
إن أي نظام سياسي في أي مجتمع ينقسم إلى طائفتين، إحداهما لها حق قيادة المجتمع وإدارة أموره السياسية وأخرى عليها حق طاعة قيادتها السياسية. وتتعدد نظم الحكم في الجماعات المختلفة، حيث أن لكل جماعة نظام حكم يميزها عن الجماعات الأخرى. ومن الملاحظات التاريخية نجد أن النظم السياسية داخل المجتمعات المتعددة تتغير بإستمرار و هذا نتيجة لأسباب وعوامل مختلفة تدفع هذه المجتمعات نحو تحديث نظم حكمها وتعددها. كما أن النخب السياسية والأفراد الناشطين في أي دولة يختلفون في رؤيتهم السياسية (المذاهب الفكرية التي تقود توجهاتهم السياسية). فمنهم من يرى أن خير بلادهم ومجتمعاتهم لا يتحقق إلا بالعودة لتقاليد وأعراف الماضي وهؤلاء يطلق عليهم الرجعيون (Reactionaries). ومنهم من يتمسك بالواقع ويرفضون تغييره، وهؤلاء يطلق عليهم المحافظون (Conservatives). وفئة أخرى ترى أن الواقع قابل للتطور تدريجياً حسب الظروف المحيطة وهؤلاء يطلق عليهم الأحرار (Liberals). بينما الفئة الأخيرة ترى أن التطور يجب أن يتم بشكل جذري وشامل، وهؤلاء يطلق عليهم اسم المتطرفين (Radicals). وعليه، من البديهي أن تسعى هذه الجماعات السياسية النشطة في المجتمع إلى تحقيق أهدافها وفرضها على المجتمع في إطار النظام السياسي القائم وأن تتصارع هذه الجماعات التي تختلف في أصولها وفلسفتها للوصول إلى كراسي السلطة لتطبيق فكرها ومذهبها.
السودان كغيره من الدول، وحدة سياسية تحدث فيها تفاعلات داخلية بين القوى السياسية المختلفة في أصولها وفلسفتها بغرض الاستحواذ على السلطة. هذه التفاعلات الداخلية في عالم اليوم أصبحت تؤثر وتتأثر بمجريات الأحداث العالمية وذلك لأن البيئة الدولية أصبحت أكثر حركية نتيجة لتقدم وسائط الاتصالات المسموعة والمرئية، مما أسهم في أن تكون ردود الأفعال والاستجابة للأحداث الداخلية والخارجية سريعة نتيجة لوجود شبكة كبيرة من الناشطين السياسيين. والسودان كأحد الوحدات السياسية المكونة للمنتظم الدولي وفقاً لهذه البيئة الحركية النشطة، أصبح ما هو داخلي فيه من أحداث يؤثر ويتأثر بما هو خارجي. عليه، أصبح البعد الأيديولوجي بكل مظاهر التعصب التي ترتبط به يتغلغل في الوسط السياسي السوداني، ومن ثم تشكلت نظم الحكم في السودان على أساس المؤثرات المذهبية الوطنية أو عبر القومية.
شهدنا في الأيام القليلة الماضية تصريحات من قبل حاكم اقليم دارفور السيد مني اركوي عن ماهية الأزمة الحقيقية التي تعصف بالسودان حالياً والمتعلقة بالأبعاد التاريخية التي تشكلت منها الدولة السودانية الحالية. ولعل كل ما ذكره من تصريحات هو صحيح بنسبة كبيرة، ولكن ما يختلف عليه بالأمس قد أصبح ماضياً! وطرحه بهذه الصورة يمثل عودة إلى الوراء في عملية بناء السودان الذي بدأ فعلياً يتشكل حالياً بعدما توحدت القوى الداخلية في ضفة واحدة، سواء كانوا سياسيين أو عسكريين. وهو الأمر الذي تفاجأت به القوى الخارجية التي عملت على نقيضه لتفتيت الدولة السودانية. فرأينا التلاحم ما بين أبناء الوطن الواحد تفصيلاً للمصلحة العليا، فتكاملت القوات المسلحة والقوات المشتركة في ساحات القتال، والتف الشعب حول هذه القوات وأخرج من رحمه المقاومة الشعبية، وأصبح الكل يعمل بنسق واحد تحت إمرة القوات المسلحة، مما أدى إلى سقوط المخطط وتحقيق الانتصارات تلو الأخرى، وتم تحرير العديد من المدن، آخرها الخرطوم ولن تكون الأخيرة بالتأكيد، فهنالك ما زالت دارفور وكردفان والنيل الأزرق، فكلها أراضٍ سودانية لابد من تحريرها حتى آخر شبر منها.
