، أم تكتيك سياسي ضمن شبكة أوسع؟
وحين تتقاطع الدعوات “المسالمة” مع تحركات موازية تسعى إلى إعادة هندسة الشرعية، يصبح من المشروع كذلك التساؤل: هل نحن أمام حاضنة ناعمة تُعيد إنتاج خطاب المليشيا بلغة مدنية؟
وعلى الضفة الأخرى، تتحرك حاضنة سياسية أكثر وضوحاً في الاصطفاف والأنحياز، تُعرَف باسم “تأسيس”. هذا التيار لا يكتفي بالدعوة لوقف الحرب، بل يعمل على تشكيل وعاء سياسي لحكومة موازية، تسعى إلى نيل الاعتراف الخارجي، وتعمل بلا مواربة على نزع الشرعية عن حكومة الخرطوم والجيش. والمثير هنا ليس فقط الخطاب، بل الاستراتيجية التي تقوم على تنويع الرموز من مختلف أقاليم السودان لإضفاء طابع قومي، ومخاطبة المجتمع الدولي باعتبارها بديلاً مدنياً، مع مرافقة الخطاب السياسي بتحركات قانونية ودبلوماسية. إنه ببساطة مشروع “إعادة تعريف الدولة” من خارج مؤسساتها.
وفي قلب هذا المشهد، يقاتل الذراع العسكري ـ المليشيا ـ على الأرض كعمودٍ فقريٍ رئيس، مستهدفاً الجيش ومؤسسات الدولة، مرتكباً – وفق تقارير متعددة وموثقة – انتهاكات جسيمة ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق المدنيين والعزّل.
وهنا يكتمل المثلث؛ خطاب ناعم يدعو للسلام ومشروع سياسي يسعى للشرعية البديلة مع ذراع عسكري يفرض الواقع بالسلاح و العنف والنار. توزيع أدوار متكامل، تتباين فيه اللغة والاساليب وتتوحد فيه الغايات و الأهداف.
ولطالما قدمت نيروبي نفسها كمنصة للوساطة الإقليمية، واحتضنت مبادرات سلام في القرن الإفريقي. لكن ما رشح مؤخرًا من تسريبات تنقلها من خانة الوسيط إلى دائرة الاشتباه. فمنح جوازات سفر ـ بأوامر يُقال إنها صادرة من “State House” ـ لأشخاص يرتبطون بصراع دموي في دولة مجاورة، لا يمكن فصله عن سياق أوسع يتضمن إعادة تموضع إقليمي، وحسابات جيوسياسية في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وتوظيف الحرب السودانية كورقة ضغط وتفاوض.
وإذا ما كانت هناك تقارير سابقة قد أشارت إلى أدوار لوجستية ودعم مالي مرتبط بأطراف خارجية على رأسها دولة الامارات، فإن ما يُثار اليوم بشأن كينيا لا يقل خطورة من حيث الأثر الاستراتيجي. فالدعم لا يكون فقط بالسلاح والعتاد والمال ، بل يشمل حتى توفير الغطاء القانوني للحركة، وتسهيل الانتقال الدولي، وإعادة تموضع القيادات تحت جنسيات جديدة، وكذلك حماية الشبكات المالية عبر منافذ آمنة. وهذا الذي يحدث يحول الحرب من معركة داخلية إلى شبكة إقليمية معقدة من المصالح والتحالفات.
ولذلك وبميزان المسؤولية السياسية والأخلاقية، لا يمكن النظر إلى ما يُثار بشأن تسهيلات كينيا لرموز المليشيا المتمردة و اعوانها الظاهرين و الباطنين باعتباره أقل خطورة من أدوار إقليمية أخرى تقوم على الإسناد العسكري المباشر. فالدعم الحربي لا يُقاس فقط بحجم ونوع العدة و العتاد العسكري، بل كذلك بمدى ما يُمنح من تسهيلات وغطاء قانوني وحركة آمنة وشرعية بديلة أو موازية. فإذا كان الدعم بالسلاح والعتاد وفتح الأراضي وتسهيل تدفق المال والرجال والمرتزقة يُطيل أمد الحرب ميدانياً، فإن منح الوثائق والجوازات وتوفير الملاذات القانونية يُطيلها سياسياً ومالياً ودبلوماسياً. كلا المسارين ـ العسكري واللوجستي من جهة، والقانوني والسيادي من جهة أخرى ـ يصبان في نهر واحد هو إعادة تدوير الصراع، وتثبيت شبكات الإسناد، وتمكين الفاعلين المسلحين من المناورة خارج حدودهم الوطنية. والنتيجة واحدة؛ حرب تتمدد، وسيادة تُستنزف، ودولة تُحاصَر من أكثر من جبهة في آن واحد.
