هموم وقضايا / السفير د. معاوية التوم

غياب العمل الجماعي الدولي وكلفة الحرب الثلاثية: حين تتحول الممرات الاستراتيجية إلى رهائن للصراع!؟

السفير د. معاوية التوم


تشهد منطقة الخليج والشرق الأوسط في المرحلة الراهنة واحدة من أكثر اللحظات الجيوسياسية تعقيداً منذ عقود، في ظل ما يمكن وصفه بـ”الحرب الثلاثية” التي تتقاطع ساحاتها بين الخليج والساحة الإيرانية والامتدادات الإقليمية في لبنان والعراق والبحر الأحمر. ومع اتساع رقعة الصراع وتداخل مساراته العسكرية والسياسية، يبرز غياب العمل الجماعي الدولي كأحد أخطر تداعيات هذه الحرب، ليس فقط على مستوى إدارة الأزمة، بل على مستوى غياب المشروعية الدولية للحرب، وكلفة الصراع المتصاعدة وتأثيراته العميقة على الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة والممرات البحرية الحيوية.

لقد كشفت هذه الحرب، في أحد أبرز أوجهها، عن فجوة كبيرة في منظومة العمل الدولي المشترك، تلك المنظومة التي كانت تقليدياً تتحرك – ولو ببطء – حين تتعرض الممرات الاستراتيجية أو المصالح الاقتصادية الكبرى للاهتزاز. غير أن ما يجري اليوم يشير إلى حالة من التردد والتشتت في الإرادة الدولية، الأمر الذي جعل الصراع يتطور بوتيرة أسرع من قدرة المجتمع الدولي على احتوائه أو إدارة تداعياته.

الحرب الثلاثية وكلفة التصعيد المتبادل

الحروب المعاصرة لم تعد تقاس فقط بعدد الضحايا أو حجم الدمار المادي، بل بما تخلقه من اضطراب في الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد وأسواق الطاقة. وفي هذا السياق، تبدو الحرب الثلاثية نموذجاً واضحاً لصراع متعدد المستويات، حيث تتداخل العمليات العسكرية المباشرة مع الضغوط الاقتصادية والحروب غير المتكافئة والرسائل الاستراتيجية المتبادلة.

إن كلفة هذا الصراع تتوزع على جميع أطرافه، لكنها لا تقف عند حدود الأطراف المتحاربة. فالدول الخليجية – التي تشكل إحدى ركائز سوق الطاقة العالمي – تجد نفسها في قلب دائرة المخاطر الأمنية والاقتصادية، بينما تواجه إيران ضغوطاً عسكرية واقتصادية متزايدة، في حين تمتد التداعيات إلى دول أخرى في المنطقة عبر ارتفاع مستويات التوتر وعدم الاستقرار.

غير أن الخطر الأكبر يكمن في أن هذه الكلفة تتجاوز الإقليم لتطال الاقتصاد العالمي بأسره. فكل اضطراب في الخليج ينعكس فوراً على أسواق النفط والغاز، وعلى أسعار النقل البحري والتأمين، وعلى ثقة الأسواق الدولية. ومن هنا يصبح الصراع المحلي أزمة عالمية تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية الكبرى.

مضيق هرمز: عنق الزجاجة في أمن الطاقة العالمي

في قلب هذه المعادلة يقف مضيق هرمز بوصفه أحد أهم الممرات البحرية في العالم، حيث يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط والغاز المتجهة إلى الأسواق الدولية. ولذلك فإن أي تهديد لأمن الملاحة في هذا المضيق لا يمثل مجرد حادثة عسكرية عابرة، بل تحولاً استراتيجياً في معادلة أمن الطاقة العالمي.

لقد أصبح المضيق، في ظل الحرب الثلاثية، أشبه بعنق زجاجة جيوسياسي يمكن لأي تصعيد فيه أن يربك الاقتصاد الدولي. فالتلويح بإغلاقه أو تعطيل الملاحة فيه لا يهدد دول الخليج وحدها، بل يضع الاقتصاد العالمي بأسره أمام احتمال صدمة طاقة جديدة، امام حرب الناقلات.

هذا الواقع جعل الممرات البحرية تتحول إلى أوراق ضغط في الصراع، حيث تستخدم كأدوات للتأثير السياسي والعسكري. وفي ظل غياب آلية دولية فعالة لحماية هذه الممرات، يزداد خطر انزلاق المنطقة إلى مرحلة أكثر خطورة من التصعيد.

الدعوة الأمريكية المتأخرة

في خضم هذه التطورات، جاءت الدعوة الأمريكية للدول المستفيدة من استقرار سوق النفط للمساهمة في حماية الملاحة في مضيق هرمز. غير أن هذه الدعوة بدت – في نظر كثير من المراقبين – متأخرة زمنياً، ومحدودة من حيث قدرتها على معالجة جذور الأزمة.