ربما ما زالت هنالك رواسب في نفوس البعض من فترات سابقة بالتأكيد لم يعف عليها الزمن بعد. ولكن وبما أننا حالياً قد نجحنا في تحقيق الخطوة الأولى تجاه توحيد السودان أرضاً وشعباً و جيشاً! فليس هناك من دواعي للقلق من أن يكون هناك أي انقسام داخلي حالياً او لاحقاً وذلك نسبةً لان السودانيين باتوا يعلمون ماهية و طبيعة الإستهداف الذي يعصف بالدولة السودانية وقد ادركو من تجاربهم بأن المخرج الوحيد لإستعادة الإستقرار في السودان سوف لن ياتي إلا من خلال وحدة الصف الداخلي، لذلك لابد أن نعمل على تخطي و ازالة الأزمات و العقبات والتي يمكن أن تحدث شقاً داخل الصف الوطني وتحول دون تحقيق الهدف المنشود وهو استعادة الاستقرار الداخلي للدولة السودانية من خلال نهج راسخ يفي بتطلعات الشعب السوداني.
لقد التف الشق الأكبر من الشعب السوداني حول القيادة الحالية، والتي تم تلخيصها في قيادة الفريق البرهان لهذه المرحلة، مما خلق إجماعاً عمل على منع و تفادي انهيار الدولة السودانية جراء حرب ١٥ أبريل، فأنتج هذا الإجماع لحمة وطنية حقيقية بين جميع المكونات الوطنية الأخرى، والتي هي أيضاً قامت بتوافقها علي دعم الدولة و الذي أفرزت منه مرحلة وضع من خلالها حجر الأساس لمشروع بناء الدولة السودانية الحديثة (خارطة الطريق للمشروع الوطني) بعدما أن تقدمة القوي الوطنية اجمع بروائها حول متطلبات الشعب السوداني لدولته القادمة الأمر الذي قاد الي تعديل الوثيقة الدستورية لخلق التماسك المطلوب للمراحل القادمة. نعم، ربما هنالك بعض من الأحاديث حولها وذلك بأعطاء الاحقية لرئيس المجلس السيادي بتعين رئيس الوزراء وغيرها، ولكن تظل هذه التعديلات بالوثيقة الدستورية هي الخيار الأمثل لتحقيق مسار التغيير المنصوص عليه في خارطة الطريق الموضوعة لإستعادة الاستقرار في الدولة السودانية وإخراجها من الهوة السحيقة التي تسببت فيها مليشيات الدعم السريع الإرهابية وداعميها بشنهم للعدوان على الدولة السودانية وشعبها في ١٥ أبريل ٢٠٢٣م. ومن هنا لابد لنا من الحديث عن موجهات هذه المرحلة والمراحل التي تليها. فعملية بناء الدولة السودانية وتحريرها من فك الاستعمار الجديد وتحقيق مسار الإصلاح العسكري و السياسي والاقتصادي والاجتماعي يحتاج إلي تقديم المزيد من التنازلات ابتغاء تحقيق المصلحة العليا . لذي يجب على القيادات الحالية و التي يلتف الشعب حولها من قادة عسكريين و سياسيين توحيد صفوفهم والعمل بنسق واضح وشفاف بروح الفريق، فكل الشعب السوداني حالياً في انتظار تحقيق التغيير المنشود من خلال هذه القيادات.