هموم وقضايا / السفير د. معاوية التوم

من الخليج إلى البحر الأحمر: كيف يعيد التوتر الأمريكي-الإيراني رسم خرائط الاستقرار في الشرق الأوسط!؟

السفير د. معاوية التوم


لا يأتي التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران في فراغ إقليمي هادئ، بل فوق أرضية مشبعة أصلًا بالأزمات: حرب في السودان، هشاشة في فلسطين والعراق ولبنان وسوريا ، توتر دائم في الخليج، واشتباك مفتوح في البحر الأحمر. لذلك فإن أي ارتفاع في منسوب التوتر بين واشنطن وطهران لا يضيف أزمة جديدة فحسب، بل يضاعف هشاشة قائمة ويضغط على منظومة إقليمية تعاني أصلًا من فرط الاختلال.
الصراع بين الطرفين تجاوز منذ سنوات حدود الملف النووي والصواريخ أو العقوبات الاقتصادية، وأصبح صراعًا على هندسة الأمن الإقليمي: من يرسم قواعد الاشتباك؟ ومن يمتلك حق تحديد الخطوط الحمراء؟ واشنطن تسعى إلى تثبيت منظومة ردع تحمي حلفاءها، وفي مقدمتهم إسرائيل وشركاءها الخليجيين، فيما تعتمد طهران استراتيجية توسيع المجال الحيوي عبر شبكة نفوذ سياسية وعسكرية عربية ممتدة. فالتفاعلات الجارية على مدار الساعة، لا تتعلق فقط بالبرنامج النووي الإيراني والصواريخ الباليستية، أو بالعقوبات الاقتصادية، بل تمس جوهر هندسة الأمن في المنطقة بأسرها، ومؤسسة الحكم في ايران.

صراع بلا حرب… ولكن بلا استقرار
المنطقة لا تعيش حربًا مباشرة بين القوتين، لكنها لا تعرف السلام المستدام. ما يحكم المشهد هو “توازن توتر” قائم على رسائل عسكرية محدودة، وضربات محسوبة، وعقوبات متبادلة، ترافقها حملة دبلوماسية وإعلامية بمواجهة مفتوحة . غير أن هذا النمط من إدارة الصراع يحمل خطرًا دائمًا: خطأ في الحساب، حادثة بحرية، أو استهداف غير محسوب قد يحوّل الاشتباك المحدود إلى تصعيد أوسع.

الامتداد العملياتي: ساحات غير مباشرة
بدل المواجهة المباشرة، يتم تصريف التوتر عبر ساحات إقليمية. في العراق وسوريا ولبنان واليمن تتقاطع حسابات الطرفين ضمن بيئات سياسية هشة. هنا تبرز قوى غير دولتية تُتهم بأنها جزء من المحور الإيراني، مثل حزب الله، وبعض فصائل الحشد الشعبي، وأنصار الله. والملفات العالقة ، ولا يخفى رغم فارق القدرات إلا أن ايران مفاوض عنيد يلعب على التشدد والمرونة.

وجود هذه القوى يجعل الصراع قابلًا للتمدد جغرافيًا من دون إعلان حرب رسمية. فهي تمثل ما يمكن تسميته “الامتداد العملياتي” لإيران، فيما تملك واشنطن أدوات رد عبر الضربات المحدودة أو الضغط الاقتصادي. لكن هذا النمط يفاقم هشاشة الدول المعنية؛ إذ تتحول أراضيها إلى مسارح رسائل، وتتراجع أولويات الإصلاح والتنمية أمام اعتبارات الأمن والردع.

أمن الطاقة وممرات الاختناق
الخليج ، باب المندب ومضيق هرمز يظلان نقطة الارتكاز الأخطر. أي تهديد للملاحة ينعكس فورًا على أسعار النفط، وسلاسل الغذاء ويضيف ضغطًا على اقتصاد عالمي يعاني أصلًا من تباطؤ واضطراب. غير أن التحول الأبرز يتمثل في اتساع نطاق التوتر ليشمل البحر الأحمر، حيث أصبحت خطوط التجارة العالمية عرضة لتداعيات الصراع الإقليمي، حتى القرن الأفريقي.
في ظل التطورات اليمنية، لم يعد البحر الأحمر مجرد ممر تجاري، بل بات ساحة اختبار لإرادات متنافسة. وهذا الامتداد جنوبًا يوسّع دائرة المخاطر ويجعل أمن الملاحة عنصرًا مركزيًا في معادلة الصراع.

