هموم وقضايا / السفير د. معاوية التوم

قمة الاتحاد الإفريقي: السودان واختبار الاستقلال القاري!؟

السفير د. معاوية التوم


تنعقد قمة الاتحاد الإفريقي ال (٣٩)هذا العام في لحظة تاريخية لا تحتمل المجاملات الدبلوماسية. فالقارة ليست فقط أمام أزمات أمنية واقتصادية متراكمة، بل أمام سؤال وجودي يتعلق بمستقبل منظومتها القارية: هل ما زال الاتحاد الإفريقي قادرًا على إنتاج مقاربة إفريقية مستقلة للأزمات، أم أن قراره أصبح رهينًا لتوازنات خارجية تتجاوز إرادته الجماعية وآليات مجلس السلم والأمن الأفريقي؟
وإفريقيا تواجه حاليا ثلاثية ضاغطة: هشاشة الحكم، تمدد النزاعات، وضغوط الاقتصاد.
انقلابات وتآكل شرعية، جماعات مسلحة وصراعات موارد، ديون وتضخم واعتماد على الخارج.
يزيدها تعقيدًا تنافس دولي محتدم وتحديات مناخية وغذائية، مقابل مؤسسات قارية محدودة الفاعلية، بعيدة عن مواثيقها وحماية دولها.
والرهان: الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء دولة مؤسسية مستقرة تقود تكاملًا حقيقيًا
في هذا السياق، يبرز السودان كأكثر الملفات كاشفية لهذا الاختبار.

السودان: من أزمة داخلية إلى مرآة لاختلال المنظومة
منذ اندلاع الحرب، بدا دور الاتحاد الإفريقي مترددًا ومحدود الأثر. بيانات إدانة، دعوات عامة لوقف إطلاق النار، دعم لمسارات تفاوضية متفرقة، متأثرا بالتوجهات الدولية التي يظل بعضها طرفاً من الحرب المفروضة عليه،لكن دون مبادرة قارية متماسكة تقود التسوية أو تفرض إطارًا جامعًا لها له سق زمني محدد.

الأكثر إشكالًا أن تعليق عضوية السودان، التي فُرضت في أكتوبر 2021 في سياق سياسي مختلف، استمر رغم تحوّل البلاد إلى ساحة حرب تهدد كيان الدولة ذاته. وهنا يبرز التناقض: كيف يمكن لمنظمة ترفع شعار “الحلول الإفريقية للمشكلات الإفريقية” أن تُقصي دولة محورية من منظومتها في لحظة انهيار شامل، ثم تطالب بلعب دور في تسوية أزمتها؟
إن استمرار التعليق لم يعد أداة ضغط فاعلة بقدر ما أصبح عنصرًا يُضعف قدرة الاتحاد على التأثير، ويفسح المجال لمنصات خارج الإطار القاري لتتولى إدارة الملف.

السودان وازدواجية المقاربة: قراءة مقارنة في معايير التعليق وإعادة الدمج
لفهم موقع السودان داخل أجندة الاتحاد الإفريقي، تبدو المقارنة مع حالات مالي وغينيا وبوركينا فاسو والنيجر ذات دلالة. ففي أعقاب انقلاب مالي في أغسطس 2020، بادر الاتحاد إلى تعليق العضوية سريعًا، ثم واصل التواصل المؤسسي عبر وساطات إقليمية، مع الاعتراف بسلطة انتقالية قائمة ووضع أطر زمنية — وإن شابها التعثر — لإعادة المسار الدستوري. وتكرر النمط ذاته في غينيا (سبتمبر 2021)، وبوركينا فاسو (يناير 2022)، ثم النيجر (يوليو 2023)، حيث استند القرار إلى المبدأ نفسه: رفض التغييرات غير الدستورية للحكم. والسودان ايضا مر بذات التجربة في ابريل من العام ٢٠١٩ ، ولكن سرعان ما رفع التعليق
غير أن التعليق في تلك الحالات لم يتحول إلى قطيعة سياسية كاملة، بل ظل أداة ضغط ضمن عملية تفاوضية واضحة المعالم، أبقت قنوات الاتحاد مفتوحة، ووفرت مسارًا تدريجيًا لإعادة التموضع داخل المنظومة القارية.
في المقابل، تبدو الحالة السودانية مختلفة في مسارها المؤسسي. فمنذ تعليق العضوية في أكتوبر 2021، لم يتبلور إطار قاري محدد يعيد تعريف العلاقة مع الدولة السودانية في ظل التحولات المتسارعة، ولا وُضع جدول معلن لإعادة الدمج المشروط، رغم انتقال البلاد من أزمة سياسية إلى حرب شاملة بالوكالة تهدد وحدة الدولة. هذا التباين لا يتعلق فقط باختلاف السياقات الوطنية، بل يثير سؤال الاتساق في تطبيق المعايير: هل تُدار قرارات التعليق وإعادة الإدماج وفق قاعدة مؤسسية ثابتة، أم وفق توازنات سياسية متغيرة تتأثر بحسابات إقليمية ودولية، ونفوذ بعض كبار المسؤلين فيه!؟
إن الإشكال لا يكمن في مرونة القرار — فالبراغماتية جزء من العمل الدبلوماسي — بل في غياب معيار شفاف ومعلن يحدد متى يصبح التعليق أداة تصحيح، ومتى يتحول إلى عامل إقصاء يضعف قدرة الاتحاد على التأثير. وحين تبدو المقاربة متفاوتة في حدّتها أو في مساراتها اللاحقة، تتآكل قوة المبدأ الذي يسعى الاتحاد إلى حمايته، ويتراجع شعار “الحلول الإفريقية للمشكلات الإفريقية” من مستوى الالتزام العملي إلى مستوى الخطاب الرمزي.

