نشرته مجلة ( ذا أفريكان ) الأمريكية – بقلم مكي المغربي – لماذا تتطلب اليمن من أمريكا اختيارا واضحاً؟..ماذا تكشف تجربتا السودان وأفغانستان عن تفضيل الاستقرار على الفوضى؟


——————
لماذا تتطلب اليمن من أمريكا اختيارا واضحاً؟.. ماذا تكشف تجربتا السودان وأفغانستان عن تفضيل الاستقرار على الفوضى؟
✍️ بقلم: مكي المغربي
في ظل تركيز الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على سياسة خارجية تقوم على مبدأ “الأمن أولاً”، كان من المتوقع من أي إدارة أمريكية جادة أن تتعامل مباشرة مع التباين السعودي–الإماراتي في اليمن، باعتبار هذا الملف قضية استراتيجية لا مجرد بند دبلوماسي ثانوي. فاليمن ليست مجرد حالة إنسانية أو نزاع هامشي؛ بل تقع عند تقاطع بالغ الحساسية بين أمن البحر الأحمر، واستقرار الخليج، والدور المختلف حوله لإيران في الإقليم. ومع ذلك، يشير التاريخ إلى أن السياسة الخارجية الأمريكية – حتى عندما تكون حسنة النية – كثيراً ما تكرر أخطاء يمكن تجنبها، حين يتم تأجيل الواقعية لصالح الغموض.
يبقى انسحاب إدارة بايدن من أفغانستان مثالاً صارخاً على ذلك. فقد بدا أن السياسة الأمريكية هناك منفصلة عن الحقائق الأمنية على الأرض، وانتهت بسيطرة سريعة لحركة طالبان فاجأت واشنطن، رغم وفرة التحذيرات المسبقة. هذا الانهيار للحكومة الأفغانية المدعومة من الولايات المتحدة أضرّ بتحالفات واشنطن، وأضعف قوة الردع، ووجّه رسالة واضحة إلى الحلفاء والخصوم على حد سواء: المبادئ وحدها لا يمكن أن تحل محل التوازن الاستراتيجي، والقوة الموثوقة، والحسابات الأمنية الصلبة.
اليوم، يطرح اليمن اختباراً مشابهاً. فواشنطن إما أن تظل محلّقة فوق التباين المتزايد بين السعودية والإمارات، أو أن تنخرط بواقعية وبراغماتية، مدركة أن الحياد في لحظات الانكسار الاستراتيجي غالباً ما يعني فقدان النفوذ. ويُظهر التاريخ أن التأخير له ثمن. إن الانحياز إلى الشريك الإقليمي الأكثر التزاماً بوحدة الدولة في اليمن، وشرعيتها، واستمرارية مؤسساتها، لا يعكس محاباة، بل واقعية سياسية، ويخدم المصالح الأمريكية طويلة الأمد، لا سيما في تأمين ممر البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
وينبع الانقسام السعودي–الإماراتي في اليمن من مقاربتين مختلفتين جذرياً لإدارة نزاع ممتد. فبينما توحّد الطرفان في البداية ضد جماعة الحوثي المدعومة من إيران، تباينت أولوياتهما لاحقاً. إذ ركزت السعودية على دعم الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، والحفاظ على وحدة الأراضي اليمنية باعتبارها أساس الاستقرار الإقليمي. في المقابل، دعمت الإمارات المجلس الانتقالي الجنوبي، ما أدى إلى إعادة تشكيل موازين القوى الداخلية، وخلق مراكز سلطة متنافسة.
ويعكس هذا المأزق خطأً أمريكياً مكلفاً آخر: السودان. فمن خلال التسامح – وأحياناً التكيّف – مع النفوذ الإماراتي على حساب شرعية الدولة، أضعفت واشنطن موقعها وعلاقاتها مع المؤسسات السودانية، وأصابت المخاوف الأمنية المصرية بمزيد من التعقيد، وأسهمت بشكل غير مباشر في تفتيت الإقليم. وقد جاءت الكارثة الإنسانية اللاحقة لتؤكد درساً مألوفاً: عندما تتجنب الولايات المتحدة الانحياز إلى شركاء الاستقرار، وتفضّل المناورات قصيرة المدى، فإن الفراغ تملؤه الفوضى.