السودان: الجغرافيا تحت ضغط المحاور
في هذا السياق، يبرز السودان بوصفه حلقة مهمة في الجغرافيا الاستراتيجية للبحر الأحمر. الدولة التي تخوض حربًا داخلية معقدة فرضت عليه منذ ثلاثة سنوات ، يجد نفسه محاطاً ببيئة إقليمية تتصاعد فيها المنافسة على الموارد و الموانئ والممرات البحرية. ومع ضعف مؤسسات الدولة بسبب الحرب ، تتقلص القدرة على تحييد البلاد عن صراعات المحاور.

عسكرة البحر الأحمر، وتزايد الحضور الدولي فيه، يجعلان الساحل السوداني جزءًا من حسابات أوسع تتجاوز الداخل الوطني. فالسودان، بحكم موقعه، يتأثر بأي اضطراب في الممرات البحرية، سواء من حيث حركة التجارة أو من زاوية إعادة تموضع القوى الإقليمية والدولية.
إن أخطر ما في هذا المشهد أن السودان لا ينخرط مباشرة في الصراع الأمريكي-الإيراني، لكنه يدفع كلفة غير مباشرة لتصاعده، في وقت يحتاج فيه إلى بيئة إقليمية مستقرة لإعادة بناء دولته المنهكة، واعادة كامل أمنه القومي وسيادته .

استنزاف إقليمي مفتوح
المحصلة أن التوتر الأمريكي-الإيراني لا ينتج حربًا كبرى، لكنه ينتج استنزافًا مزمنًا. استنزافًا اقتصاديًا عبر تقلبات الطاقة، وأمنيًا عبر عسكرة الممرات البحرية، وسياسيًا عبر تعميق الاستقطاب داخل الدول الهشة، وعوامل المفاجأة والأخطاء غير المحسوبة.

المنطقة اليوم تقف أمام معادلة دقيقة: استمرار إدارة الصراع ضمن سقف منخفض من العنف، أو الانتقال إلى مسار تفاوضي يعيد تعريف الأمن الإقليمي على أساس تقليص الصراعات بالوكالة، وضمان أمن الممرات البحرية، وإبعاد الدول الهشة عن لعبة المحاور.

دون ذلك، سيظل الشرق الأوسط، من الخليج إلى البحر الأحمر، منطقة توتر دائم، تتغير فيها خرائط النفوذ ببطء، بينما يتآكل ما تبقى من استقرارها الهيكلي، او يلاحقه شبح المهددات.

الدولة الوطنية تحت الحصار الجيوسياسي
في جوهره، يكشف التوتر الأمريكي-الإيراني عن أزمة أعمق من مجرد صراع نفوذ؛ إنه يضع نموذج الدولة الوطنية في الشرق الأوسط تحت ضغط جيوسياسي غير مسبوق. فالدول الهشة أو المنقسمة داخليًا تصبح مساحات مفتوحة لتقاطع الإرادات الدولية، ويتراجع فيها القرار السيادي لصالح حسابات الردع والمحاور.

حين تتحول الممرات البحرية إلى ساحات تنافس، وتُستدعى القوى غير الدولتية ضمن معادلات إقليمية أوسع، وتُدار الأزمات عبر ساحات بديلة، فإن الدولة الوطنية تفقد احتكارها للعنف المشروع، ويتآكل مفهوم السيادة تدريجيًا. السودان، كما غيره من دول المنطقة، يواجه هذا التحدي المركب: حرب داخلية مفروضة عليه من جهة، وضغط محاور إقليمية من جهة أخرى.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في احتمال اندلاع مواجهة واسعة بين الولايات المتحدة وإيران، بل في استمرار نمط الصراع منخفض الحدة الذي يُبقي الدول الضعيفة في حالة إنهاك دائم، ويؤجل استعادة عافيتها المؤسسية.

ومن هنا، فإن أي مشروع وطني لإعادة بناء الدولة، خصوصًا في السودان، لا بد أن يضع في اعتباره هذا البعد الجيوسياسي، وأن يسعى إلى تحصين القرار الوطني، وتحييد البلاد قدر الإمكان عن صراعات المحاور والاستقطاب الجارف ، وتحويل موقعها الجغرافي من عبء تنافسي إلى رافعة استقرار إقليمي. دون ذلك، ستظل الدولة الوطنية في الشرق الأوسط تدفع ثمن صراعات لا تصنعها بالكامل، لكنها تتأثر بها، والا تعرضها لدفع تكاليف باهظة مستقبلية.
⸻——
١٧ فبراير ٢٠٢٦م

اترك رد

error: Content is protected !!