التدخلات الخارجية: الشراكة حين تتحول إلى نفوذ
لا يمكن قراءة هذا التباين بمعزل عن واقع الحضور الخارجي المتصاعد في إفريقيا. فالتنافس الدولي على الموارد والممرات الاستراتيجية والاستثمارات بات عنصرًا مؤثرًا في المشهد القاري. والإشكالية لا تكمن في الشراكات بحد ذاتها، بل في غياب معايير شفافة تحكم العلاقة بين التمويل والموقف السياسي عبر الابتزاز والفساد المالي.
حين تعتمد أجزاء معتبرة من الموازنة التشغيلية للاتحاد على شركاء غير أفارقة، تصبح الاستقلالية عرضة للاختبار. وحين يتباين الخطاب القاري تجاه التدخلات التي تُطيل أمد النزاعات، تتآكل مصداقية الميثاق الذي يؤكد على صون السيادة وعدم دعم الصراعات الداخلية.
في الحالة السودانية، بدا الاتحاد أقل حزمًا في مساءلة التدخلات التي أسهمت في تعقيد المشهد، وأكثر ميلاً إلى مواقف حذرة لا ترقى إلى مستوى الخطر الوجودي الذي يهدد دولة عضو مركزية في معادلة البحر الأحمر والقرن الإفريقي ومنظومة الايقاد.

القمة: لحظة مراجعة أم استمرار في المدار ذاته؟
القمة الحالية أمام مفترق حاسم:
• هل ستعيد الاعتبار للمسار القاري كإطار جامع للتسوية في السودان؟
• هل ستراجع وضع العضوية بما يخدم استعادة الاستقرار بدل تكريس العزلة؟
• هل ستضع آلية واضحة لمراقبة التدخلات التي تغذي النزاعات داخل دولها الأعضاء؟
الرهان هنا لا يتعلق بالسودان وحده، بل بمصداقية الاتحاد ذاته. فإذا عجز عن إدارة أزمة دولة مؤسسة وذات موقع استراتيجي مركزي، فإن ذلك يبعث برسالة سلبية لبقية الدول الأعضاء حول جدوى النظام القاري.

الاستقلال المالي شرط الاستقلال السياسي
أحد الدروس البنيوية التي تفرضها الأزمة السودانية أن الاستقلال السياسي لا ينفصل عن الاستقلال المالي. طالما ظل تمويل المنظمة يعتمد بدرجة معتبرة على شركاء خارجيين، ستظل مساحة القرار القاري محدودة. الإصلاح الحقيقي يبدأ بإعادة هيكلة منظومة التمويل، وتعزيز مساهمات الدول الأعضاء، وتحصين أجهزة المفوضية من أي تأثيرات غير شفافة.

خاتمة: السودان ليس هامشًا… بل معيار

السودان اليوم ليس ملفًا ثانويًا في أجندة القمة، بل معيارًا لقياس قدرة الاتحاد الإفريقي على الدفاع عن ميثاقه واستعادة زمام المبادرة. فإذا عجز عن إنتاج مقاربة مستقلة لأزمة بهذا الحجم والموقع الاستراتيجي والسكان ، فإن الحديث عن “الاستقلالية الإفريقية” سيبقى شعارًا بلا مضمون.
القمة ليست مطالبة بحلّ الحرب فورًا، لكنها مطالبة باستعادة القرار القاري من أي نفوذ يتجاوزه. وذلك هو الامتحان الحقيقي، والتحدي الأكبر لتشارك السودان في كل الانشغالات التي تواجه مصير القارة، وعودة عضويته الكاملة في هذه الظروف المصنوعة والحرب المفروضة بتداعياتها الكارثية عليه، تستوجب وعياً استثنائياً من القادة الأفارقة لتمكينه من استعادة دوره.
——————-
١٢ فبراير ٢٠٢٦م

اترك رد

error: Content is protected !!