واليوم، تعود الولايات المتحدة لتحتاج إلى السودان مجدداً. ولحسن الحظ، ظلّ التعاون الأمريكي–السوداني في مجال مكافحة الإرهاب قائماً رغم كل الصعاب – وكانت الزيارة الأخيرة لمدير جهاز المخابرات العامة، الفريق أول إبراهيم مفضل، إلى واشنطن، بداية إيجابية مع مطلع العام الجديد.
قد يجادل منتقدون بأن تفضيل الرياض قد يؤدي إلى تركيز مفرط للنفوذ أو تهميش شركاء آخرين. لكن الواقعية لا تعني المساواة الشكلية، بل الثقة المتناسبة. إن بناء السياسة الأمريكية حول الفاعلين الذين يعطون الأولوية للاستقرار، والوحدة، واستمرارية المؤسسات، يقلل من التعرض لأجندات منافسة تعيش على التفكيك. ويتطلب هذا النهج دعم قيادات قادرة على بناء التوافق، لا إذكاء الانقسامات.
ويمثل الدكتور رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، نموذجاً نادراً في المشهد السياسي اليمني المنقسم. فهو براغماتي، هادئ، وميلُه واضح إلى التوافق، وقد تجنب السياسات الصفرية التي استهلكت من سبقوه. وبدلاً من السعي إلى الهيمنة الشخصية أو تمكين الميليشيات، ركز على إبقاء القوى المتباينة ضمن إطار سياسي واحد. وفي نزاع تحكمه الولاءات المتشظية، فإن ضبط النفس ليس ضعفاً، بل انضباط استراتيجي. ويعكس الدعم السعودي للعليمي قراءة واقعية لمشهد اليمن: فالتعافي التدريجي للدولة أفضل من تجارب صادمة تقودها قوى محلية مسلحة أو طموحات خارجية.
بالنسبة لواشنطن، فإن الخيار في اليمن ليس بين حلفاء، بل بين نتائج. سياسة مرتكزة على الوحدة، والشرعية، وواقعية الأمن – وبالتنسيق الوثيق مع السعودية – توفر أفضل فرصة لحماية المصالح الأمريكية، واحتواء النفوذ الإيراني، وتحقيق الاستقرار في أحد أهم الممرات البحرية في العالم. أما البديل، فهو نمألوف، ومكلف، وغير ضروري.
كما ينبغي على المدافعين عن اتفاقات أبراهام أن يدركوا مخاطر تقديم التحالف الإماراتي–الإسرائيلي كنموذج إقليمي، إذا كان ذلك على حساب الاستقرار. فعندما يُربط التطبيع بالتفكك، أو بسياسات الوكالة، أو بالتدخل في الدول الهشة، فإنه يضرّ بقضية السلام بدلاً من أن يخدمها. إن ربط إطار أبراهام بعدم الاستقرار يمنحه صورة سامة في الوعي العربي العام، حيث لا تزال الحساسية عالية تجاه السيادة والنظام. والمبادرات السلمية التي تبدو منفصلة عن واقع المنطقة تثير الرفض لا القبول. وإذا أصبح التعاون على نمط أبراهام مرادفاً للاضطراب، فإنه سيواجه رفضاً واسعاً وغير قابل للمساومة، ما يقوض المصالح الأمريكية ويهدد استدامة مسار التطبيع نفسه على المدى الطويل.
⸻
✍️ عن الكاتب
مكي المغربي: مستشار في الشؤون الأفريقية، وحلول حوكمة الإعلام، ويشغل حالياً منسق السودان للجهات غير الحكومية (Non-State Actors).
متاح للتواصل والمشاركة في الحوارات الأمريكية عبر الإنترنت.