فالولايات المتحدة، التي ظلت لعقود الضامن الأمني الرئيسي لمنطقة الخليج، تجد نفسها اليوم أمام واقع دولي أكثر تعقيداً. فالتنافس مع القوى الكبرى، وتراجع الرغبة في الانخراط العسكري المباشر، يدفعان واشنطن إلى محاولة تقاسم أعباء الأمن البحري مع شركائها الدوليين.

لكن المشكلة لا تكمن في مبدأ تقاسم الأعباء، بل في توقيت الدعوة وسياقها. فحين تتحول الممرات الاستراتيجية إلى ساحات صراع بالفعل، يصبح التحرك المتأخر أقل قدرة على إعادة الاستقرار، بمدى الاستجابة والتفاعل من قبل المدعوين للانخراط وكلفته المستقبلية.

الاقتصاد العالمي رهينة للصراع

إن أخطر ما تكشفه الحرب الثلاثية هو أن الاقتصاد العالمي بات رهينة لصراعات إقليمية يمكن أن تنفجر في أي لحظة. فالعولمة التي ربطت الأسواق الدولية ببعضها البعض جعلت أي اضطراب في منطقة استراتيجية كفيلًا بإحداث موجات ارتدادية في مختلف أنحاء العالم.
فارتفاع أسعار النفط والغاز، وزيادة تكاليف النقل البحري، وارتفاع أسعار التأمين على السفن، كلها عوامل تؤدي إلى تضخم عالمي وضغوط اقتصادية على الدول المستوردة للطاقة، خصوصاً في آسيا وأوروبا.
كما أن الدول النامية ستكون الأكثر تضرراً من هذه الاضطرابات، إذ تعتمد اقتصاداتها الهشة على استقرار أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد. وبذلك يتحول الصراع الإقليمي إلى عامل إضافي في تعميق الأزمات الاقتصادية العالمية.

دول المنطقة بين مطرقة الحرب وسندان الارتهان

أما دول المنطقة نفسها فتواجه معادلة أكثر تعقيداً. فهي من جهة تقع في قلب الصراع وتتحمل كلفته الأمنية والاقتصادية، ومن جهة أخرى تجد نفسها أمام خطر الارتهان للقوى الدولية التي تتدخل لحماية مصالحها الاستراتيجية دون كبير اكتراث بما يقع من عبء على الآخرين .
إن استمرار الحرب الثلاثية دون إطار جماعي لإدارتها قد يدفع المنطقة إلى مرحلة جديدة من إعادة تشكيل التحالفات الأمنية. وقد يؤدي ذلك إلى تعزيز الوجود العسكري الخارجي في الخليج، وهو ما يخلق بدوره معادلات أمنية أكثر حساسية وتعقيداً.
كما أن هذه التطورات قد تدفع بعض الدول إلى تسريع برامجها الدفاعية والعسكرية، الأمر الذي يفتح الباب أمام سباق تسلح إقليمي يزيد من هشاشة الأمن الجماعي.

الحاجة إلى مقاربة دولية جديدة

إن ما تكشفه هذه الأزمة هو الحاجة الملحة إلى مقاربة دولية جديدة لإدارة أمن الممرات البحرية في الشرق الأوسط. فالممرات الاستراتيجية ليست ملكاً لدولة واحدة، بل تمثل شرايين حيوية للاقتصاد العالمي بأسره.
ومن هنا فإن حماية هذه الممرات ينبغي أن تقوم على أساس العمل الجماعي الدولي، لا على مبادرات متفرقة أو ردود أفعال متأخرة. كما أن معالجة جذور الصراع في المنطقة تظل شرطاً أساسياً لتحقيق الاستقرار طويل الأمد.
فلا يمكن تأمين الممرات البحرية بشكل دائم دون تخفيف التوترات الإقليمية وبناء منظومة أمن جماعي قائمة على التوازن والردع المتبادل.

خاتمة

في نهاية المطاف، تكشف الحرب الثلاثية عن حقيقة استراتيجية واضحة: أن غياب العمل الجماعي الدولي في إدارة الأزمات الكبرى قد يحول الصراعات الإقليمية إلى أزمات عالمية مفتوحة السقوف والاحتمالات.
فحين تصبح الممرات البحرية رهينة للصراع، ويصبح الاقتصاد العالمي أسيراً لتقلبات الأمن في الخليج، فإن الكلفة لا تعود مقتصرة على أطراف الحرب وحدهم، بل تمتد إلى العالم بأسره.
ولهذا فإن الدعوة الأمريكية المتأخرة لحماية عبور النفط عبر مضيق هرمز ليست سوى مؤشر على إدراك متأخر لحجم المخاطر. أما التحدي الحقيقي فيكمن في بناء مقاربة دولية أكثر فاعلية قادرة على منع تحول هذه الحرب إلى نقطة تحول كبرى في النظام الاقتصادي والأمني العالمي، وتبعاته على استقرار منطقة الشرق الأوسط.
——————-
١٦ مارس ٢٠٢٦ م

اترك رد

error: Content is protected !!