ببساطة / د.عادل عبدالعزيز الفكي

لماذا توقفت صيانة كوبري الحلفايا

د. عادل عبدالعزيز الفكي





الامر يتعلق بإشكالية سداد المستحقات في مشروعات إعادة الاعمار
ورد في الاخبار ان الشركة السودانية التي كانت بصدد التعاقد مع الهيئة القومية للطرق والجسور لصيانة كبري الحلفايا قد اعتذرت عن المضي قدما في تنفيذ العقد لعدم وضوح بعض بنود العقد.

لم يشر الخبر للبنود التي تحفظت عليها الشركة، لكنني من خلال المتابعة أرجح أنها متعلقة بسداد المستحقات عند تنفيذ المشروع.

إن عدم استقرار قيمة الجنيه السوداني بسبب الظروف الاقتصادية الناجمة عن الحرب يجعل من المستحيل لشركة او مقاول ما القبول بأن تسدد له قيمة ما أنجز من اعمال بعد نهاية المشروع بالجنيه السوداني، وبقيمة الجنيه وقت توقيع العقد لأنه أكيد سوف يخسر.

هل يمكن سداد مستحقات المقاول بالدولار؟ لا، لأن قانون الاجراءات المالية والمحاسبية يلزم الحكومة وأجهزتها المختلفة أن يكون سداد قيمة ما يقدم للحكومة من سلع وخدمات بالجنيه السوداني وليس بأي عملة أخرى، إذاً وفي ظل هذا القانون كيف يمكننا اقناع الشركات الوطنية الكبرى بالدخول في مشروعات اعادة الاعمار التي تكلف ملايين الدولارات؟ علماً بأنه لا مشكلة في الحصول على التمويل نفسه إنما المشكلة في استرداد التمويل مع أرباحه.

الحل يكمن في تطبيق قانون الشراكة ما بين القطاعين العام والخاص P.P.P

القانون المذكور أجيز في ٢١ ابريل ٢٠٢١ ونشر بالجريدة الرسمية لجمهورية السودان العدد ١٩١٤ بتاريخ ١٢ مايو ٢٠٢١. وبمقتضى هذا القانون تم تكوين وحدة للشراكة بوزارة المالية والتخطيط الاقتصادي. والهدف الرئيس للقانون هو حماية شركات القطاع الخاص من الخسائر الناجمة عن عدم الاستقرار الاقتصادي مثل ارتفاع نسب التضخم او انخفاض قيمة العملة السودانية وغيرها.

المادة (36) من القانون كفلت للجهة الحكومية المتعاقدة مع شركة قطاع خاص لتنفيذ مشروع ما، وبموافقة الوحدة المركزية للشراكة بوزارة المالية والتخطيط الاقتصادي تعديل شروط العقد، بما في ذلك تعديل أسعار بيع المنتجات أو تحصيل مقابل الخدمات. معنى هذا أن الشركة المنفذة لصيانة كوبري الحلفايا على سبيل المثال يمكنها بإجراءات مباشرة ومبسطة مع وحدة الشراكة المركزية وهيئة الطرق والجسور تعديل مقابل تنفيذ بعض مراحل المشروع إذا ما انخفضت القيمة المبينة في التعاقد الأصلي بفعل التضخم، وفي هذا ضمانة للشركة فيما يتعلق باسترداد النفقات وتحقيق الأرباح.

قبل هذا القانون فإن النماذج التي تم تطبيقها في السودان في وقت سابق بنظام البوت، أو بنظام سداد المستحقات بعد التنفيذ عانت بشدة من معدلات التضخم المرتفعة، وعدم وجود حماية قانونية في حالة اختلال توازن العقد بسبب القرارات الحكومية.
ففي مثال شركة الموانئ البرية، وهي شركة قائمة على عقد شراكة ما بين مجموعة النفيدي السودانية كمستثمر، وولاية الخرطوم كصاحب لمشروع يستهدف إقامة موانئ برية حديثة بمدن الولاية الثلاثة بنظام البوت، حدث خلل كبير في توازن العقد بسبب تدخل المجلس التشريعي بولاية الخرطوم بتحديد رسم دخول للميناء البري بالخرطوم للمركبات وللأشخاص يقل كثيراً عما حددته الشركة، بحجة عدم استطاعة المواطنين دفع رسم الدخول الذي حددته الشركة. وحدث خلل آخر بسبب عدم التزام معتمد محلية الخرطوم بالامتناع عن تصديق مكاتب ومواقف للحافلات السفرية خارج الميناء البري بالخرطوم.
تسبب هذين الفعلين في خسائر جمة للشركة، مما حدا بمجموعة النفيدي لتجميد خطة العمل في إنشاء وتشغيل الموانئ البرية الأخرى بولاية الخرطوم، بكل من مدينة بحري ومدينة وأم درمان.
وفي مثال محطة مياه المنارة بأمدرمان، التي تم تنفيذها بنظام البوت بواسطة شركة إيطالية، تدخل المجلس التشريعي بالولاية بفرض تعريفة للمياه لم تمكن من سداد أقساط قرض التمويل، فتعثر إكمال تنفيذ باقي مراحل المشروع، فأصبحنا أمام مشروع فيه انتاج ضخم من المياه المعالجة، ولكن لا توجد شبكة للتوزيع توصل هذه المياه للسكان بمنازلهم!
يُعتقد أن النظام القانوني المستحدث، وفقاً لقانون الشراكة الجديد، سوف يعالج مثل هذه الإشكالات، فقد أعطى في المادة (32) منه للقطاع الخاص أو شركة المشروع حق تحصيل رسوم أو تحقيق إيرادات أو كسب عوائد مالية من المشروع أو من أصوله أو من مستخدميه، وذلك وفقاً لأحكام عقد الشراكة.
ندعو الى ان تقوم وحدة الشراكة بوزارة المالية والتخطيط الاقتصادي بجهد واسع للتنوير بهذا القانون لدى اتحاد اصحاب العمل وبالذات مقاولي البناء والتشييد، على ان يشمل التنوير الجهات الحكومية التي تشرف فنياً على مشروعات اعادة الاعمار. والله الموفق.

اترك رد

error: Content is protected !!