إن ما نُشر بالأمس ليس مجرد قائمة أسماء، بل هو مؤشر على عمق الأزمة واتساع أفقها، وبذلك فإن الصورة تكون قد اكتملت لتضم بين اطارها وبروازها حاضنة سياسية ناعمة، وحاضنة سياسية صلبة، وذراع عسكري، ومظلات إقليمية، وغطاء قانوني عابر للحدود. وحين تتداخل كل هذه الدوائر، يصبح الصراع أكبر من كونه نزاعاً داخلياً؛ ويتحول بشكل مباشر إلى نموذج لحرب هجينة متعددة الطبقات، تُدار بالسلاح في الميدان، وبالدبلوماسية و السياسة في منصات عدة.
اليوم، تتكثف المؤشرات لتؤكد أن الحرب على السودان ليست مجرد صراع على السلطة، بل صراع على تعريف الدولة، وهوية السيادة، وموقع البلاد في معادلة البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
قد تختلف الأدوات، لكن الهدف يبدو واحداً وهو إضعاف المركز، تفكيك الشرعية، وإعادة هندسة المشهد السياسي بما يخدم شبكات مصالح عابرة للحدود.
إن ثبوت هذا الفعل من قبل حكومة نيروبي وبهذا الكم من منح الجوازات لرموز تشكل قيادات فعلية تؤثر على الاوضاع سياسياً و عسكرياً، يكشف حجم الهشاشة الإقليمية التي تحيط بالسودان. كما يؤكد تنوع انتماءات الممنوخين للجوازات تهمة تبادل الادوار بين كياناتهم في معركة السودان ما بين الادوار السياسية و الادوار العسكرية. فالمعركة لم تعد فقط في الخرطوم أو دارفور، بل انتقلت إلى عواصم عدة، إنها شباك تآمر معقدة، ودوائر خداع متداخلة. ولم يعد ممكناً بعد الآن التعامل مع ما كُشف باعتباره مجرد سجال سياسي عابر أو مناورة انتخابية داخلية في كينيا. نحن أمام مؤشر خطير على طبيعة الحرب التي تُدار ضد السودان؛ حرب متعددة الوجوه، تتخفى خلف شعارات السلام، وتتحرك عبر شبكات سياسية، وتُحصَّن بوثائق وجوازات، وتُفرض وقائعها بالسلاح على الأرض. إن ما جرى لا يمثل انحرافاً إدارياً، بل اختراقاً سيادياً مكتمل الأركان. وهو يضع السودان أمام حقيقة صارخة مفادها أن المعركة لم تعد فقط ضد مليشيا تحمل السلاح، بل ضد منظومة إسناد إقليمية عابرة للحدود، تتوزع فيها الأدوار بين خطاب ناعم، ومشروع سياسي بديل، وذراع عسكري دموي، ومظلات قانونية تحاول إعادة إنتاج الشرعية من الخارج.
اليوم سقطت أقنعة كثيرة، واتضحت خطوط التماس الحقيقية. ولم يعد العدو غامضاً، ولا الهدف ملتبساً. إنها لحظة فرز تاريخي، إما دولة تُستعاد سيادتها كاملة غير منقوصة، وإما شبكة بغي وتآمر و عدوان عابرة للحدود تُحكم قبضتها على مفاصل الدولة ومواقع القرار فيها لتفرض سلطتها و حكمها تحت شعارات و عناوين براقة. وما بين الخيارين، يقف وعي الأمة وصلابة مؤسساتها وقدرتها على كشف شباك التأمر ودوائر الخداع قبل أن تكتمل حلقاتها.
الجمعة 27 فبراير 2026م


